القراءة النَّقدية

في دُنيانا المعاصرة خصوصًا مع توفر وسائل الرَّقمنة والحوسبة، وهوس القراءة السَّريعة ودوراتها فوجئت من بعض طلابي وكان يدَّعي أنَّ لديه مكتبة كبيرة جدًّا تزيد على خمسة طوابق فأكبرته وهو متفرغ للعلم تماماً، وبعدما عرض علىَّ أجزاء يسيرة من عمله البحثي أدهشتني كثرة الأخطاء العلمية والمنهجية، فقلت في نفسي ليست العبرة بكثرة القراءة بل العبرة باستيعاب وامتلاك ما نقرأ أعني مسألة الوعي والفهم لما نقرأ.

وهذه المسألة تحتاج إلى كتابات عديدة فنحن إذا أعطينا نصًا مكتوبًا إلى شخصين لقراءته فإنَّ واحدًا يقرأه بشكل أفضل من الآخر؛ لأنه يقرأ بوعي وفعالية ولأنه يقرأ بمهارة أكثر من الآخر، وغالباً لا تأتي القراءة بثمرة مرجوة إذا كانت من أجل غرض ما أو معلومة، أعني عدم وجود مفاعلة من القارئ للنص الذي يقرأه، وفن القراءة يهدف إلى ترقية الذهن من مرحلة الفهم الأقل إلى مرحلة الفهم الأكثر مما يؤكد في طياته المفارقة بين القراءة من أجل المعلومة والذي يزودنا من مخزوننا من المعلومات بخلاف القراءة من أجل تحسين الفهم والوعي بالمادة المقروءة والتفاعل معها...ويبقى الهدف الذي يلتمسه القارئ من قراءة كتاب معيّن هو الذي يحدد نوع وطريقة القراءة كما قال فرنسيس بيكون: «إنَّ بعض الكتب يجب أن نتذوقها، وبعضها الآخر يجب أن نبتلعه، وقلة قليلة من الكتب يجب أن نهضمها»، والقارئ الجيّد هو الذي يقوم بنفسه بمجهود عندما يقرأ، فهو يقرأ بمجهود وفعالية.

القراءة النَّقدية نشاط عقلي يقوم به القارئ من خلال تفاعله مع المقروء وفهمه واستيعابه وتحليله، والحكم على مدى صحته، أو صدقه، أو منطقيته، أو قيمته، أو غيرها من المعايير الأخرى التي يُمكن تدريب الفرد عليه، وتنميتها لديه في مواقف تعليمية متنوعة.

وتُعرف القراءة النَّقدية بأنها قُدرة القارئ على تحليل المادة القرائية السَّابقة، والحكم عليها في ضوء معايير موضوعية مبنية على خبرة القارئ السَّابقة، وعلى الخبرة الجديدة المتضمنة في النَّص المقروء، ومناقشة الآراء وتفسيرها والموازنة بين الحجج والبراهين التي تؤيدها اتجاهًا معينا، والحكم على المقروء حكمًا موضوعياً في ضوء مبادئ العقل والمنطق.

وتُعرف أيضًا بأنها عملية ذهنية تأملية يتفاعل فيها القارئ مع النَّص المقروء حتى يصل القارئ إلى الدلالة التي تعبر عن المعنى الكامن في البنية العميقة للنَّص، فيُفسِّر النَّص ويُحلله ويستنتجه ويحكم عليه وينقده ويقومه، ويبني معانيه، ويضفي عليه دلالات أخرى ليملأ فجواته اعتمادًا على المعرفة والخبرة السَّابقة المختزنة لديه بما يساعد على إعادة إنتاج النَّص.

وعلى هذا اتفقت التعريفات السَّابقة على أنَّ القراءة النَّقدية تتضمن عمليات التَّفكير العُليا وهي: (التَّطبيق، والتَّحليل، والتَّركيب، والتَّقويم) للنَّص المقروء وإصدار أحكام وإبداء الرَّأي في النَّص المقروء ([1]).

إنَّ القراءة النَّقدية شكل من أشكال القراءة تتكون من مستويات التَّفكير العُليا وتستهدف تنمية مهارات القارئ على التَّفاعل بوعي مع النَّص المقروء وتبني مواقف ووجهات نظر نقدية، والقدرة على التَّمييز وتحديد أوجه الشَّبه والاختلاف، والعلاقة بين الأسباب والنَّتائج، وعمل استنتاجات، ولا تقف القراءة النَّقدية عند حد المعاني الظاهرية للنَّص، وإنما يتعمق بفكره لفهم الدلالات الرَّمزية والمفاهيم الأكثر عمقًا، ويتفاعل الذهن من خلال عملية التَّفكير مع النَّص ليتجاوز الفهم السَّطحي البسيط لمعاني النَّص ودلالاته، ويصل القارئ في النِّهاية إلى المرحلة التي يستطيع فيها إصدار حكم على ما قرأه ينبع من قناعاته الشَّخصية ونقده وتقييمه لما قرأه.

ومن ثمَّ ترتبط القراءة النَّقدية بالتَّفكير النَّقدي؛ لأنَّ القراءة النَّقدية عميلة عقلية تفرض على القارئ الدخول في حوار صامت مع النَّص ومشاركة المؤلف في تفسير المعنى وبنائه، ومن ثم فعملية القراءة النَّقدية تفرض على القارئ درجة عالية من اليقظة الفكرية والموضوعية، وعدم الانحياز أو التَّسرع في إصدار الأحكام، وهذا يعني أنَّ القارئ النَّقدي يمتلك قدرًا عالياً من استنتاج المعاني الاستنباطية والاستنتاجية للنَّص، وهذا ما قرره عُلماء الحديث في قولهم: فهم كلام العالم يؤخذ من مجموع أقواله وصنيعه ([2]) وهو ما يسمى الاستدلال بالصَّنيع.

وتساعد القراءة النَّقدية على:

1. رفع الوعي والإدراك والقدرة على الفهم الدَّقيق للنَّص المقروء، والتأمل والتَّفاعل من النَّص تفاعلًا إيجابيا بناء، والإفادة منه في حل المشكلات، وتنمية الإنتاج الإبداعي.

2. تنمية ثقة الفرد بنفسه وبقراراته ومُساعداته على تكوين شخصيته العلمية بحيث تكون اختياراته العلمية قائمة على فكره وإنتاجه هو لا من صنيع غيره.

3. تُساعد القراءة النَّقدية على الوصول لأعلى مستويات الفهم للنَّص ومن ثم يستطيع صاحب هذه القراءة مُحاكمة النَّص في ضوء المقارنة لمؤلف النَّص ومُقارنته بغيره في ضوء التَّخصص المعرفي سواء من سبق المؤلف في الإنتاج المعرفي أو ممن أتى بعده.

4. القراءة النَّقدية أحد أنواع القراءة التي لا تتطلب فقط إحاطة بالمقروء، وإنما تتطلب مُمارسة العديد من العمليات العقلية العُليا مثل: تحليل النَّص المقروء، ونقده وإبداء الرأي فيه، وإظهار مدى صلاحيته، وسلامته في ضوء معايير الدِّقة والموضوعية لمحاكمة النَّص.

خطوات القراءة النَّقدية:

تمرّ عملية القراءة النَّقدية بمجموعة من الخطوات الأساسية تتمثل فيما يأتي:

1. مرحلة طرح التَّساؤلات وإثارة الشُّكوك، ومن ثم طرح الافتراضات والتَّخمينات والتَّنبؤات وآفاق التوقع لدى المتلقي.

2. مرحلة مُعالجة المعلومات التي يقوم الفرد بقراءتها مُنطلقا من خبراته وتجاربه السَّابقة، والمقارنة بينها وبين المحتوى الذي يقوم بقراءته.

3. مرحلة اختبار الفرد لفرضياته والتأكد من صحة تنبؤاته مُعتمدًا على ما توفر لديه من حجج وبراهين، ثم يقوم بإصدار حكمه على النَّص، وهكذا فإنَّ عملية القراءة النَّقدية لا تنفصل عن التَّفكير النَّقدي في أي مرحلة من مراحلها، ولنعلم بأنَّ القراءة النَّقدية تستلزم قراءة واعية دقيقة فلا تأتي للباحث بين عشية أو ضحاها فالقراءة الكثيرة المعمقة ينبوع القراءة النَّقدية.

([1]) ينظر: «التَّفكير النَّقدي أُسسه وتنمية مهاراته» إعداد نُخبة من أساتذة جامعة القاهرة (ص: 173 وما بعدها)، الإصدار الأول يناير 2019م.

([2]) وهذا مُستفاد من كلام الإمام العلائي -رحمه الله تعالى- وقد نقله عنه ابن حجر في كتابه «النكت على كتاب ابن الصلاح» (1/404).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.