يحقق الاستخدام السنوي للفحم الحيوي المستخلص من المخلفات الزراعية زيادة في غلة المحاصيل بنسبة 10.8%، ويقلل انبعاثات الميثان بنسبة 13.5% وأكسيد النيتروز بنسبة 21.4%، مع رفع محتوى الكربون العضوي في التربة بنسبة 52.5%.
الفحم الحيوي ليس اختراعًا حديثًا؛ فجذوره تمتد إلى آلاف السنين، وتحديدًا إلى حوض الأمازون في أمريكا الجنوبية. فقبل وصول المستعمرين الأوروبيين، كان سكان الأمازون الأصليون ينتجون الفحم عن طريق إشعال النار في النفايات الزراعية وتغطيتها بالتراب، في عملية تشبه التفحيم البطيء. وكانوا يخلطون هذا الفحم مع بقايا الطعام والمواد العضوية، لينتجوا عن ذلك تربةً خصبة بشكل استثنائي، عُرِفت باسم «تيرا بريتا» (Terra Preta)، وهي كلمة برتغالية تعني «الأرض السوداء».
اليوم، يُمثّل اختراع تحويل القش والمخلفات الزراعية إلى فحم حيوي خطوة استراتيجية تخدم التغيرات المناخية، وتفتح آفاقًا جديدة لتحويل مخلفات الحقول إلى كنوز تنافس النفط.
في حقول خفي: حيث يلتقي التراب بالمستقبل
في أطراف مدينة خفي الصينية، حيث تمتزج رائحة التراب برائحة المستقبل، وقف البروفيسور شينج شيان جيون (Xing Xianjun) أمام جهاز ضخم يشبه عملاقًا معدنيًّا، وابتسم ابتسامة الرجل الذي عرف أن أكثر من عقد من البحث لم يذهب سدى. كان يعرف، وهو يراقب أولى دفعات «الذهب الأسود» وهي تخرج من آليته، أن ما يحدث هنا في مقاطعة آنهوي قد يغير شكل الزراعة والصناعة والطاقة في الصين والعالم.
في 5 يوليو 2026، اجتمع خبراء من أكاديمية العلوم الصينية في خفي ليصدروا حكمًا علميًا غير مسبوق: «نتائج هذا المشروع بلغت المستوى المتقدم عالميًا، وحققت الريادة العالمية في مجال التحفيز الحيوي أحادي الخطوة». لم تكن هذه كلمات، بل كانت شهادة بأن الصين، وبجهود نخبة من علمائها، قد نجحت في تحويل ما كنا نعده «نفايات» إلى «ذهب أسود» ينافس النفط.
جهاز البروفيسور شينج لا ينتج سيارات، ولا يصنع هواتف، لكنه يفعل شيئًا أكثر إدهاشًا: يحول القش والحطب والمخلفات الزراعية إلى فحم حيوي عالي القيمة، في خطوة تجمع بين حماية البيئة ودفع عجلة الاقتصاد، وتفتح الباب أمام عصر جديد من الاستدامة، وتُبيّن للجميع كيف يتم تحضير الفحم الحيوي من المخلفات الزراعية؟.

أرقام لا تكذب: جبال من النفايات تنتظر من يوقظها
في كل عام، يتجاوز الإنتاج العالمي من المخلفات الزراعية 998 مليون طن، وهي كمية هائلة من القش والحطب وقشور الأرز ونواتج المعالجة. قش القمح وحده يمثل نحو 350 مليون طن، وسيقان الذرة نحو 170 مليون طن، وقشور الأرز نحو 101.8 مليون طن، ومخلفات قصب السكر ما بين 279 إلى 300 مليون طن. إنها جبال من المواد العضوية التي كانت، حتى وقت قريب، تُحرق أو تُترك لتتعفن، مهددة البيئة ومضيّعة للطاقة.
ما هي طرق إعادة تدوير المخلفات الزراعية؟
تعد إعادة تدوير المخلفات الزراعية وسيلة فعالة للحد من التلوث البيئي وتحويل النفايات إلى موارد اقتصادية قيّمة. وتشمل أبرز الطرق: إنتاج السماد العضوي، تصنيع الأعلاف الحيوانية، توليد الغاز الحيوي (البيوجاز)، زراعة عيش الغراب، وإنتاج الوقود الحيوي.
وفي الصين، التي تسهم وحدها بنحو 28% من إجمالي المخلفات الزراعية في العالم، تحولت هذه النفايات من مشكلة إلى فرصة. فقد ارتفعت نسبة الاستفادة من هذه المخلفات من 82% عام 2020 إلى 89% عام 2025، ما يعني أن أكثر من 7.7 مليار طن من هذه المواد تجد الآن طريقها إلى الاستخدام المفيد عبر صناعة الفحم من المخلفات الزراعية.
أما في مصر، حيث تنتج الأراضي الزراعية الخصبة نحو 50 مليون طن من المخلفات الزراعية سنويًا، فإن الفرصة لا تقل أهمية. وعلى الرغم من أن نسبة الاستفادة منها لا تتجاوز 40% حاليًا، فإن تحويل هذه المخلفات إلى فحم حيوي قد يحدث ثورة في الزراعة المصرية.
وفي أفريقيا، التي تنتج أكثر من 700 مليون طن سنويًا، يمكن لهذه التقنية أن تغير ملامح القارة السمراء كلها بتطبيق طرق إعادة تدوير المخلفات الزراعية بشكل مبتكر.
طرق إعادة تدوير المخلفات الزراعية
- السماد العضوي (الكومبوست): يتم تحويل البقايا النباتية (مثل قش الأرز وسيقان الذرة) وروث الحيوانات إلى سماد عضوي غني بالعناصر الغذائية عبر تفاعل ميكروبي طبيعي. يساعد هذا السماد على تحسين بنية التربة وزيادة خصوبتها.
- صناعة الأعلاف الحيوانية: يتم تقطيع وفرم المخلفات الزراعية الخشنة مثل عيدان الذرة الجافة وبقايا القصب لاستخدامها كعلف حيواني. يمكن رفع قيمتها الغذائية وتسهيل هضمها بالمعالجة الكيميائية (مثل اليوريا) أو البيولوجية.
- إنتاج الغاز الحيوي (البيوجاز): تستخدم المخلفات الزراعية وروث الماشية في إنتاج البيوجاز والطاقة عبر عملية التخمر اللاهوائي، ما يوفر مصدرًا نظيفًا ومتجددًا للطاقة.
- زراعة عيش الغراب (المشروم): توفر بعض المخلفات الزراعية، كقش الأرز، بيئة زراعية ممتازة وخالية من الملوثات لزراعة وتنمية عيش الغراب، الذي يُعد منتجًا غذائيًا واقتصاديًا عالي القيمة.
- إنتاج الوقود الصلب (الكتلة الحيوية): يتم تكسير المخلفات الزراعية (مثل أوراق الأشجار وقشور المكسرات والفواكه) وضغطها في مكابس حرارية لتكوين قوالب صلبة ومنتظمة تُستخدم كبديل للوقود في الأفران الصناعية.
مفهوم الاستدامة: ما هو الفحم الحيوي الزراعي؟
الفحم الحيوي، أو ما يُعرف علميًا بـ «البيوتشار» (Biochar)، هو مادة كربونية صلبة تُنتج بتسخين الكتلة الحيوية (مثل المخلفات الزراعية، والخشب، والسماد الحيواني) في بيئة محدودة الأكسجين، في عملية تُعرف بالتحلل الحراري البطيء. والنتيجة هي مادة مسامية للغاية، مستقرة كيميائيًا، قادرة على الاحتفاظ بالكربون في التربة لمئات، بل آلاف السنين.
وهذا يختلف جوهريًا عن الفحم النباتي التقليدي الذي يُستخدم وقودًا، أو الفحم النشط الذي يُستخدم في التنقية. فالفحم الحيوي صُمم ليكون مخصبًا للتربة وخازنًا للكربون، وليس وقودًا يُحرق. فهو يحسن خصوبة التربة، ويزيد قدرتها على الاحتفاظ بالماء والمغذيات، ويقلل انبعاثات غازات الدفيئة. ولهذا السبب، يُعد الفحم الحيوي إحدى أهم أدوات الاقتصاد الدائري ومواجهة التغير المناخي في القرن الحادي والعشرين.
كيفية صنع الفحم الحيوي من القش
يُصنع الفحم الحيوي (البيوشار) من القش عن طريق عملية تُسمى التحلل الحراري الكيميائي (Pyrolysis)، وتعتمد على تسخين القش في بيئة معزولة تمامًا أو شبه خالية من الأكسجين لمنعه من التحول إلى رماد.
إليك خطوات تصنيع الفحم الحيوي من القش بالتفصيل:
1. مرحلة التجهيز والتحضير
- التجفيف: يجب تجفيف القش جيدًا للتخلص من الرطوبة الزائدة؛ لأن الرطوبة العالية تقلل من كفاءة التحلل الحراري.
- التقطيع أو الكبس: يُنصح بتقطيع القش إلى أجزاء صغيرة لزيادة كفاءة الاحتراق، أو كبسه وتحويله إلى «كريات أو قوالب مضغوطة» لزيادة كثافته وتسهيل معالجته.
2. مرحلة الكربنة (التحلل الحراري)
يمكن تطبيق هذه المرحلة بطريقتين حسب الإمكانيات المتاحة:
- الطريقة التقليدية (المنزلية/ الحقلية): يتم حفر خندق مدبب في الأرض أو استخدام برميلين معدنيين متداخلين (أحدهما كبير والآخر صغير لحجب الأكسجين). يُوضع القش داخل الحاوية المغلقة بإحكام، ويتم إشعال النار حول الحاوية من الخارج لتسخين القش ببطء وبشكل غير مباشر.
- الطريقة الصناعية (الأفران الخاصة): يُوضع القش في أفران معدنية مخصصة تُغلق بإحكام، وتُرفع درجة الحرارة داخل الفرن لتتراوح بين 400 إلى 700 درجة مئوية بمعزل تام عن الأكسجين لعدة ساعات.
3. مرحلة الإطفاء والتبريد
- منع الأكسجين: عند انتهاء تفحم القش، يجب إبقاء الوعاء مغلقًا حتى يبرد تمامًا.
- التبريد بالماء: في الطرق المفتوحة أو الحفر، يتم رش الفحم بالماء فورًا لإيقاف عملية الاحتراق فجأة، ومنعه من التحول إلى رماد.
4. مرحلة التجهيز النهائي والاستخدام
- الطحن: يُطحن الفحم الحيوي الناتج ليتحول إلى حبيبات صغيرة أو مسحوق.
- التنشيط (اختياري): يُفضل خلط الفحم الحيوي مع السماد العضوي أو الكومبوست قبل إضافته للتربة لـ «شحنه» بالمغذيات والكائنات الدقيقة المفيدة، حيث يعمل الفحم كإسفنجة مخزنة للمواد الغذائية والماء.

كيفية تحويل قشور الأرز إلى فحم حيوي
يتم تحويل قشور الأرز إلى فحم حيوي (Biochar) عبر عملية تسمى التحلل الحراري (Pyrolysis)، وتعتمد على تسخين القشور في بيئة شبه معزولة تمامًا عن الأكسجين لمنعها من الاحتراق الكامل والتحول إلى رماد. تبلغ نسبة إنتاج الفحم الحيوي نحو 35% من وزن القشور الأصلية. ويمكنك تطبيق هذه العملية بطريقتين مختلفتين بناءً على الإمكانيات المتاحة:
- الطريقة المنزلية/ التقليدية (باستخدام برميل معدني): تُعد هذه الطريقة الأسهل والأقل تكلفة للمزارع الصغيرة.
- الطريقة الصناعية (باستخدام أفران الكربنة المستمرة): تُستخدم للمشاريع الاستثمارية والإنتاج الضخم لضمان جودة عالية وكفاءة مرتفعة.
ما هو الفحم الحيوي المنشط؟ أو الكربون المنشط؟
الفحم الحيوي المنشط (المعروف بالكربون المنشط أو الفحم النشيط) هو مادة كربونية خضعت لعمليات تنشيط حراري أو كيميائي لزيادة مساحة سطحها (الفحم الحيوي والكربون المنشط كمواد ماصة للمواد غير العضوية). وبفضل مسامه الدقيقة وشبكة تجاويفه العالية، يُعد مادة ماصة قوية تُستخدم في فلاتر تنقية المياه والعناية بالبشرة.
تاريخ الفحم الحيوي: من تيرا بريتا إلى ثورة القرن الحادي والعشرين
وما يثير الدهشة أن تربة الأمازون القديمة، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2000 عام، ما زالت خصبة حتى اليوم. فقد ظلت تحتفظ بالكربون والعناصر الغذائية لقرون، ما جعلها دليلًا حيًا على قدرة الفحم الحيوي على تحسين التربة وتخزين الكربون على المدى الطويل.
وفي العصر الحديث، أعاد العلماء اكتشاف هذه التقنية القديمة، وبدؤوا في دراستها علميًا منذ أواخر القرن العشرين. واليوم، وبفضل تقنيات مثل تلك التي طورها فريق البروفيسور شينج، أصبح إنتاج الفحم الحيوي من المخلفات الزراعية ممكنًا على نطاق صناعي، ما يعيد إحياء حكمة الأجداد بأدوات القرن الحادي والعشرين.
الفحم الحيوي والتغير المناخي: حين يصبح التراب حليفًا في معركة الاحتباس الحراري
لكن ربما يكون الدور الأكثر إثارة للفحم الحيوي هو ما يؤديه في مواجهة التغير المناخي. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه انبعاثات غازات الدفيئة، يظهر الفحم الحيوي أداة غير متوقعة لكنها فعالة بشكل مدهش. بفضل تركيبه الكربوني المستقر، فهو قادر على حبس الكربون في التربة لمئات بل آلاف السنين، ما يمنعه من العودة إلى الغلاف الجوي.
وتشير تحليلات علمية شاملة إلى أن إمكانات عزل الكربون في التربة بفضل الفحم الحيوي تتراوح بين 0.7 و1.8 جيجا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
وفي دراسة تاريخية نُشرت في دورية PNAS عام 2025، حلل فريق من الأكاديمية الصينية للعلوم بيانات من 438 دراسة، ووجدوا أن الاستخدام السنوي للفحم الحيوي على مدى أربع سنوات أو أكثر يحقق: زيادة في غلة المحاصيل بنسبة 10.8%، انخفاض في انبعاثات الميثان (13.5%-) وأكسيد النيتروز (21.4%-)، وزيادة في محتوى الكربون العضوي في التربة بنسبة 52.5%. ويقدر الباحثون أن تحويل 70% من المخلفات الزراعية إلى فحم حيوي يمكن أن يعزز قدرة إزالة ثاني أكسيد الكربون بمقدار 2.01 بيتا غرام سنويًا، وهو ما يعادل تعويض نحو 4.6% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية من الوقود الأحفوري.
لكن العلم، كما هي عادته، يفرض علينا التواضع. فدراسة حديثة حذرت من أن الاحتباس الحراري قد يزيد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من التربة المعالجة بالفحم الحيوي بنسبة 77% في المتوسط، ما يعني أن الإمكانات المناخية للفحم الحيوي قد تُبالغ في تقديرها إذا تم تجاهل فقدان الكربون الناجم عن الاحترار. ولذلك، يوصي الباحثون باستخدام مواد أولية غير خشبية، ودرجات حرارة تحلل حراري منخفضة، ومعدلات تطبيق معتدلة، خاصة في النظم الزراعية المعرضة للخطر.

من المخلفات إلى الوقود: ثورة الطاقة الحيوية في العالم
لكن الفحم الحيوي ليس الوجه الوحيد لهذه الثورة. فتحويل المخلفات الزراعية إلى وقود حيوي يمثل فصلًا آخر من هذه القصة، ربما يكون أكثر إثارة. ففي عام 2025، نشرت دراسة في دورية Communications Earth & Environment حللت إنتاج الوقود الحيوي من زيوت الطهي المستعملة والمخلفات الزراعية في 130 دولة. ووجدت الدراسة أن استخدام أقل من 20% من المخلفات الزراعية المتاحة يمكن أن يلبي احتياجات وقود النقل الغذائي في معظم الدول، مع خفض كبير في الانبعاثات الكربونية.
وتتصدر الصين والولايات المتحدة قائمة الدول المنتجة للوقود الحيوي من هذين المصدرين. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية IEA إلى أن الطلب على مواد أولية للوقود الحيوي سيصل إلى 825 مليون طن متري سنويًا بحلول عام 2030، بزيادة 25% عن المستويات الحالية. وفي السياق نفسه، تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الإنتاج العالمي من الإيثانول الحيوي تجاوز 98.4 مليار لتر في عام 2018، مع إسهام آسيوي بنحو 6.87 مليار لتر.
من حقول خفي إلى مصانع العالم: التطبيقات التي ستغير كل شيء
ما يجعل الفحم الحيوي أكثر من مجرد مادة عادية، هو تعدد تطبيقاته التي تمتد من تحسين التربة إلى صناعات المستقبل:
أولًا: الزراعة المستدامة
الفحم الحيوي، عند إضافته إلى التربة، يحسن خصوبتها بشكل ملحوظ، ويزيد قدرتها على الاحتفاظ بالماء والمغذيات، ويقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيماوية. وقد أثبتت التجارب في مقاطعة آنهوي أن إضافة الفحم الحيوي إلى التربة أدى إلى زيادة غلة المحاصيل بنسبة تتراوح بين 10% و30%.
ثانيًا: تخزين الطاقة والمواد المتقدمة
النوعية العالية من الفحم الحيوي يمكن استخدامها في صناعة أقطاب المكثفات الفائقة وبطاريات الليثيوم، ما يجعله مادة استراتيجية في صناعة الطاقة المتجددة. كما يمكن استخدامه في تنقية المياه والامتزاز البيئي لإزالة الملوثات والمعادن الثقيلة.
ثالثًا: الوقود الطائر
في مشروع طموح يجري في مدينة بوتشو بمقاطعة آنهوي، يعمل فريق البروفيسور شينج على استخدام الفحم الحيوي لإنتاج وقود طائرات أخضر، يمكن أن يحل محل وقود الطائرات التقليدي المشتق من النفط. وهذا المشروع، كما يصفه شينج، قد يحدث ثورة في قطاع الطيران، ويقلل بصمته الكربونية جذريًا.
عندما يلتقي العلم بالصناعة: مشروعات تثبت الجدوى
لكن التقنية لا تبقى في المختبرات، بل تنتقل إلى أرض الواقع. ففي مدينة خفي، تم إنشاء خط إنتاج بطاقة 20 ألف طن سنويًا، وهو الأول من نوعه في الصين لتطبيق تقنية «التحفيز الجاف أحادي الخطوة». وفي مقاطعة نايمان في منغوليا الداخلية، وتشيانيانغ في شنشي، وتشونغتشينغ، يجري تطبيق هذه التقنية بنجاح، محققة فوائد اقتصادية وبيئية كبيرة.
أما على المستوى الدولي، فقد حظيت هذه التقنية باهتمام كبير من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي عدَّها نموذجًا يحتذى في تحويل النفايات الزراعية إلى موارد مستدامة. كما تم تطوير تقنيات مماثلة في جامعة نورث وست إيه أند إف تستخدم الميثان الحيوي في إنتاج الفحم الحيوي، مما يزيد من كفاءة العملية ويقلل من الانبعاثات.
عندما تكون المخلفات هي المستقبل
في 5 يوليو 2026، وفي قاعة مؤتمر بمدينة خفي، اجتمع نخبة من العلماء الصينيين ليصدروا حكمًا تاريخيًا: أن الصين نجحت في تحويل ما كان يعد «قمامة» إلى «ذهب أسود» ينافس النفط. هذا الإنجاز، الذي تحقق بفضل فريق البروفيسور شينج شيان جيون، ليس مجرد تقدّم تقني، بل هو نموذج للاقتصاد الدائري الذي تحلم به البشرية، حيث لا وجود للنفايات، بل لكل شيء قيمة.
في المرة القادمة التي ترى فيها قشًا أو حطبًا أو مخلفات زراعية، تذكر أن هذه ليست نفايات. إنها مادة خام تنتظر من يحولها إلى ثروة. تذكر أن الصين، بفضل علمائها، قد وجدت الطريق لتحويل هذه المواد إلى فحم حيوي عالي القيمة، وإلى طاقة نظيفة، وإلى مواد متقدمة، وإلى وقود طائرات خضراء. وتذكر أن العالم بأسره يسير في هذا الاتجاه، وأن المستقبل، كما يبدو، مشرق، نظيف، ومستدام.
كما قال البروفيسور شينج في مؤتمر صحفي: «في خفي، نحن لا نصنع الفحم فقط، بل نصنع المستقبل». وهذا المستقبل، كما يبدو، يبدأ اليوم، في حقول الصين، وفي مصانع العالم، وفي عقول العلماء الذين لا يملون من تحويل المستحيل إلى واقع.
علاقة الفحم الحيوي بالتغيرات المناخية: حين يصبح التراب حليفًا في معركة الاحتباس الحراري
لكن ربما يكون الدور الأكثر إثارة للفحم الحيوي هو ما يؤديه في مواجهة التغير المناخي. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه انبعاثات غازات الدفيئة لتصل تركيزات ثاني أكسيد الكربون إلى 422 جزءًا في المليون في الغلاف الجوي عام 2024، وفي وقت تتسابق فيه الدول للحد من الاحترار العالمي إلى أقل من درجتين مئويتين، يظهر الفحم الحيوي كأداة غير متوقعة لكنها فعالة بشكل مدهش.
فالفحم الحيوي، بفضل تركيبه الكربوني المستقر، قادر على حبس الكربون في التربة لمئات بل آلاف السنين، ما يمنعه من العودة إلى الغلاف الجوي على شكل ثاني أكسيد الكربون. وتشير تحليلات علمية شاملة إلى أن إمكانات عزل الكربون في التربة بفضل الفحم الحيوي تتراوح بين 0.7 و1.8 جيجا طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا. وهذا الرقم ليس إحصاء، بل هو إسهام حقيقي في جهود العالم لخفض الانبعاثات الكربونية.
وفي دراسة تاريخية نُشرت في دورية PNAS عام 2025، حلل فريق من الأكاديمية الصينية للعلوم بيانات من 438 دراسة، شملت 29 تجربة حقلية طويلة الأمد امتدت من 4 إلى 12 عامًا.
ووجدوا أن الاستخدام السنوي للفحم الحيوي على مدى أربع سنوات أو أكثر لا يحافظ على فوائده فحسب، بل يعززها: زيادة في غلة المحاصيل بنسبة 10.8%، انخفاض في انبعاثات الميثان (13.5%-) وانبعاثات أكسيد النيتروز (21.4%-)، وزيادة في محتوى الكربون العضوي في التربة بنسبة 52.5%. وفي المقابل، تتضاءل هذه الفوائد مع مرور الوقت عند الاستخدام لمرة واحدة بسبب تأثير الشيخوخة.
ويقدر الباحثون أن تحويل 70% من المخلفات الزراعية إلى فحم حيوي يمكن أن يعزز قدرة إزالة ثاني أكسيد الكربون بمقدار 2.01 بيتا غرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو ما يعادل نحو 30% من متوسط الإنتاج السنوي للحبوب في الصين بين عامي 2018 و2021.
حتى بعد احتساب انبعاثات إنتاج الفحم الحيوي، يظل صافي إزالة الكربون 1.84 بيتا غرام سنويًا، وهو ما يعادل تعويض نحو 4.6% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية من الوقود الأحفوري.
وفي مراجعة تحليلية أخرى نُشرت في دورية Biochar عام 2026، حلل الباحثون 75 دراسة و250 ملاحظة من جميع أنحاء العالم، ووجدوا أن الفحم الحيوي يزيد عزل الكربون في التربة بمتوسط 61%، مع فاصل ثقة يتراوح بين 36% و90%. ورغم أن تأثيره على تدفق ثاني أكسيد الكربون الكلي والتنفس الميكروبي لم يكن ذا دلالة إحصائية، فإن قدرته على تخزين الكربون كانت واضحة وقوية.
لكن العلم، كما هي عادته، يفرض علينا التواضع. فدراسة حديثة نُشرت عام 2026 في دورية Biochar حذرت من أن الاحتباس الحراري قد يزيد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من التربة المعالجة بالفحم الحيوي بنسبة 77% في المتوسط، مع زيادة أعلى في الأراضي الزراعية (117.5%) مقارنة بالغابات (30.9%).
وهذا يعني، كما يوضح الباحثون، أن الإمكانات المناخية للفحم الحيوي قد تُبالغ في تقديرها إذا تم تجاهل فقدان الكربون الناجم عن الاحترار. ولذلك، يوصي الفريق باستخدام مواد أولية غير خشبية، ودرجات حرارة تحلل حراري منخفضة، ومعدلات تطبيق معتدلة، خاصة في النظم الزراعية المعرضة للخطر.
ومع ذلك، يبقى الفحم الحيوي واحدًا من أكثر الأدوات الواعدة في معركة البشرية ضد التغير المناخي. فهو يحول النفايات الزراعية من مصدر لانبعاثات الميثان وأكسيد النيتروز عند حرقها أو تحللها، إلى بالوعة كربون فعالة، ويحسن خصوبة التربة، ويزيد غلة المحاصيل، ويقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيماوية.
وكما قال أحد الباحثين: «التربة ليست مجرد مكان تنمو فيه المحاصيل. إنها أنظمة كربون نشطة يمكنها إما إطلاق الكربون إلى الغلاف الجوي أو المساعدة في تخزينه على المدى الطويل».
وفي هذا السياق، يكتسب ما تفعله الصين في حقول آنهوي أهمية مضاعفة. فبينما يحول البروفيسور شينج شيان جيون المخلفات الزراعية إلى فحم حيوي عالي القيمة، فإنه يسهم أيضًا في معركة المناخ، ويقدم نموذجًا يمكن للعالم أن يحتذى به. فكما قال في مؤتمر صحفي: «في خفي، نحن لا نصنع الفحم فقط، بل نصنع المستقبل». وهذا المستقبل، كما يبدو، أكثر برودة، وأنظف، وأكثر استدامة مما كنا نظن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.