الكتابة الأدبية.. صورة الرجل والذات في المجموعة القصصية

إذا افترضنا أنّ الكتابة الأدبيّة كتعبير عن الذّات قادرة على صياغة التّجربة الإنسانيّة في شكل فنيّ، فمهمّة الأدب قد تكون أعمق من الواقع الحياتيّ المعاش.

اقرأ أيضاً مراجعة المجموعة القصصية "وجه رجل وحيد" للكاتب مهدي زلزلي

المجموعة القصصية للكاتب جمال الدين عبد الجواد

ذلك أن العملّ الأدبيّ موقع أثريّ له دلالة واسعة، يبنيه الإنسان من خلال العلاقة بين رغباته المكبوتة ومخاوفه، تلك الرّغبات الّتي يعبّر عنها بصورة سلوك، أو لغة، أو خيال، لذا فالأعمال الإبداعيّة تعدّ ترجمة لمحتوى اللّاشعور.

تهدف القراءة الحاليّة لمجموعة (حادثة) القصصيّة -للكاتب: جمال الدّين عبد الجواد الصّادرة عام 2021 عن دار: ليفانت للدّراسات الثّقافيّة والنّشر- إلى عدّة صور للرّجل تتّسم بالدّراميّة في علاقتها بسلوكيّات الآخر الّتي تتّصل بالحدث الرّئيس، وكأنّها جزء لا يتجزّأ منه.

فهناك دائمًا حالة من (الصّراع) في المواقف الدّراميّة بين الذّات والآخر، نحاول أيضًا فهم البنية الدّرامية للقصص من خلال (المونولوج الذّهني) أوّلًا، والعناصر الدّراميّة (الحدث، والصّراع، والحوار) ثانيًا.

اقرأ أيضاً قراءة في مجموعة عينان في الأفق الشرقي

تحولات الذات في قصة كوب شاي

لا شكَّ أنّ تضارب القيم آفة المجتمعات الحديثة، فصورة الرّجل العفويّ المصدوم من حقيقة الواقع، وعجزه عن الحصول على فرصة عمل من ناحية جعل البطل الرّئيس يقول: "ست سنوات ونصف وأنا عاطل، عاطل تمامًا، لا عمل، ولا دخل، آخذ من والدي ما يقدّمه لي، وأنا في أشدّ درجات الحياء".

وما يعانيه من صراع اجتماعيّ قائم على إحساسه بالعجز عن التّأثير في مجريات الأمور، من ناحية أخرى، هو جوهر البنية الدّراميّة في قصّة: كوب شاي.

القارئ للقصّة يجد عدّة صور لشخصيّة الشّاب القادم إلى القاهرة، بحثًا عن فرصة عمل، وكيف تحوّلت ذاته العفويّة الّتي -رُغم سيطرة الإحباط- تسعى نحو الوصول إلى الحلم أو المستقبل الّذي يخلّصه حتمًا من إحساسه بالفشل، إلى الإصابة بالقهر النّفسيّ.

اقرأ أيضاً دراسة نقدية في مجموعة أحزان لا تجد من يكتبها للقاص جمال فتحي

القهر النفسي في بعض القصص

عندما قال له الأستاذ جلال: "لا بأس، لا بأس، انصرف الآن، وتعال بعد ثلاثة أسابيع"، ليكتشف أنّ هذا الرّجل القاهر يتعاطى المبالغ المالية مقابل تنفيذ قرار التّعيين، القهر النّفسيّ هنا يؤلم ذات البطل الرّئيس، فيدرك أنّ صورته الحقيقيّة هي صورة الرّجل الفقير الّذي عجز المجتمع عن توفير احتياجاته الماديّة، كأنّ الواقع الاقتصادي يجعل من الانسان ضحيّة مجتمعه، اتّضح ذلك في حواره مع سكرتير المدير:

- واللّه يا سيدي، ليس في جيبي سوى ثلاثين جنيهًا...

- ماذا أيّها الفقير؟ لا أظنّه سيأخذ أقلّ من خمسين جنيهًا...

ولأنّ الشّخصيّة الانتهازيّة هي الّتي تستثمر فساد الواقع في تحقيق مصالحها سواء كان ذلك على المستوى السّياسي أم الاجتماعي. (1)

تجلّت في القصّة صورة رجل المقهى (الانتهازي) الّذي تهرّب من دفع الحساب للعامل، وصورة العامل الذي بالغ في ثمن كوب الشّاي، وصورة الموظّف المرتشي، فمن صور الانتهازيّة استغلال المنصب أيضًا، هنا يبرز الصّراع الاجتماعيّ القائم على التّناقض بين قيم البطل، والقيم الفاسدة للآخرين.

قصّة: كوب شاي، راصدة لأزمة جيل بأسره، في حال تشيّؤه وإحساسه بالعجز، تتحوّل ذات البطل إلى التّكيّف تمامًا مع الواقع، والإصابة بـالشّيخوخة النّفسيّة الّتي تعني فقدان الطّاقة، والقدرة على مواجهة الفساد، جدير بالذّكر أنّ الشّيخوخة النّفسيّة هنا دالة على اغتراب البطل الشّاب عن واقعه الزّمنيّ ليواصل في النّهاية مسيرة التدهور الأخلاقيّ.

صورة الرجل المساند نفسياً في قصة البائعة

إذا كان الإفصاح عن الذّات يشير إلى "العمليّة الّتي من خلالها يكشف الإنسان عن أفكاره ومشاعره وخبراته الشّخصية لشخص آخر". (2)

فقصّة البائعة تدور أحداثها حول علاقة صداقة بين طارق المتقّد الشّعور والإدراك، الّذي لا يخاف، ويتّسم فوق ذلك بعاطفيّته، يقع في غرام بائعة في إحدى كافتيريات الجامعة، وخالد الّذي يتّسم بالواقعيّة فيقدّم لصديقه المساندة النّفسيّة الّتي تنهض بعدّة وظائف أهمّها المساندة الماديّة، والمساعدة السّلوكيّة كترتيب المهامّ وتلخيص المحاضرات، والتّفاعل الحميم كالتّقدير والفهم والإنصات، والتّوجيه كإعطاء النّصائح والإرشاد(3)، اتّضح ذلك في الحوار الّذي دار بينهما في المدينة الجامعيّة:

- طارق، لماذا حضرنا إلى الجامعة؟

- حضرنا إلى الجامعة لدراسة فنّ الحياة..

- لقد حضرنا لدراسة الطّبّ، لا لتعلّم الحبّ...

ولأنّ طارق يمثّل صورة الرّجل الخياليّ المهزوم عاطفيًّا، المشتّت دائمًا بين قصور آماله ومشاعر الآخر الضّبابيّة، وقع في أسر نمط المرأة الأسطورة الّتي اكتشف بعد ذلك أنّها تحب الرّجل المقتدر ماديًّا، ولا غرابة في ذلك؛ لأنّ الرّجل المحبّ الواهم يقع دائمًا فريسة المرأة العابثة الّتي تتلاعب بالمشاعر فتتّسم في أوّل الأمر بالمودّة وتبادل العاطفة.

ثمّ يصطدم بالواقع المغاير، يقول: "تأكدت بعد ذلك من مشاعرها نحوي، أصبحت نافدة الصّبر من وجودي، كثيرة الشّكوى من تغامز زميلاتها علينا، شديدة الصّخب في معاملة الزّبائن الآخرين"، فتولّد لديه حالة من الانهزاميّة كأنّ العاطفة هنا تخطّط للعقل، ودلالة ذلك تخيّل البطل لحبيبته في صورة مثاليّة.

صورة الرجل المنسحب اجتماعياً في قصة العهد

لأنّ الرّغبة هي اللّغة الّتي يهتمّ بفهمها ودراستها التّحليل النّفسيّ، وهي تختلف عن اللّغة الّتي يعرفها علماء اللّغويات، أو هي كما يقول مصطفى صفوان في مقدّمة ترجمته لرائعة (فرويد) (تفسير الأحلام): "لغة الإنسان بما هو راغب، في مقابل لغة الإنسان بما هو عارف".

في قصّة العهد، يدرك المتلّقي الكيفيّة الّتي يتأرجح من خلالها الوجود الإنسانيّ بين الإعلان عن الرّغبة وتنفيذها اعتمادًا على آلية التّكرار، فالبطل يكرّر جملة: "لن أذهب إلى المقهى أبدًا"، وفيها دلالة على أنّه يحمل في عقله كثيرًا من التّمرّد.

إلّا أنّه عجز عن التّكيّف مع واقعه الأسريّ، فانسحب منه إلى المقهى، هو ومجموعة من الزّملاء في التّربية والتّعليم، فيقول الكاتب عنهم: "هذه هي مجموعته الّتي لا تختلف عن بقية زبائن المقهى، فشلوا في حبّ زوجاتهم الصّابرات، وأهملوا أولادهم".

شخصيّة البطل الرّئيس، وزملاؤه، يعانون شكلًا من أشكال الاغتراب الاجتماعيّ الّذي يتلّخص في ضعف العلاقات الأسريّة، إلّا أنّ البطل تطوّر به الأمر في النّهاية، ليصبح مغتربًا عن ذاته اغتراباً نفسيّاً هنا؛ يعني وجود الإنسان بصورة لا تتّفق مع جوهره"(4).

فنرى البطل يفصح عن رغبته الحقيقيّة في نهاية القصّة، لنصبح إزاء عملٍ قصصيّ أكثر صدقًا وتأثيرًا، اتّضح ذلك في الحوار الّذي دار بينه وبين زميله مدرّس التّربية الرّياضيّة عندما عاد للجلوس على المقهى:

- يا رجل، إنّ الجلسة دونك تفقد كلّ بهجتها، إلى الغد أليس كذلك؟

- إلى الغد في الميعاد نفسه...

قالها وهو شديد السّعادة أو التّعاسة، لا يدري تمامًا، لكنّ ذهنه كان صافيًا، لا تراوده أفكار متمردة".

صورة الرجل الدرامية في قصة حادثة

على افتراض أنّ الإسقاط حيلة دفاعيّة نفسيّة، يلجأ إليها عددٌ كبير من الكتّاب، تجلّت بوضوح في إسقاط العنف السّياسيّ على العنف الاجتماعيّ في قصة حادثة،  فالعنف هنا ليس مجرّد تعدٍّ جسديّ على آخر.

بل هو ممارسة تشتمل العديد من الأشكال، كأنّ للعنف وجهاً آخر معنويّاً، جعل الأنا الّذي يمثّل بائع المتجر الّذي يحصل منه عدد كبير من العمّال على ما يلزمهم من طعام قبيل دخولهم مصانع الشّركة، في نوبتجية العمل الّتي تبدأ قبيل انتصاف اللّيل بساعة.

والآخر الّذي يمثّل العامل الغاضب الّذي كان يبدو متحفّزًا تلك اللّيلة في دائرة الصّراع السّياسي الاجتماعيّ، وكأنّ الكاتب يخبرنا عن الاغتراب المجتمعيّ بسبب صمت البائع، يقول الكاتب: "آثر الفتى الصّمت، وشعر العامل بذلك فازداد قوّة، وزادت جرأته"، هذا من ناحية وصمت العمّال أيضًا من ناحية أخرى.

فيقول الكاتب: "نظر البائع نحو العمّال الّذين تخطّاهم زميلهم الثّائر، فوجدهم ساكتين، كأنّ الأمر لا يعنيهم"، هنا تتّضح صورة الرّجل الدّراميّة، فظاهر الأمر اعتداء مبرّر، وباطنه إسقاط سياسيّ، فلقد غيّر الكاتب اسم العامل، واستبدله بلقب الزّعيم تمهيدًا للمشهد الأخير في القصّة.

فالمحقّق في حادثة ضرب العامل لبائع المتجر بالسّكين يخبر رئيسه في العمل: "إصابة الفتى ليست بالسّيّئة، بعد جهود مضنية قبض على العامل وبعض زملائه، وعاد الهدوء إلى المنطقة، عاد المحقّق يتصفّح أوراقه، بينما ارتفع صوت قارئ النّشرة، قامت قوات الجيش العراقيّ باحتلال الكويت".

خاتمة

في مجموعة (حادثة) القصصيّة تجلّت البنية الدّرامية في القصص من خلال المونولوج الذّهنيّ الدّراميّ، في قصّة كوب شاي، وقصّة العهد، والتوتر في علاقته بالسّرد الّذي برز من خلال (الدّيالوج) في قصّة البائعة، وقصّة: حادثة.

الكتابة المكتئبة المعبّرة عن الوجود الإنساني الجدليّ في قصص المجموعة امتزج فيها الفعليّ بالممكن، فالحوارات في القصص جاءت دالّة على أزمة الإنسان الّذي يعيش عالمين: عالم الأشياء الماديّة، وعالم الأفكار، كما أنّ المزاوجة بين التّكثيف والسّرد المطوّل للتّفاصيل أدّت إلى ارتفاع وتيرة (الصّراع النّفسيّ) المرتبط بشخصيّات كلّ قصّة وأحداثها ومشاهدها.

نحن أمام كاتب يستمتع بعملية الإبداع ذاتها، قدّم لنا في قصّة كوب شاي صورة الرّجل العفويّ، وكيف تحولّت ذاته بفعل تضارب القيم والفساد الأخلاقيّ معرّجًا على اتّساع الهوّة بين (الأنا الواقعيّ) و(الأنا الخياليّ) في التّعاطي مع صورة المرأة في قصة البائعة.

نلاحظ أيضًا الكيفيّة الّتي خلط الكاتب من خلالها بين رؤية الكاتب والتّركيب المزاجيّ للشّخصيّات، في اختلاف الخطوط الأولى لقصّة حادثة عن الخطوط النّهائيّة، ومن الفوضى المجرّدة إلى (إسقاط) الواقع السّياسي المعاصر، بينما حدث العكس في قصّة العهد، ففيها تحرّكت شخصيّة البطل الرّئيسين على المستوى الفكريّ والنّفسيّ والسّلوكيّ دون تدخّل لا شعوريّ من الكاتب اعتمادًا على آلية التّكرار.

الهوامش والمراجع

1- محمد السّيد إسماعيل (2009)، "الرّواية والسّلطة: بحث في طبيعة العلاقة الجماليّة"، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب.

2- Kazdin, A. (2000). Encyclopedia of Psychology. New York; Oxford University, Vol.7.

3- Barrera, M. & Ainlay, S. L (1983). The Structure of Social Support: A Conceptual and Empirical Analysis. J. of. Community Psychology, 11, 133.

4- عزّت حجازي (1978)، "الشّباب العربيّ والمشكلات الّتي يواجهها"، صــ91

5- إيران بعيون مسافر الكنبة، ملخّص كتاب مسافر الكنبة في إيران لعمرو بدوي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة