القراءة الإبداعية وأهميتها

جذب الحديثُ عن القراءة المتعلقة بالنص الإبداعي على وجه الخصوص انتباهَ النقاد اليوم، وأكد دور المتلقي فيما يتعلق بقراءته على أنها استنساخ للنص الذي يقرؤه، بل إنه تسبب في فقدان النص شرعية وجوده دون قراءة.

في الحقيقة الاهتمام بالقراءة وتمثيل القارئ في أحد جوانبها نتيجة لتطور "التأويل" في الغرب منذ العقود الأولى من هذا القرن، وساعد على تراجع الدراسات البنيوية في الآونة الأخيرة.

قد يعجبك أيضًا خمس كتب غيرت نظرتي للحياة

القراءة الإبداعية

يقول سارتر في كتابه "ما هو البحث عن ماهية الأدب" متحدثًا عن العمل الأدبي: "إنها إشارة غريبة لا توجد إلا من خلال الحركة، ولا بد من إحضارها إلى الوجود من خلال فعل ملموس، أي القراءة، وذلك حتى لا يكون وجوده دائمًا فقط من خلال إثباته على ورقة".

وعلى حد تعبير سارتر، يوجد اعتراف بأن فعل القراءة هو ما يفرض على النص الخروج من الوجود إلى الوجود الفعلي، فيفقد النص شرط وجوده كنص ذي مغزى أو وظيفة دون قراءة.

ومع ذلك تُمارس عملية القراءة هذه وفقًا لمعايير التفسير، وهي المعايير التي ينشأ من خلالها نص على النص، وبالتالي يتحول النص من المفرد إلى الجمع.

والقراءة حوار مع نص إبداعي يولِّد نصًا بحثًا عن نص إبداعي آخر، فكيف تكون القراءة إبداعية؟

إن الإبداع مشروط بالتعالي كما أوضحنا، لذلك لا يمكننا الحديث عن إبداع القراءة الذي لا ينخرط في هذه الرؤية.

والقراءة غير المتعدية تكرر النص؛ لأنه يُنظر إليه على أنه نمط، أما بالنسبة لإبداع القراءة فهي ترفض النموذج، وترى أن النص يقدم للقارئ معانيَ متعددةً في لحظات متجددة؛ لذلك يعد استقبالًا إبداعيًّا؛ لأنه في حوار مفتوح مع النص الإبداعي الذي تدعمه القراءة العلمية.

والقراءة الإبداعية ليست صدى للنص، وليست فهماً كاملاً له؛ لأنها ترى نفسها احتمالًا واحدًا من بين احتمالاته العديدة، والنص المقروء لا يحمل دلالة جاهزة، بل هو "فضاء دلالي وإمكانية التفسير، إنه فعل ليس له قرار".

وما ينبثق من القراءة بهذا المعنى هو تصور فلسفي لمعنى النص، والذي نعده البعد الأول لما نسميه إبداع القراءة.

والنص يحمل أكثر مما يبدو، والعناصر الواضحة التي يحتويها ما هي إلا انعكاس لما هو غائب، هذه الإمكانية الغائبة التي يقترحها النص على القارئ الذي يستدعيها أثناء قراءته.

وبالتالي فإننا نفسر الاختلاف في القراءات بالنسبة إلى النص نفسه، ويكفي أن نبرز الاختلافات التي ولدت في نصوص أبي تمَّام، والمتنبي قديماً، وأدونيس في الآونة الأخيرة، لندرك احتمالات الفهم المختلفة الناشئة عن فعل القراءة، واختلاف التفسير هو تفسير مختلف للآخر لدرجة التناقض.

قد يعجبك أيضًا إذا أردت أن تسعد شخصاً فحبب إليه القراءة

الفرق بين النص والقراءة

ويتضح أن القراءة مختلفة عن النص، ولا تتفق معه، فعندما يسيطر المرء على النص يقرأ حينها ما لم يقرأه الخالق، ومن خلال هذا الحديث يظهر على أنه قول سلبي، لأنه من خلال القراءة ينشأ بالتفسير، والتفسير مع المسؤولية والإفصاح، فقد يختلف معناه ويكتسب هويته من خلال ما تخلقه القراءات من حوله.

لكن هل للنص سلطة على القارئ؟ سلطة متى تُرجم إلى تفاعل عناصر الإبداع/القراءة مع إبداع القراءة؟

وإذا كان الإبداع هو القراءة التي يُرى فيها الخالق، فإن إبداع القراءة هو مرآة يتجلى فيها القارئ في شكل صور وحوارات دقيقة.

والنص بعبارة (بارت) يمثل للقارئ حالة من الافتتان يستجيب لها القارئ، ويتفاعل معها برؤاه الفكرية والثقافية والجمالية؛ لذلك يختلف النص مع كل قارئ ومع كل طريقة بحث واستقصاء.

والحديث عن القارئ وثقافته له علاقة بالقراءة كإبداع، إذا رأى القارئ النص مقروءًا فهذا يعني أن النص المقروء يختلف باختلاف كل قارئ، وتصبح كل قراءة إضافة أو تعديلًا أو تجاوزًا فيما يتعلق بالقراءة الأخرى.

هذا أيضًا له نتيجة مهمة أخرى، وهي الاختلاف في القراءات يحرر النقد من سلطة النموذج، ويمنح القراءة طاقة متجددة للإبداع.

إبداع يختلف عن بعضه البعض إلى درجة التباين، إن إدراك الاختلاف فتح آفاق التفسير وحرية القارئ والقراءة.

وقد يكون من الغريب أن نلاحظ أن القراءة النقدية نفسها تصبح قابلة للقراءة، وهذا يؤدي إلى ما يسمى "نقد النقد"، وهو في نظرنا مظهر آخر من مظاهر إبداع القراءة.

ولقد رأينا حتى الآن أن الإبداع هو قراءة للنص العظيم في بعده اللغوي، وتراثه المعرفي ورؤاه عن الحياة.

وكما تبين أن القراءة الإبداعية هي عمل حوار مع النص الإبداعي يعيد خلقه وينكر تفرده، ما يغنيه بالرؤى المختلفة التي تتكشف فيه، والتي تصوغها رؤية القارئ.

إذن.. ماذا؟

إن الحديث عن القراءة بمختلف المعاني التي ناقشناها لا يبدو سهلاً في الثقافة العربية اليوم إذا كان مرتبطًا بنصوص غير إبداعية، لا سيما الشعر المشتق منها.

إلى أي مدى لا تبدو مشكلة القراءة مزعجة عندما يتعلق الأمر بالنص الديني للعرب المسلمين، سواء كان القرآن، أم السنة، أم نصوص الفقهاء؟

إلى أي مدى يمكن أن نقول اليوم إن القرآن هو مجموع القراءات الخارجية والباطنية المختلفة؟

قد يعجبك أيضًا الحنين إلى الكتاب والكتابة

القراءة الإبداعية في الثقافة العربية

بل على العكس إلى أي مدى يمكن أن ندَّعي أن فهم أجدادنا للنص القرآني كان الفهم الذي تتطلبه ظروف قراءتهم له، وأننا بحاجة إلى فهم مختلف للقرآن يناسب ظروفنا اليوم؟

إلى أي مدى يمكن أن ندعي ذلك دون أن نحرج من أولئك الذين يرون في القرآن أشمل فهم للسلف، وبدايته ونهايته؟

ولذلك يبدو أن تبسيط مشكلة إبداع القراءة بالنسبة للثقافة العربية لا يمكن تنفيذه بسهولة إلا على نصوص الشعر أو الروايات أو المسرح، على الرغم من أن الحديث عن إبداع القراءة يبدو مغريًا لأن الإبداع مثله.

القراءة تنكر الأصل العدمي للنص الإبداعي، وتفصله عن واقعه في الميتافيزيقا، وبذلك يصبح النص الإبداعي خيارًا من بين خيارات أخرى.

الأمر نفسه ينطبق على قراءة النصوص الإبداعية، فالقراءة هي احتمال لقراءات لا حصر لها، ومسألة القراءة تبدو مغرية؛ لأن الإيمان بسلطة الفرد هو التشريع المعرفي لسلطة الاختلاف وحرية الرأي.

ومن أجل القضاء على مشكلة القراءة المحرجة نسأل أنفسنا:

ألا نحتاج اليوم إلى تشريع القراءة لسلطة السلوك التي تؤمن بالتحرر من الاختلاف وتشريع حرية الرأي؟

ألا نحتاج اليوم إلى العودة في قراءتنا إلى نص الحياة العظيم؟

إن التعرف على إبداع القراءة هو التعرف على إبداع وجودنا.

 قد يعجبك أيضًا

-فائدة القراءة .. وعلاقتها بالفكر النقدى

-من معوقات القراءة باللغة العربية الفصحى

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال رائع و فكر مميز...
أرجو من الجميع هنا قرائة مقالي
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة