القلوبُ لا تشيب


أعمارنا تتزايدُ أرقامها، وتمكثُ في الوجوه تفاصيلُ الزّمن، نأمل كلما مرَّ من عمرنا عامٌ أن يعود مرَّة أخرى أو نعود نحن كما السّابق «صِغارٌ»، ولكنَ الزّمن لا يعود كما أنه لا يتوقف أبدًا.

قد يبلغُ الصغيرُ أشدّه بعد الأكبرِ منه سناً، كما أن العكس جائز، وفائدة العمرِ فقط أنه يُساعد الحياة في تسجيل استقبالها لنفسٍ قبل أخرى؛ ما زالت تسكنُ في علم الغيب.

العمرُ أرقامٌ تصاعدية لا تملُّ من الصّعود والتقدّم، ولكنها رُغم ذلك ليس لها أيُ سلطة على القلوب الَّتي لا تَقبلُ أن تشيب معها.

فالقلوب تسعد وتطمئن وتتألم ثمّ تصفو بذاتِ الأشياء البسيطة الَّتي يُحبها الطفلُ الصغير.

فقد يكون ما يُسعدُ قلوبنا؛ ابتسامة طفلٌ لنا بلا أي سبب غير أن بداخله حبٌ للحياة بمزيجٍ من البراءةٍ والصَّفا، أو طلبُ مساعدة من عجوز تُكافئنا بعدها بكمٍ من الدعوات لا يُحصى، أو نظراتُ شخصاً لجأت باحثة عن جبرٍ لخاطره فوجدت لحظتها لطفٌ منا ساعده على إعادة الثقة.. فابتسم.

كما أن قلوبنا تطمئن بأصوات الزّحام وهتافات الباعة الجائلين في الشّوارع، وضجيجُ الأنسِ مع الأحباب، بعد يومٍ قمنا فيه ببعضٍ من المعاصي سرًا.

تطمئنُ.. بخليطٍ من المشاعر يتأرجحُ ما بين الستر وشعور الندم والغرق في رحمة الله والَّتي هي في الأصل كرمٌ لا نستحقه.

وتتألم قلوبنا بكلمة قالها أعزُ إنسانٍ لدينا ولم يتألم بعدها لآلمنا، أو بنظرة انتقاص عندما بدا علينا الحماس من أمرٍ رأينا فيه إصلاحاً لحياتنا وحياة الآخرين، ولكن قابلته عيون الناقصين بالازدراء.

ثمّ تصّفو قلوبنا بكلمة ودّ بعد خصامٍ طويل وقطيعة عُمرها سنوات، تصفو بنظراتِ اعتذار وإن لم نسمع كلمة «أعتذر».

تصفو لأنَّها ما زالت تحبُّ وتحنُّ وتشتاقُ وتفرحُ كالصغار، تصفو لأنَّها صنيعُ الخالق والتّحكم فيها يعود إليه وحده، تصفو لأنَّها على فطرة الإسلام السَمحة وإن تلوثت، تصفو لأنَّنا خُلقنا ضِعاف ولو وصل المكرُ والخبثُ والحقدُ والكرهُ فينا عنان السّماء؛ تغلبنا بسمـة ونظرةُ إحسان!

نحنُ لا نملك إلا أن نحيا وقلوبنا بأعمار لا تمتُّ لتجاعيد الجفون بصلة.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مقال رائع
ارجو ان تقرأ مقالتي وتعطيني رأيك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

رائع وجميل جدا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب