الكاتب الكبير "عباس محمود العقاد"

توفي عباس محمود العقاد يوم الأربعاء 11 مارس 1964م، عن عمر يناهز الخامسة والسبعين، قضى منها أكثر من 50 عامًا ممسكًا بالقلم ويزاول مهنة الفكر.

ترك العقاد ما يقرب من 80 كتابًا في مختلف فروع الفكر والمعرفة والأدب.

وإذا هاجمنا العقاد أكثر من مرة في هذا المكان، فهذا لا يعني أننا ننكر قيمته ودوره اللامع في تاريخ الفكر العربي، بل إننا ندينه دائمًا لعناده المرير في مواقفه الفكرية، لأنه كان قاسيًا وصارمًا في قراراته، فلا يسمح لأحد أن يختلف معه أو يخالف أيًّا من آرائه.

لكن كل هذا لا ينفي أن العقاد كان ركيزة كبيرة من ركائز الثقافة العربية.

اقرأ أيضًا أدب اليوميات عند العقاد

بداية العقاد مع الكتابة

بدأ العقاد الكتابة عام 1910م، وكانت الثقافة العربية مقتصرة على الكتب الصفراء، وكانت هذه الثقافة بعيدة كل البعد عن ثقافة الغرب المعاصر، واستطاع العقاد أن يؤدي دورًا مذهلًا في ربط الثقافة العربية بالثقافة الغربية.

ولذلك عرفنا على الأساليب العلمية الحديثة واستطاع بذلك أن يغير الوضع الفكري للعرب، واستطاع أن يناقش مسائل التاريخ الإسلامي بعقلية رجل معاصر ومتحضر، وبذلك أصبح خطابه مقبولًا ومؤثرًا في عقول الناس.

وكل هذا بعد أن كان الذين نظروا إلى التاريخ الإسلامي جماعة ممن قدسوه وقبلوه كما جاءهم دون فحص أو بحث عن برهان ويقين، وكان هؤلاء بلا شك جماعة من الجامدين الذين ساعدوا على تعكير صفو التاريخ والعقل العربي، ووقفه عند الحدود القديمة التي عفا عليها الزمن.

هذه المجموعة الأولى كان بجانبها مجموعة أخرى وهي المجموعة التي ترفض التاريخ الإسلامي وتعده نوعًا من الجهل الحضاري الذي يجب رفضه: ننكره ونتخلص منه إذا أردنا أن نعيش في القرن العشرين.

لقد نجح العقاد في التخلص من جمود العقلية القديمة، وفي الوقت نفسه تمكن من التخلص من الإنكار المطلق لأصحاب العقلية الحداثية المتطرفة، لمن أرادوا أن نقطع الماضي تمامًا ونبتعد عنه.

لذا، فقد أعاد العقاد -مع بعض ألمع أبناء جيله مثل طه حسين- نوعًا من الارتباط بيننا والماضي، وهو نوع جديد وذكي وأصيل، يبقينا مستمرين، واتصالًا يساعدنا على المضي قدمًا في عالم الحضارة.

فكتاب العقاد عن النبي "محمد" مثلًا يساعدنا على فهم عبقرية النبي (صلى الله عليه وسلم)، لكنه إضافة إلى ذلك يفتح لنا آفاقًا جديدة للتعرف على كثير من علماء الغرب، لأنه استخدم أحدث الأساليب المعروفة لتحليل الشخصية الإنسانية، في دراسته للعبقرية المحمدية.

اقرأ أيضًا سيرة عباس محمود العقاد.. تعرف عليها الآن

كتاباته في الأدب القديم

والمثقفون الريفيون الذين قرؤوا العقاد هم الذين دفعوا أبناءهم إلى اتباع التربية المدنية المعروفة، أما الذين قرؤوا مصطفى صادق الرافعي وأمثاله فهم الذين فرضوا على أبنائهم أسلوبًا شديدًا في القراءة والتعليم الديني الكلاسيكي المعقد الذي أبعدهم في النهاية عن روح العصر وحضارة القرن العشرين.

بمعنى آخر، لقد أقنع العقاد القارئ العربي بالحضارة الحديثة، بواسطة الثقافة العربية نفسها، وهذا في الواقع جهد هائل وضخم لم يتمكن من فعله إلا عقل واسع وعميق مثل عقل الكاتب الكبير عباس العقاد.

إلا أن العقاد لم يكتفِ بمجال التاريخ الإسلامي، فدخل مجال الأدب القديم، وكانت له آراء لامعة وذكية في الأدب القديم، استخدم فيه أيضًا الأساليب الحديثة بعد أن عرفها واستوعبها وأصبح قادرًا على ذلك، فكتابه عن «أبي نواس» يعتمد على التحليل النفسي ويستخدم مفهوم «النرجسية» المعروفة في علم النفس.

ويعد كتابه عن ابن الرومي من أهم الكتب النقدية التي عرفتها المكتبة العربية.

وقد بيَّن الشاعر الكبير العقاد في هذا الكتاب قدرته الكبيرة على فهم شخصية الفنان بأشعاره.

واستطاع في هذا الكتاب الممتاز أن يعيد شاعرًا قديمًا إلى الحياة، لنرتبط بعد قراءتنا لكتاب العقاد بابن الرومي وشعره، وكأنه كان يعيش بيننا وفي عصرنا ويتأثر بتجاربنا في الحياة، وكونه شاعرًا منغمسًا في صفحات الأدب القديم.

ويعد ابن الرومي من أقل الشعراء حظًّا، لأنه لم يحظَ باهتمام كبير في الماضي حتى جاء العقاد ليعيده إلى الحياة.

اقرأ أيضًا العقاد وعبقرياته

دور العقاد في إحياء اللغة العربية الفصحى

وهكذا كان للعقاد إسهامات واعية كبيرة في إحياء الفكر العربي الفصحى (أدبًا ودينًا وحضارة)، وألبس هذا الفكر لباسًا عصريًّا مقبولًا ومؤثرًا.

فإذا كنا ننادي بالقومية العربية اليوم، ونعلم جيدًا أن أحد الأسس المهمة للقومية العربية هي اللغة المشتركة والتراث الفكري، فلا بد أن ندرك أن العقاد أسهم إسهامات كبيرة في إحياء التراث القديم والحضارة العربية.

وأسهم العقاد مساهمة كبيرة في جعل اللغة العربية لغة حديثة وجعل الثقافة العربية ثقافة حديثة.

ولولا العقاد وبعض من جيله لما كان شباب اللغة العربية متجددًا، وكنا نعيش حتى الآن في ظلمة شيخوخة الفكر العربي واللغة العربية، مثلما كان الحال في القرن التاسع عشر الميلادي.

وبذلك يمكن القول إن العقاد، وإن لم يدعُ مباشرة إلى القومية العربية، فإنه أسهم بدرجة كبيرة في تحقيق هذه الدعوة القومية، بكتبه وجهوده الفكرية، في حين كان أكثر المسهمين في إرساء أساس متين ومتقدم للقومية العربية والفكر العربي واللغة العربية.

وإذا نظرنا إلى دور العقاد في النقد الأدبي نجد أنه كان له أيضًا دور مهم ورائع، لا سيما في نقد الشعر.

فقد بدأ العقاد حياته الأدبية والشعر في مرحلة جمود وركود، لقد كانت "القيم الكلاسيكية" مسيطرة تمام السيطرة على الشعر في ذلك الوقت، وكان الشاعر في الغالب هو شاعر المناسبات، فالقصيدة تُكتب في الرثاء والتهنئة، وتُكتب في الأعياد الوطنية والأعياد الدينية وهكذا.

اقرأ أيضًا تعرف على بعض الأدباء والعلماء المؤثرين في الأدب

النفس هي منبع الشعر الأصيل

وجاء العقاد فنادى بدعوة واضحة محددة هي العودة إلى النفس الإنسانية، فالتجربة النفسية وحدها هي التي تخلق الشعر الأصيل، والتجربة النفسية وحدها هي التي تجعل للشاعر شخصية مستقلة نحس بها بشعره.

وكانت دعوة العقاد قوية أصيلة، وبدأت هذه الدعوة نفسها في معركة كبيرة بينه وأمير الشعراء في ذلك الوقت، الشاعر الكبير أحمد شوقي وكان لهذه المعركة دوي كبير، وانتهت المعركة بفتح الطريق أمام أدب جديد يختلف في قيمه وأساليبه عن الأدب الكلاسيكي.

ويضاف إلى كل هذا أن العقاد كان صاحب ثقافة موسوعية، فقد أتقن كثيرًا من العلوم والمعارف وأصبحت كتبه ثروة كبيرة للناس، وهي كتب في مجالات كثيرة مثل الأدب والتاريخ والفلسفة والأديان، وكانت كتاباته في جميع هذه الفروع عميقة وذكية، وتتميز بثقافة عالمية وواسعة.

وكان للعقاد موقف سياسي فقد كان وطنيًّا مخلصًا، أي أنه فهم المسألة الوطنية، وهي تخليص الأمة من الاستعمار الأجنبي، لكنه لم يستطع فهم المسألة الاجتماعية بوضوح، أي تخليص المجتمع من الاستغلال والسيطرة الاقتصادية عن طريق بضع مجموعات محدودة.

ولذلك كان العقاد الابن الفاضل للثورة المصرية عام 1919، وكانت هذه الثورة تهدف قبل كل شيء إلى تحرير الأمة قبل تحرير المواطن من الاستغلال الاقتصادي خاصة.

وفي غالب كتب العقاد لا نجد أي أثر يذكر في المسألة الاجتماعية، مثل ذلك الموجود عند سلامة موسى أو طه حسين.

ولهذا السبب كان العقاد على خلاف عنيف مع كل المفكرين اليساريين، ولم يتفق مع الشيوعيين.

وما جعل هذا الخلاف مريرًا هو أن الشيوعيين العرب كان لهم موقف استفزازي تجاه العقاد منذ البداية، ولم يحاولوا الدخول في حوار هادئ ومعقول معه، واتهموه بالخيانة وغيرها من الأوصاف القاسية.

اقرأ أيضًا عن مؤلفات الكاتب الكبير "عباس محمود العقاد"

تهديد بالقتل

وفي الواقع، وصل الأمر إلى النقطة التي تلقى فيها تهديدات فعلية بالقتل من بعض الشيوعيين، ولم ينجح الشيوعيون قط في وضع العقاد في توازن هادئ وعلمي وموضوعي، على العكس من ذلك، كانوا متحيزين ضده.

والآن وقد مات شاعرنا الكبير العقاد، وأصبح حقيقة من حقائق التاريخ العربي، يجب أن نقول إنه كان مفكرًا عظيمًا لامعًا شديد الخصوبة والغزارة، وإن فكره الغزير الخصب كان مملوءًا بما يستحق البقاء والحياة، وكان يحتوي على جانب آخر خاطئ، ولكن أخطاء العقاد لا يمكن أن تبتلع في آخر الأمر ميزاته الحقيقية العظيمة.

وهذا لا يمنع من تأثيره الكبير في مجالالفكر العربي، وهي أخطاء طبيعية ناتجة عن ظروف تدريبه النفسي المملوءة بالعناد والثقة بالنفس، كما أنها ناشئة عن طبيعة المدة الطويلة المملوءة بالانفجار الفكري والاجتماعي التي عاشها بكل تفاصيلها وتأثر بها.

علمًا أن العقاد كان يكتب منذ أكثر من 50 عامًا متوالية، اهتز فيها المجتمع العربي هزات كبيرة عنيفة، واهتز فيها العالم نفسه هزات كبيرة عنيفة.

لقد كتب على مصباح الغاز، وكتب في ضوء الكهرباء، وكتب ومصر ليس فيها سيارة واحدة وعاش حتى رأى عصر الصواريخ، وكتب وكان مصر يحكمها "كرومر" ومات ومصر يحكمها أحد أبنائها، فلاح عربي هو عبد الناصر، نبع من آلامها وآمالها، وقادها إلى الطريق الصحيح.

كل هذه التقلبات المتعددة والعنيفة كفيلة بأن توقع أي عبقري في أخطاء واضطرابات فكرية.

ولكن مثل هذه الأخطاء والاضطرابات لن تكون أبدًا قادرة على إطفاء الجوانب المضيئة من عبقرية العقاد، حتى لنا، نحن الذين كان من حظنا أو من سوء حظنا أن نختلف معه بعنف أكثر من مرة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة