في ظل التقلبات المناخية والاضطرابات الجوية التي تشهدها مناطق شمال المغرب، وما أعقبها من فيضانات عنيفة استدعت إجلاء السكان في بعض المدن، وأبرزها مدينة القصر الكبير التاريخية العريقة، وجدت المدينة نفسها واقعةً تحت حصار مائي أحاط بها من كل جانب؛ الأمر الذي اضطر السلطات إلى إجلاء قاطنيها نحو المدن المجاورة.
وفي هذا الصدد، سأحاول تسليط الضوء على وجهين بارزين من قلب هذا الحصار: أحدهما يجسد مرارة الفقد، والآخر يعكس بريق الأمل.
مرارة التهجير: (الحرقة بالنار، ولا الخرجة من الغار)
يقول المثل المغربي العريق: «الحرقة بالنار، ولا الخرجة من الغار». وهو مثل يُضرب للدلالة على صعوبة الاقتلاع من الموطن الأصلي والارتحال نحو المجهول، وما قد يواجهه المرء هناك من مصاعب اقتصادية واجتماعية قاسية.
إن الإنسان بطبعه يتوجس من هول المستقبل غير المعلوم؛ لذا يصور المثل الخروج من الدار قسرًا بأنه أشد على النفس من اكتواء الجسد بالنار، في إشارة إلى ثقل وقع هذا الحدث، خاصة حين يأتي الترحيل استعجاليًا، فلا يترك للمرء خيارًا ولا وقتًا ليحمل معه ماله ومتاعه، فيشعر حينها أن مستقبله قد ذهب أدراج الرياح وتبدد أمانه. إن هذا المثل يحمل أبعادًا فلسفية عميقة تستشرف مآلات الغربة النفسية والمادية وآثارها الممتدة.

شموخ التضامن: (إلا رماك البخيل، عند الكريم تبات)
أما الوجه الإيجابي، فيتجلى في حكمة مغربية أخرى تقول: «إلا رماك البخيل، عند الكريم تبات». ومعناها أنك إذا ضاقت بك السبل وتخلى عنك من شح بنفسه، فإن الكريم يفتح لك أبوابه ويؤمن لك المأوى ويمنحك الطمأنينة.
لقد جُبل المغاربة قاطبة على الكرم والضيافة عبر التاريخ؛ فإذا كان هذا ديدنهم في الأيام العادية، فكيف بالأيام الاستثنائية العصيبة التي يمر بها إخواننا في القصر الكبير وقد داهمتهم المحنة على حين غرة؟
لقد أبان سكان مدن الشمال عن معدنهم الأصيل بفتح بيوتهم لاستضافة المتضررين ومواساتهم، والشد على أيديهم إلى أن تنقشع الغمة وتعود الأحوال إلى طبيعتها، ويُستعاد الاستقرار المنشود.
هذا التضامن هو ثمرة ثقافة متجذرة مبنية على التعاضد والتكافل الإنساني.
إنك لتجد الإنسان البسيط في هذه الأزمات يستحضر هذه الأمثال بوعي فطري؛ فيقول بلسانه الدارج: «إيه، كما كيقول المثل: الحرقة بالنار ولا الخرجة من الغار، الهجرة صعيبة». ثم يردف متوكلًا على الله: «هذا مكتاب الله، والله ما كيضيع حد، وكيقول المثل: إلا رماك البخيل، عند الكريم تبات»، مستمدًا من ذلك عزاءه وقوة احتماله.
إن هذه الأمثال ليست مجرد كلمات، بل هي براهين وحجج يستدل بها الناس للحث على الصبر أو التبشير بالفرج، إيقانًا منهم بأنها صدرت عن أسلاف خبروا الحياة واكتشفوا خباياها، فصاغوا تجاربهم في قوالب لغوية بليغة تقاوم النسيان وتشد الوجدان.
اللهم اجعل لأهل القصر الكبير فرجًا ومخرجًا، ومأوى يقيهم برد الشتاء وقسوة المحنة. آمين.
كان الله في عونهم. والتضامن واجب
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.