الكتابة كعلاج نفسي

الكتابة كعلاج نفسي

الكتابة كعلاج نفسي 

“إني لأتلهف على رفع النقاب، هتك الأسرار، لأضع أصبعي على موطن الداء ومكمن الذكريات، ومبعث الآلام، ولعلي بذلك أتفادى نهاية محزنة، وأنجو من آلام لاقبل لي بها، وأتلمس في الظلماء سبيلا “  هكذا يصرح بطل رواية السراب لنجيب محفوظ، وهي نبضات محفوظ التي سيلقيها على الأوراق أيض، فالكتابة فعل حقيقي للكشف عن ذواتنا المضطربة والقلقة ، تقول جوليا كاميرون في كتابها  (الحق في الكتابة: دعوة ومبادرة لحياة الكتابة ): «أعتقد أننا جميعًا نأتي إلى الحياة ككتاب» لأن الكتابة ليس كما يعتقد البعض أنها  عمل إبداعي خالص يحظى به البعض من الصفوة، لكنه في حقيقته فعل يستطيع كل الناس الخوض فيه، ونحن كأطباء ومعالجين نفسيين نعرف هذا جيدا، فالعلاج النفسي في حقيقته يعتمد على تنمية قدرة المستفيد من العلاج على ملاحظة أفكاره ومشاعره وبالتالي سلوكه، وهم أساس تركيبتنا الشخصية والنفسية كما نعرف، وهو ما تساعدنا الكتابة أيضا عليه، أن نصبح مستبصرين بذواتنا، فهي تعني التحدث إلى ذات أخرى حتي لو كانت هذه الذات هي نحن، إن الكتابة بكل أنواعها سواء بالقلم أو بالنقر على لوحة مفاتيح الحاسوب فإنها ببساطة تخلق عالما جديدا بين ما نفكر فيه وبين أجسادنا في هذا العالم، ما يبقينا هنا والآن، هذه الحالة الوجودية التي نعيشها بحق، فالعقل يجنح دوما لإجترار الذكريات ولوم النفس على مافات، وغالبا يجعلنا الماضي نعيش في حالة إحباط على ما أصابنا، أو الندم على أحداث وأشخاص والتحسر على ما مضي لا يحمل معه إلا الحزن والإكتئاب، ولأن عقولنا لا تفرق بين الحقيقة والخيال، فعندما تجنح للتفكير في المستقبل فإننا دائما نتوقع المخيف، المجهول دائما يحمل معه الخوف وتوقع الصعوبات وهو ما يصيبنا بالقلق، أذكركم بمغامرة دخول السينما ذات الأبعاد المختلفة التي تحاكي تجربة ركوب طائرة حربية مثلا، الا يشعر الجميع بالإثارة والتوتر وهم في وعي تام أنهم في خداع بصري وسمعي وحسي، لكن ما تدركه عقولنا في لحظتها جراء هذا الخداع يسفر عن إنفجار الأدرينالين والكورتيزون وباقي هرمونات الضغوط المعروفة، والتي أشعلت رعشة المغامرة فينا وإحساسها العجيب .

إن تبني مبدأ " هنا والآن" ينتزع عقولنا وأجسادنا من براثن الماضي وأنياب المستقبل، لنعيش حاضرنا بكل قوة، وهو ما نملكه بالفعل ونستطيع الإستمتاع به، وتحسين من جودة حياتنا، إن الإستغراق فيما نفعله سواء كان عمل أو صلاة أو سير بالشارع أو حتى رقص أو إستمتاع بمشاهدة فيلم أو فعل الكتابة، كل شيء نستغرق فيه هو لحظات حياة حقيقية تقودنا لملء الحياة وتصبح مع مضي الوقت ماض إستحققنا عيشه، وبنينا فيه غدا أفضل، ولا يعني هذا عدم التخطيط للمستقبل، فنحن نستطيع فعل ذلك بالقطع لكن لا يجب أن يشغلنا هذا الأمر طويلا، تكفي ساعة بالأسبوع لنكتب مخططنا العام  .

أما ماضينا الأليم وتجاربه الصادمة فإن كتابة التجربة بكل مافيها من ألم والأحاسيس التي مررنا بها تكفينا لإخراج كل المشاعر والذكريات المخزنة المؤلمة لينا والتي قد تحرك دوافعنا حتى دون أن ندري 

تمرين 1: أكتب تجربة صادمة لك تصف فيها كل مشاعرك وأحاسيسك 

بعد هذا التمرين تنفس بعمق وهدوء عدة مرات وحاول الإسترخاء لدقائق 

تمرين 2 : إكتب دعم لصديق مر بنفس تجربتك السابقة 

بعد هذا التمرين تنفس بعمق وهدوء وحاول الإسترخاء لدقائق 

أغلق هذا الملف وأحتفظ به أو تخلص منه نهائيا لكن بشرط هو عدم العودة له من جديد، إغلق هذا الملف تماما وأبدأ تطبيق مبدأ" هنا والآن " وأستغرق في ما تفعله فعلا كل يوم 

إن ما كتبناه بالفعل في هذا التمرين يسهل المعالجة المعرفية للذكريات المؤلمة، بمعنى تمثيلها بشكل واعي أمامنا فنتعامل معها بشكل أفض كما أن السرد المنتظم يساعد الفرد على رؤية الجوانب الإيجابية  للوصول لمعنى في تجاربنا المؤلمة والصادمة

  1. إن معرفة موطن الداء ومبعث الآلام قد تساعدنا الكتابة في التعرف عليه أو حتى الشفاء منه، وأحيانا أخرى قد يحتاج منا الأمر لزيارة المتخصص في علم النفس أو الأمراض النفسية لربما كان الأمر أكثر تعقيدا ويحتاج لخبرة متخصصة في الأخذ بيدنا إلى بر الأمان . تقول الكاتبة الأمريكية جودي بلوم " نصيحتي الوحيدة لك ان تظل واعياً وان تستمع باهتمام وان تطلب المساعدة اذا ما احتجت اليها

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع الكتابة علاج لكل شئ

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
أيمن حامد - Nov 18, 2020 - أضف ردا

شكرا جزيلا استاذة زهراء اتمني ان يستفيد منه القارئ لك خالص التحية والتقدير

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب