مع انبثاق عصر الرقمنة، طرأت تحولات نوعية طالت كثيرًا من المفاهيم والمنتجات، ومنها القراءة والكتاب؛ فقد أصبحت القراءة رقمية، وكذلك المكتبات ودور النشر. ويكاد يختفي كل ما هو مادي تقليدي ليحل محله الرقمي والافتراضي. والقراءة هي الأخرى تشعَّبت وتطورت بحكم ميلاد العصر الرقمي، فثمة القراءة البصرية، والذهنية التأملية، والسمعية، واللمسية، والتذوقية، والعضوية، وحتى الحلمية.
غيّرت الرقمنة مفهوم القراءة من فعل مرتبط بالكتاب الورقي إلى تجربة متعددة الحواس والوسائط، حيث تُستهلك المعرفة عبر الشاشات والسمع والتفاعل الذهني والجسدي في آن واحد.
القراءة الحسية وتعدد وسائط المعرفة
تقريبًا، صار لكل حاسة ولكل عضو نوع من القراءة؛ فقد نتحسس شيئًا باللمس فنقرأه بتلك الحاسة، وقد نسمع أغنية أو كتابًا مسموعًا فنقرأهما بالأذن، وقد نتذوق شيئًا باللسان فنقرأه قراءة ذوقية، وقد نشاهد فيلمًا أو مسرحية فنقرأهما بالعين، أو قد نشم بالأنف شيئًا أو حتى شخصًا فنقرأه قراءة إدراكية خاصة، وقد نفكر في أمرٍ ما فنقرأه قراءة ذهنية صرفة.
اتصال الدماغ بالآلة ومستقبل المكتبات الرقمية
لقد حل عصر القراءة المختلف عن السائد، ولاح أفق قرائي جديد. لنتصور -وقد يكون تصورنا واقعيًا- شخصًا أمام مكتبة رقمية متمثلة في شاشة كبيرة، يتصفح الكتب ويتخير أحدها، ثم يقلبه بمجرد النية أو الإشارة بالعين. في هذا الأفق الجديد يجري الحديث عن عصر جديد يكون دماغ الإنسان فيه متصلًا بالآلة «الشاشة»، فحين يعطي الدماغ الإشارة، تتلقى الشاشة أمرًا بفتح الكتاب أو تقليبه عند صفحة معينة. هذه صورة العصر الرقمي القادم: لا مكتبات ورقية ولا ورق أصلًا، مجرد شاشة وشخص يقبع أمامها يقرأ كتابًا لا يلمسه ولا يشعر به كمادة.

قد يقول قائل: «خيالك خصب»، لكنه الواقع الذي نعيشه، فقد صارت جميع ملكات الإنسان تقرأ، بل الجسد بكامله يقرأ؛ من حواس وعقل وأعضاء، تمامًا كحال الإنسان عندما يرقص فيتحرك جسده بالكامل. «بالمناسبة، الرقص هو قراءة شاملة، والشعوب التي لا ترقص خاملة وكسولة وقراءتها أحادية، وأزعم أننا من الشعوب التي تزدري الرقص».
كانت القراءة في أغلبها تعتمد وعاءً واحدًا هو الكتاب الورقي، وها قد تعددت أوعية ومحاميل المعرفة، ولعل أبرزها الشاشة؛ أكانت شاشة حاسوب، أم هاتف، أم تلفاز، أم لوحة لمسية. يرى بعض المثقفين العرب تراجعًا في القراءة، ولعلهم يعنون بذلك القراءة عبر وسيط الكتاب الورقي دون غيره، غير أن الواقع يثبت خلاف ذلك؛ فالناس يقرؤون أكثر من ذي قبل، ويتلقون سيلًا من المعلومات هنا وهناك بعد أن صارت المعارف متاحة ومجانية في جلها.
لقد بدأت المعلومات تمر عبر الحواس جميعها وملكات الإنسان العقلية والوجدانية، وانتقلنا مما هو واقعي حسي وملموس إلى ما هو مجرد، كما انتقلنا من الكتاب «السجين» في سياق تاريخي وجغرافي محدد ووعاء مادي معين، إلى الكتاب الافتراضي الرقمي العابر للقارات والثقافات. كما أضحت بعض القراءات ذات طابع شمولي؛ فقد يقرأ المرء قصيدة أو مسرحية يحضر فيها الصوت والموسيقى والكتابة والترجمة والديكور والصورة والرقص دفعة واحدة، كما في «القصيدة الفيلم» المصورة التي تمزج الفنون ببعضها، حينها نتحدث عن نوع من القراءة التي تشغل الجسد بكامله.
الأجيال الرقمية وتحول أدوار المثقف والمعلم
إن عصر الرقمنة بذكائه الاصطناعي وبرمجياته أتاح للإنسان أفقًا متنوعًا، وسهَّل الحصول على المعرفة وتقاسمها. ولدت أجيال جديدة قد نطلق عليها «الأجيال الرقمية»، بكل ما لها وما عليها. إنه عصر التحولات الكبرى، وتغير الوظائف والوسائط والمفاهيم، كمفهوم المثقف الذي تطور ليصبح الجميع مثقفين، كل في حقل تخصصه. أما على صعيد التعليم، فقد انكفأت الأدوار التقليدية؛ إذ لم يعد المدرس يحتكر المعرفة، بل صار يتقاسمها مع المتعلمين.
عصر كله عجب، ولا عجب؛ أذكر أني منذ مدة لم أعد أحتاج إلى الأقلام ولا إلى الورق، فلا يوجد سوى لوحة مفاتيح وشاشة هاتف أو حاسوب، إلا في حالات نادرة تفرضها بعض المعاملات في بلاد لا تزال تعيش عصر «ما قبل الرقمنة»، تستهلك الورق وتستعمل النقود الورقية والمعدنية، وهو ما يثير الغرابة في العالم المتقدم.
ترى، هل أدركت النخب العربية هذا الواقع الجديد؟ وهل سعت إلى مواكبته وتغيير مفاهيمها التقليدية ونظرياتها البائدة؟ وهل أدركنا أننا ما زلنا نطنب ونطيل في عالم يختصر ويلمح؟ تظل هذه الأسئلة معلقة وعصية على الإجابة في «عالمنا السفلي»، إذ إننا لا حظ لنا من الرقمنة إلا الفتات الذي تفرضه العولمة وضرورات المعاملات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.