كيف تصنع التربية بالخوف طفلًا كاذبًا؟ علاج الكذب عند الأطفال

الكذب عند الأطفال سلوك مكتسب ناتج عن تفاعل الطفل مع بيئته، وغالبًا ما يكون حيلة دفاعية لتجنب العقاب في بيئات التربية بالخوف. وتتعدد أسباب الكذب عند الأطفال لتشمل: الخوف من الترهيب، الخيال الخصب، جذب الانتباه، وتقليد الكبار. للتخلص من هذه المشكلة، يجب التوقف عن العقاب القاسي، وفصل الخطأ عن قيمة الطفل، وبناء بيئة آمنة تعزز ثقة الطفل بنفسه ليقول الحقيقة دون خوف.

عزيزي المربي، هل تعلم أنك قد تكون سببًا في تعلُّم طفلك الكذب؟ كيف تربي طفلًا صادقًا أمامك، كاذبًا خلفك؟ هذا المقال سيأخذك في رحلة غير تقليدية لفهم سلوك الكذب عند الطفل، وكيف تصنعه التربية القائمة على الخوف والترهيب.

المعلومة المطمئنة هي أن الكذب سلوك يمكن تعديله تربويًا دون اللجوء إلى الضرب أو الإهانة.

هل الكذب عند الأطفال سلوك فطري أم مكتسب؟

«الطفل كذاب بطبعه» مقولة اعتدنا سماعها من الآباء والأمهات لتبرير تقصيرهم في تربية الأبناء وحملهم على الصدق؛ فهل الكذب عند الأطفال سلوك فطري أم مكتسب؟

الكذب سلوك يكتسبه الطفل من البيئة التي يعيش فيها، وليس سلوكًا فطريًا يولد به؛ لذا تتكوَّن شخصية الطفل بما يسمعه وما يراه في البيت والشارع والروضة، وأيضًا من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

الكذب سلوك يكتسبه الطفل من البيئة التي يعيش فيها

هل الكذب طبيعي عند الأطفال؟

الكذب عند الأطفال ليس كالكذب عند الكبار؛ فقد يكون علامة على الذكاء وعلى قدرة على التفكير بعيدًا عن عقول الكبار من حوله، إلى أن يصل إلى سن الخامسة؛ عندها يبدأ الكذب الحقيقي.

فعلى سبيل المثال، يوجد الكذب الخيالي عند الأطفال حتى سن الرابعة؛ فيكذب الطفل لا ليخدعك، لكنه لا يدرك الفرق بين الحقيقة والخيال. قد يتصور أشياء لم تحدث، كأن يدَّعي أن الدبدوب هو من أكل قطعة الشوكولاتة، وليس هو، على الرغم من أن وجهه ملطخ بها.

ما أسباب الكذب عند الأطفال؟

قد يتساءل الآباء والأمهات: لماذا يكذب الطفل؟ في علم تحليل السلوك التطبيقي، لا يوجد سلوك دون محرك أو دافع له. وبالنظر إلى الأسباب التي تدفع الطفل إلى الكذب أو عدم قول الحقيقة، نجدها كالتالي: الخوف من العقاب، والخيال الخصب، وجذب الانتباه، وتقليد الكبار.

التربية بالخوف وتأثيرها في الكذب عند الأطفال

التربية بالخوف والتهديد المستمر بالعقاب جرحٌ ينزف داخل كثير من بيوتنا، يكشف لنا بجلاء العلاقة بين أسلوب التربية وسلوك الطفل.

التربية بالخوف والتهديد المستمر بالعقاب جرحٌ ينزف داخل كثير من بيوتنا

عزيزي المربي، عندما يتربى طفلك في بيت تعلو فيه الصيحات والأصوات، ويكثر فيه الصراخ والشجار، والأم تهدد بالحرمان، والأب يلوِّح بالعصا، يفكر الطفل: كيف أنجو من فعلتي؟

الطفل عندئذ يبحث عن السلامة لنفسه، وعن أن ينجو من العقاب أو الحرمان من الامتيازات التي يحبها، وليس بحثًا عن الحقيقة التي قد تكلفه الحرمان من أشياء يحبها أو التعرض للضرب. فالطفل في هذا السياق لم يرتكب «جرمًا»، لكنها غريزة البقاء؛ وعلى هذا تتكوَّن المعادلة على النحو التالي:

صدق + عقاب = خطر
كذب + نجاة = أمان

ومع تكرار الكذب، يتحول من مجرد أداة للإفلات من العقاب أو الحرمان من الامتيازات إلى أسلوب حياة، إلى أن يصبح جزءًا من شخصية الطفل. وهنا تحضر قاعدة تربوية تقول: «كثرة المساس تميت الإحساس»، فالإفراط في الضرب والتهديد يجعل العقاب يفقد أثره تدريجيًا، ويدفع الطفل إلى تطوير وسائل التفاف جديدة، أبرزها الكذب.

لماذا يبدو طفلك صادقًا أمامك.. وكاذبًا خلفك؟

إحساس مؤلم أن يشعر الأب أو الأم أن طفلها «بوجهين»: وجه صادق أمامه، ووجه آخر على النقيض تمامًا خلفه. لفهم ما يحدث، نجد أن الطفل يلجأ إلى إستراتيجية «الصدق المشروط»؛ فإذا كان الصدق يقوده إلى العقاب أو الحرمان، استبدله بالكذب الذي يضمن له النجاة والأمان.

مثال ذلك: الطفل الذي يلعب بالكرة داخل البيت، ثم يركلها بقوة فتكسر المزهرية، فيسرع إلى إخفاء معالم ما حدث. وعندما ينكشف الأمر وتسأله الأم: من الذي كسر المزهرية؟ يقسم أن الهواء هو الذي أسقطها، وليس الكرة التي ركلها بقوة!

الفرق بين تربية الصدق وتربية الطاعة

الفخ الذي يقع فيه كثير من المربين هو الاعتقاد بأن تربية الطاعة، أي التربية بالخوف أو القائمة على العقاب والضرب، تُخرج طفلًا صادقًا. والحقيقة أن تربية الطاعة تركز على النتيجة؛ أي إن ينفذ الطفل ما يُطلب منه، وإلا فإنه يلجأ إلى الكذب حتى يظهر وكأنه «طفل مطيع».

أما تربية الصدق فتركز على العلاقة، حتى لو كان الطفل مخالفًا للأوامر والتعليمات؛ فهي تعطي الأولوية لبناء الثقة، لا لفرض الانصياع.

إضاءة من جلسات تعديل السلوك

بصفتي خبيرًا في علم النفس التربوي، في علم نفس النمو وتعديل السلوك، نجد أن كيف أتعامل مع الطفل الكذاب يبدأ بإلغاء الاستجواب البوليسي. عندما تصرخ في وجه طفلك: هل أنت من كسر هذا؟! فأنت تضعه في زاوية دفاعية تدفعه للكذب التلقائي هربًا من غضبك. المربي الناجح هو من يبني بيئة آمنة للاعتراف بالخطأ، فيدرك الطفل أن قول الحقيقة قد يتبعه توجيه أو تحمل للمسؤولية، ولكنه لن يتبعه إهانة أو أذى جسدي.

كيف نربي طفلًا صادقًا دون تهديد أو خوف؟

تربية الطفل على الصدق ليست بالأمر الصعب؛ فإنه يكفي أن تتوقف فورًا عن التربية بالخوف والتهديد والعقاب. ولكي تربي طفلك على قول الحقيقة، عليك أن عليك أن تتبع التالي:

  • تفصل بين الخطأ وقيمة الطفل.

  • تكافئ الصدق حتى مع الخطأ.

  • تتجنب السؤال الاتهامي.

  • أن تكون قدوة لطفلك في الاعتراف بالخطأ والاعتذار.

متى يكون الكذب عند الأطفال مشكلة؟

تحدثنا عن الكذب كونه علامة على الذكاء، أو وسيلة دفاعية للنجاة من العقاب. مع ذلك، توجد حالات يكون فيها الكذب عرضًا لمشكلة أعمق، يتحول معها إلى جرس إنذار يتطلب التدخل.

في الكذب القهري، يلجأ الطفل إلى إخفاء الحقيقة دون سبب واضح، ويكون واقعًا تحت سيطرة الرغبة في تأليف واقع بديل، ويفقد القدرة على الانفكاك من سيطرة الكذب.

في الكذب القهري، يلجأ الطفل إلى إخفاء الحقيقة دون سبب واضح

أما الكذب العدواني، فيصاحبه إيذاء للآخرين، سواء كانوا بشرًا أو حيوانات، أو تخريب ممتلكات، ويكون فيه الطفل قد فقد مفهوم التعاطف مع الآخر.

متى يبدأ الكذب الخيالي عند الأطفال؟

يبدأ الكذب الخيالي عند الطفل في عمر عامين تقريبًا، ويستمر حتى سن الخامسة، وهو في هذه المرحلة دليل على تطور الخيال والذكاء، كأن يتخيل أن دميته هي من أكلت الحلوى.

كيف أكتشف أن طفلي يكذب؟

ومن علامات الكذب تجنب التفاصيل، وقصر الإجابات، ووجود تناقض عند تكرار السؤال.

هل الضرب يعالج الكذب عند الأطفال؟

نعم، العقاب الشديد قد يدفع الطفل إلى الكذب هربًا من الضرب أو الإهانةوعند التعامل مع الكذب، لا يكون الحل في الضرب، بل في الحرمان التدريجي من بعض الامتيازات، مع البحث عن الدافع الحقيقي للسلوك، وتعزيز الصدق عندما يعترف الطفل بخطئه.

اعلم، عزيزي المربي، أن الطفل لا يكذب لأنه سيئ الخلق أو يعاندك، بل لأنه لم يجد الأمان عند قول الحقيقة، ما يضطره إلى الكذب تجنبًا للعقاب أو الضرب. ومع الوقت، قد يصبح الكذب مرادفًا للأمان، والصدق مرادفًا للحرمان. والفرق بين الاثنين يبدأ من أسلوبك أنت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة