ما يقال عن علاقة الكتابة بالحبر له علاقة بصلاتها التّاريخيّة بالورق والقلم، وجميع أدوات الكتابة التّقليديّة من محبرة وأقلام، وجفاف يمتصّ الحبر السّائل في مكان خاطئ على الكتابة، والورق الّذي يهدّد بمحو بعض الحبر والكتب.
وهذه الأدوات الّتي رافقت الفعل المكتوب لعدّة قرون قبل أن يشهد هذا الفعل ثورة كبيرة مع ظهور الكتابة الإلكترونيّة وتعميمها في عالم أكثر عولمة من أيّ وقت مضى، ليس فقط في الاقتصاد والثّقافة والذّوق العامّ للطعام والملابس، ولكن أيضًا الكتابة نفسها.
اقرأ أيضاً الكتابة الأدبية.. صورة الرجل والذات في المجموعة القصصية
أهمية ارتباط الكتابة بالمجالات المختلفة
الكتابة بدأت تدريجيًّا بالتّواصل مع واجباتها السّابقة، وفكّ الارتباط بها والزواج بأدواتها، ولم تعد القرطاسيّة والقلم يعرفان صاحبهما، ولم يعد يعرفهما أيضًا كما فعل قبل قرون، فمع مرور الوقت صارت الكتابة في الفضاء الافتراضيّ ضماناً لشعبيّة أكثر ونشر ما يكتبه بأسرع ممّا كان يكتبه على الورق بخطّ يده وحبره وقلمه.
ما هي حالة الكتابة الّتي تنتقل من مرحلة إلى أخرى، من الذّاتيّة الأكثر حميميّة وسبقت عصر الكتابة التّقنيّة بعد اختراع المطابع والآلات الكاتبة الحديثة، ثمّ العولمة الإلكترونيّة الّتي زادت من تعقيدها، وهذه الذّاتيّة الّتي كان الكتّاب قد ترجموها دائمًا أوّلاً مع خطوطهم، وطرق رسم الكلمات المختلفة.
واختلاف بصمات أيديهم عن طريق القلم والحبر والورق تمسّكت بالكتابة تمسّك الرّضّع بثدي أمّهاتهم، إلى المسرح والشّكليّة المعولمة والصّورة النّمطيّة الإلكترونيّة والتّقنيّة الّتي تكاد تنكر الخصوصيّات الفرديّة -إن لم تكن في أسلوب الكتابة الّذي يظلّ مع ذلك فرديّاً بحتاً "الرّجل نفسه"- على الأقلّ على مستوى علاقة الكاتب بما يكتبه ونفسه وقارئه وموضوع كتاباته.
لذلك يمكن للكتابة اليوم أن تحافظ على مصداقيّة رسالة الكاتب وقدرته على الرّبط، ونقل الشّحنة العاطفيّة الّتي يتّهم الكاتب بها في الخطّ والقلم والحبر، كما شهد على ذلك أبو حيّان التّوحيديّ قبل عشرة قرون عندما خاطب قارئه: "اعترافي به سيكون أكثر فأكثر، وشهادتي ضدّ نفسي أقوى وأكثر يقينًا، وهبوطي إليه أصعب أكثر فأكثر، وحكمك عليه هو لي للمضيّ قدمًا والتّنفيذ...".
اقرأ أيضاً تاريخ الكتابة وتطورها عبر العصور
الانعكاسات النفسية والثقافية للكتابة
ما هي الانعكاسات النّفسيّة والثّقافيّة -من وجهة نظر أنثروبولوجيّ- على الكاتب المستقبِل والقارئ المستجيب وإلى أيّ مدًى يمكن للكتابة في مرحلتها المعولمة أن تزوّد كاتبها وقارئها بما أسماه رولان بارت "متعة النّص"؟
(هذا هو عنوان أحد كتبه) فهل يمكن للإنسانيّة أن تحافظ في الأسلوب الجديد للكتابة على طبيعة الكتابة بأدواتها التّقليديّة: الورق والحبر والقلم كما عرفتها عبر تاريخها، ويتّضح من بعض النّصوص العربيّة اللغويّة والأدبيّة المكتوبة الّتي يحمل بعضها آثار الشّفويّة كعمل وجودي يتمحور حول معاني تنمية الخصوبة وتجديد الحياة والحفاظ على الجنس البشريّ.
ثمّ لم يكن هناك مهرب لأنّ حركة التّاريخ تسير إلى الأمام ولا جدوى من استئنافها، وبالتّالي لا مفرّ من أن تكون الكتابة قد دخلت مرحلة جديدة ونوعيّة وهي المرحلة الإلكترونيّة الّتي يجب استخدامها في نشر المعرفة على نطاق واسع و تحرير الكتابة.
اقرأ أيضاً تجهيز الكتابة للتعبير الفني وأهم وسائل التعبير
طرق الحفاظ على تراث الكتابة التقليدية
لا شكّ أنّ التّراث جزء من التّراث الماديّ للإنسانيّة، وإذا كانت اليونسكو قد حدّدت لنفسها مهمّة الحفاظ على هذا التّراث، مثل الحفاظ على مئات اللّغات المهدّدة بالانقراض، ليس فقط في المتاحف، ولكن أيضًا من خلال السّعي لتبنّي المدارس، على الأقل في المرحلتين الابتدائيّة والإعداديّة.
خاصّة وأنّ هذا التّراث ليس ماديًّا بحتًا، بل ينقل تجربة عاطفيّة وروحيّة تكون فيها العوامل الثّقافية والنّفسيّة والذّاتيّة مختلطة إلى حدّ كبير؛ لذلك ليس من الطّبيعيّ أن يسعى الكتّاب للحفاظ على تراث الكتابة؛ خطّ اليد والورق والقلم والحبر.
حكاية الكتابة هي قصّة الإنسان وهو يتطوّر من وسائل عيشه وتقنياته في إتقان الطّبيعة وترويض وحشيّتها وتسخيرها في خدمته وراحته بأفضل طريقة شيئاً فشيئاً، كما خضع الحبر لنفس التّطور.
فعمل الإنسان على مرّ العصور على استخراجه من فضلات الحيوانات (من الأغنام والإبل) ومن مختلف أنواع النّباتات والأشجار بطرق يدويّة بسيطة ممّا أدّى إلى تصنيعه بأفضل طريقة ممكنة باستخدام التّقنيات الحديثة متقنة ليس فقط باستخراجه بألوان مختلفة.
ولكن بلون واحد من خلال اعتماد تقنيّة كيميائيّة متطوّرة في إنتاج الحبر الأسود بالدّرجات الّتي يتكثّف فيها الأسود تدريجيّاً ويغمق أو يتلاشى حتّى يصل إلى محيط الرّماديّ، وكلّ ذلك لطلب الرّاحة لعيون الكاتب والقارئ.
اقرأ أيضاً 4 مراحل لتطور الكتابة في مصر الفرعونية
طرق أخرى للحفاظ على الكتابة التقليدية
لذلك ليس من المستغرب أن تقرأ على سبيل المثال في ملاحق منشورات المتخصّصين في الكتابة الصّوتيّة الّذين يعدّون الحروف رسومات فنّانين أنّ أصحاب المطابع يجب أن ينتبهوا لضرورة التّفكير في عيون وراحة القرّاء ونصحهم مثلاً بألّا يطبعوا بالحبر الأسود.
بل بالحبر الرّمادي؛ لأنّه هو الّذي يرسم الحروف بنعومة وراحة أكبر على الورقة البيضاء الجميلة.
مثل الورق والقلم رُبط الحبر بالخيال المكتوب للإنسانيّة بقدر ارتباطه بالإنسان نفسه الّذي يُرى قبل كلّ شيء في جسده، كان يقضي على القلم، وإذا لم يقض الحبر على الورقة.
فإنّه يُحتفظ بها من الكاتب الّذي لم يعد له علاقة بالحبر، ويجهّزها في المحبرة، ويمكن أن يلمسها عمدًا أو لا، فيلطّخ بها يديه، ويشتمّ رائحته ويفكّر في لونه الأزرق أو الأسود حين يتدفّق على ورقه الّذي يرسم الحروف الّتي تحتاج إلى كتابتها، فهو مقروء بأفضل طريقة.
ويخرج للمشاهد ويقدّم للآخرين في أفضل مظهر وفي أفضل إخراج، رسائل لا ترد فقط في أفكاره، ولكن في مشاعره وعواطفه الّتي تقتصر على الخبراء في قراءة وتفسير الخطوط والمتخصّصين في جماليّاتها وتفسيرها ضمن تأويل خاصّ بهم.
يخزّن الحبر في خراطيش موجودة في الأجزاء المجهولة للطّابعة فلا يراها الكاتب، أمّا بالنّسبة للورق فيمكنه الاستغناء عنها تمامًا ما دام يستطيع قراءة ما كتبت مباشرة على شاشة الجهاز.
تمامًا مثل قارئه ومستقبل نصّه الّذي إذا أراد نسخ هذا الّذي تلقّاه مكتوبًا على الفضاء الافتراضيّ لأيّ سبب من الأسباب فهو غير ملزم بذلك لاستلامها، بالإضافة إلى نسخها على الورق بواسطة النّاسخ في حركة ميكانيكيّة من شأنها تغيير العلاقة الحميمة بين الكاتب والقارئ بالورقة.
أو الأوراق إذا تعلّق الأمر بالكتاب، ورغم أنّ هذه العلاقة نفسها تغيّرت منذ فترة طويلة بعد أن قرأ القارئ الكتاب المطبوع بتقنيّة حديثة، وليس بخطّ يد صاحبه أو النّاسخين أو أيّ شخص كما كان في العصور الوسطى.
اقرأ أيضاً دور الكتابة في تشكيل المخطوطات العربية القديمة
دور الكتابة الإلكترونية في الكتابة
جاءت الكتابة الإلكترونيّة لإلغاء عنصر أساسيّ في علاقة الكاتب بالمكتوب والقارئ بالقراءة، وهو دور الورقة المؤثّر، وإن لم يكن أوّليًّا، لأنّ الكاتب الّذي يحبّ ما يكتبه.
والقارئ الّذي لديه رغبة شديدة في ما يقرؤه يتخطّى لمس الورقة بأطراف أصابعه ليدخل في اتّصال حميم معها، وينصح الوالدان بتربيّة أطفالهم في سنّ مبكّرة أن يتعلّموا الكتابة والقراءة عن طريق لمس الكتاب حتّى يبنوا ألفة بينهم تدريجيًّا حتّى يقعوا في حبّه ويصبحوا أصدقاء له منذ الصّغر.
أدّت سهولة التّعبير عن الرّأي أو الموضوع بسرعة وضمان التّواصل السّريع من خلال الكتابة الإلكترونيّة إلى نقص خطير في أهميّة الكتابة على الورق وإلغاء التّقليد التّاريخيّ الّذي عاش معه الإنسان منذ العصور القديمة والمتمثّل في الكتابة، والرّسائل الورقيّة الّتي تصل بالبريد وعبر الحمام المدرّب سابقًا.
ولقد استعيض عنها اليوم بالرّسائل الإلكترونيّة، ممّا أدّى إلى حرمان المتلقّي من الرّسالة خاصّة عندما يكون محبوبًا أو صديقًا، ليشعر به عندما يلمس الورقة، ويتأمّل في كتاباته ويكون على تواصل عاطفيّ مع مرسله، ويمكنه الاحتفاظ بها كشيء ملموس وثمين بين دفاتر ملاحظاته، ومقتنياته الشّخصيّة المهمّة.
اقرأ أيضاً عن الكتابة وكتابي المفضلين
مزايا الكتابة الإلكترونية
لا شكّ أنّ للكتابة الإلكترونيّة مزاياها، فهي شيّقة ومغرية وتتميّز بسرعتها العالية، كما أنّها تتيح للكاتب تصحيح الجمل والأخطاء النّحويّة والصّرفيّة وتغيير البنية في وقت قصير ودون أيّ تكلفة أو تعقيد، وهذا ما لا توفّره الكتابة الورقيّة والمنشورات خاصّة إذا كان الأمر متعلّقاً بنشر كتاب فلا بدّ بعد وقت سنجد منه الإصدارات المنقّحة لاحقًا.
بالإضافة إلى ذلك فإنّ الكتابة الإلكترونيّة على الإنترنت تجعل من الممكن إضافة الألوان والصّور والصّوت إلى الكتابة وغيرها من الوجوه التّعبيريّة كما يطلق عليها ممّا يعزّز قدرتها الخطابيّة، ويعزّز الأفكار الّتي تسعى إلى نقلها.
ويقوّي تأثيرها النّفسي والعاطفيّ، ودلالاتها، ويعزّز طباعة المكتوب في المجال الوثائقيّ العلميّ، ولا سيّما في البحث الاجتماعيّ والإنسانيّ، كما لاحظ بعضهم آثار الثّورة التّقنيّة على حركة التّجربة المكتوبة ومستقبلها، فإنّ هذه التّجربة الّتي لديها دائمًا القدرة على احتواء خبرات تقنيّة جديدة.
بمرور الخبرة المكتوبة بصيغتها المكتوبة من بساطة الكتابة اليدويّة إلى تعقيدات الكتابة والنّسخ الإلكترونيّ إلى ظهور تجربة كتابة ناشئة بخصائص مختلفة وإطار مختلف لتجربة الكتابة التّقليديّة والتّفاصيل الدّقيقة الّتي تتحقّق فقط في هذه التّجربة، وتكاد تكون محتكرة بها، وربّما لا تترك التّجربة القديمة شيئًا سوى رسم الحروف وترتيب الجمل مع اختلاف في كلّ شيء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.