في الجزء الخامس من ملخص كتاب (الموجز في تاريخ القدس) نتناول 400 عام من تاريخ القدس تحت الحكم العثماني، بعدما تناول في الجزء الرابع تاريخ القدس من الاحتلال الصليبي إلى تاريخ القدس في عهد المماليك.
سردًا لما سبق فقد تناولنا في الجزء الأول من ملخص كتاب «الموجز في تاريخ القدس» سرد المؤلف تاريخ القدس من القدس اليبوسية (3000 ق.م) إلى القدس في عهد الفرس (538 ق.م)، وفي الجزء الثاني تاريخ القدس من عهد اليونان (332 ق.م) إلى القدس البيزنطية (330 م)، وفي الجزء الثالث تاريخ القدس من الفتح الإسلامي إلى تاريخ القدس في عهد الأرتقيين.
القدس في عهد الأتراك العثمانيين
قال جل المؤرخين إن السلطان (سليم الأول) تمكَّن من دخول (القدس) بعام 1517 م، وتمكَّن أيضًا من بسط نفوذه على (حلب) و(حمص) و(حماة) وباقي بلاد الشام، ثم اتجه إلى (مصر) فتخلى له الخليفة العباسي (المتوكل على الله) عن الحكم، فصار بذلك (سليم الأول) الآمر الناهي إلى أن توفاه الله بعام 1520 م.

اعتلى (سليمان الأول) العرش بعد وفاة والده (سليم)، فأتم بناء السور الذي توفي والده قبل إتمامه، ورمَّم القلعة، وعَمَّر قبة الصخرة، وعَمَّر جدران الحرم وأبوابه، وشيد مسجد الطور، وبنى بحارة الواد المدرسة الرصاصية.
تولى بعد ذلك ابنه السلطان (سليم الثاني) الحكم بعام 1566 م، وتعاقب على الحكم عدة خلفاء حتى عام 1622 م، حينها تولى الحكم السلطان (مراد الرابع)، وكانت (القدس) وقتها تابعة لـ (مصر)، وفي عهده قام البعض بقطع الطرق وإخراب ينابيع المياه، فقرر السلطان بناء قلعة حملت اسمه كي يحفظ الأمن بالمدينة.
تولى الحكم بعده السلطان (إبراهيم بن أحمد الأول) بعام 1639 م، ثم تولى ولده (محمد الرابع) الحكم بعام 1648 م، وفي عهده بُنيت المئذنة الموجودة بداخل القلعة، وأنشئ المصلى الموجود بجانب سبيل شعلان بالحرم القدسي.
بعام 1687 م تولى الحكم السلطان (سليمان الثاني)، وتعاقب على الحكم عدة خلفاء حتى عام 1703 م، حينها تولى الحكم السلطان (أحمد الثالث) الحكم، وحينها كانت (القدس) تابعة لـ (صيدا وعكا)، وفي عهده ثار عليه بعام 1705 م نقيب الأشراف السيد محمد، فأمر السلطان الجيش بالتحرك، وتمكن من إخماد ثورته.
تولى بعد ذلك السلطان (محمود الأول بن مصطفى الثاني) الحكم بعام 1730 م، وفي عهده جُدِّدَ حائط الخندق، وعُمِّرَ مسجد القلعة، وقد تعاقب على الحكم بعده خلفاء عدة، إلى أن تولى السلطان (سليم الثالث بن مصطفى الثالث) الحكم بعام 1788 م، وفي عهده تمكن (نابليون) من غزو البلاد.
تولى بعد ذلك السلطان (مصطفى الرابع بن عبد الحميد الأول)، وتولى أخوه السلطان (محمود الثاني) الحكم بالعام التالي، فحلَّ الانكشارية، ومنع المسيحيين الأرثوذكس من تعمير كنائسهم، لاسيما اليونانيين منهم، وذلك لدعمهم لهم حينما طالب أهل اليونان بالاستقلال عن الدولة العثمانية.
بتلك المدة كان (مصطفى باشا) واليًا على الشام، وقد كان هذا واليًا ظالمًا، فرفع الضرائب، فاضطربت (القدس) ورفض أهلها دفع الضرائب للجباة، بل وطرد أهل (القدس) الجباة مثلما فعل الفلاحون بالقرى، ولم يتمكن الوالي من قمع أعمالهم تلك؛ لأن (القدس) لم يكن بها سوى ستين جنديًا، فأرسل الوالي عليهم جيشًا قوامه خمسة آلاف مقاتل، فالتجأ أهل (القدس) إلى الكهوف والوديان، ودخل الوالي وجنده المدينة ولم يجد ما يصادره، وعندما عاد الوالي من حيث جاء، رجع أهل (القدس) لبيوتهم، وأعلنوا الثورة من جديد، وتمكنوا من الاستيلاء على القلعة، فلاذ مُتسلم القدس رفقة قائد جيشه بالفرار، وللحيلولة دون وقوع المدينة بالفوضى، نصَّب الثوار كلًّا من (يوسف عرب الجبجاب) و(أحمد آغا الدزدار) لإدارة شؤون المدينة.
عندما عَلِمَ السلطان (محمود الثاني) بذلك، أرسل (عبد الله باشا) بعام 1826 م إلى هناك هو وما معه من جندٍ وعتاد، وذلك لإعادة الأمور لنصابها، فأغلق أهل (القدس) أبوابها بالحجارة، وأطلقوا النيران على الجنود مثلما فعلوا بهم، واستمرت تلك الحرب لسبعة أيام، إلى أن استسلم الثوار بعد أن اشتد بهم الجوع ونفدت مؤنهم، واشترطوا إلغاء الضرائب ومنع الجند من التدخل بأمور (القدس)، وكان لهم ما أرادوا.
بعد أن استرد (عبد الله باشا) مفاتيح القلعة، عدَّ نفسه واليًا على (صيدا) و(نابلس) و(جنين) و(القدس) و(غزة) و(العريش) إضافة إلى (مصر)، وأعاد الأمور إلى ما كانت عليه.
في تلك الأثناء، أعلن والي مصر (محمد علي) باشا الحرب على السلطان، فأرسل ابنه (إبراهيم) باشا على رأس جيشٍ للاستيلاء على الشام، فتمكن من السيطرة على (القدس) بعام 1831 م، واستولى أيضًا على (سوريا) والأناضول حتى وصل إلى (كوتاهية)، وكان بمقدوره الاستيلاء على الأستانة لولا التدخل الأوروبي، فَوُقِّعَ الصلح، وأضحت المناطق الواقعة بين (أطنة) و(غزة) تابعة لـ (مصر).
القدس وإبراهیم باشا (1831 م: 1841 م)
بعد توقيع الصلح في 25 نيسان/ إبريل 1831 م، اندلعت ثورة عنيفة، وقد اختلفت الآراء في اندلاعها؛ فيوجد من رأى أن الجيش المصري دخل الشام مستعمرًا ومُحتلًّا للأرض، ومن رأى أنه بسبب قيام (إبراهيم باشا) بجمع السلاح من الأهالي وفرضه للتجنيد الإجباري، على الرغم من أن البعض يرى أن (إبراهيم باشا) كان رأيه مُخالفًا لرأي أبيه بهذا الشأن، لكنه أذعن له بنهاية المطاف.
حدث ذلك بالذكرى الثالثة لتوقيع الصلح، فاشتعلت الثورة في (نابلس) و(الخليل) و(صفد) و(غزة) و(يافا) إضافة إلى (الصلت)، وبالطبع (القدس)، وانتشرت الفوضى شيئًا فشيئًا هنا وهناك، وكان ذلك بتحريضٍ من العثمانيين.
استغل الأهالي سفر (إبراهيم باشا) إلى (يافا) فحاصروا (القدس) في 8 آيار/ مايو 1834 م، وحاربوا رفقة ثوار (نابلس) و(الخليل) جنود القلعة، وقيل إنهم كادوا أن ينتصروا عليهم لولا انتشار شائعة مفادها أن (إبراهيم باشا) عائدٌ بجيشٍ جرار، فتحطمت معنوياتهم وتقهقروا تاركين وراءهم ستة وستين قتيلًا، وزحف الجنود خلفهم يدمرون الحوانيت والمساكن، وذلك بعد أن قاموا بأعمال النهب والسرقة.

اشتعلت نيران الثورة مجددًا تحت قيادة (إبراهيم أبو غوش)، وذلك بعد أن ألقى الجند القبض على زعماء الثورة وسجنوهم بالقلعة، وتراجع الجند حينها لأمكنتهم، وعمَّت الفوضى البلاد مرة أخرى.
عندما عَلِمَ (إبراهيم باشا) بما حدث، هرع بطلب النجدة من والده، فأرسل له تسعة آلاف مقاتل، ومع ذلك لم يدب الجزع بقلوب الثوار؛ فقد انضم المزارعون إليهم محاولين إعاقة (إبراهيم باشا) من التقدم نحو (القدس)، بل وتمكَّنوا من قتل ألف وخمسمائة من جنوده، لكنه مع ذلك تمكَّن من الوصول إلى (القدس).
حط (إبراهيم باشا) رحاله عند جبل صهيون، وأخذ يفكر في كيفية القضاء على الثورة، وكان مسلمو (القدس) قد فروا حينها من منازلهم خشية أن يفتك بهم (إبراهيم باشا)، على الرغم من أنه حاول إقناعهم بأنه عزم أن يعفو عنهم.
ومع إظهار (إبراهيم باشا) لنياته الطيبة، فإن الأهالي قاموا بمزيدٍ من أعمال التحريض على الثورة، فتحرك الباشا نحوهم رفقة ثلاثة آلاف من جنوده، وتراجع الثوار مُخلفين وراءهم ضحايا بعدد جنود الباشا نفسه.
زاد احتقان الثوار شيئًا فشيئًا، وجرت بينهم وبين الجنود اصطدامات عنيفة بمناطق عدة، وكانت (بيت لحم) من ضمنها تلك المرة، فاحتار الباشا ماذا يفعل، لاسيما أن نيران الثورة قد امتدت إلى (عكا) و(يافا) و(طبريا) و(اللد) إضافة إلى (الكرك)، فأرسل من فوره لأبيه يُطلعه بما آلت إليه الأمور، فهرع الأخير لنجدة ابنه رفقة ثلاثة كتائب مشاة وكتيبتي فرسان وألفٍ من البدو، وبعدما وصلوا إلى هناك، وضع (محمد علي باشا) مع ابنه خطة التصدي للثوار، وعاد من حيث جاء.
مع أن الثورة أُخمِدت نيرانها، فإن نيرانها اندلعت كالنار بالهشيم، حينما أُلقي القبض على اثنين من زعمائها، وقد ازدادت الأوضاع سوءًا فسوءًا بعدما تفشت الكوليرا، فضلًا على عوامل أخرى لا داعي لذكرها، كانت سببًا لانسحاب (إبراهيم باشا) من البلاد، فتركها بعام 1841 م.
مع كل ما ذُكر، لم تكن (القدس) بالفترة التي خضعت بها لحكم (مصر) سوى معارك وثورات؛ فقد أنشأ (إبراهيم باشا) طاحون الهواء الواقع غربي المدينة، وهو بالمناسبة أول طاحون يطحن به أهل القدس قمحهم، وبنى الزاوية الإبراهيمية الواقعة شمالي ضريح النبي داود، فضلًا على عددٍ من القلاع بطريق يافا - القدس.
ثم إن البلاد قد تطورت بعهده تطورًا ملحوظًا؛ فقد حارب الرشوة، وألغى الضريبة التي كان حُراس الكنيسة يجبونها منذ عهد صلاح الدين، ووزع البذور على المزارعين. وقد ساوى بين المسلمين والمسيحيين واليهود، لكنه كان مُتيقظًا لمحاولة اليهود باستعمار البلاد؛ فقد رفض حسبما جاء بمذكرات السير (حاييم مونتفيوري) تأجيرهم أرضًا مساحتها خمسين فدانًا.
القدس والأتراك العثمانيون للمرة الثانية
بعد عودة (القدس) لأحضان الدولة العثمانية، أصبحت تابعة لأيالة (صيدا)، وكانت تلك تتلقى أوامرها من الأيالة العامة بـ(بيروت)، وكان السلطان (عبد المجيد) بن السلطان (محمود الثاني) بسدة الحكم في ذلك الوقت.
بذلك الوقت كان نجم الدولة العثمانية آخذًا بالأفول، فعلى الرغم من انتصارها بحرب القرم؛ فإنها لم تستطع فرض سيطرتها على أسعار السلع بالأسواق، ومع ذلك كانت (القدس) محط اهتمام من قِبل سلطانها، فقد أنفق عشرين ألف ليرة تركية بعمارة الحرم القدسي، ومن قبيل المصادقة أن هذا الرقم كان عدد سكانها بذلك الوقت.
بعام 1860 م تولى الحكم السلطان (عبد العزيز)، وكانت (القدس) حينها متصرفية تابعة لـ (سوريا)، لكنها أصبحت متصرفية مستقلة بعام 1871 م، وشُمِلت بعناية سلطانها، فقد أنشأ ورصف عدد من الشوارع والطرقات، وعمَّر الحرم وزخرفه. وما يجدر ذكره أنه بعهد هذا السلطان لَبَسَ العثمانيون الطربوش، هم وسائر رعايا الدولة العلية.

بعد خلع السلطان (عبد العزيز) بعام 1876 م، أُقيم مكانه ابن أخيه (مراد الخامس بن عبد المجيد)، لكنه لم يبق بالحكم سوى أيامٍ قليلة لعدم رجاحة عقله.
بعد خلع السلطان (مراد) اعتلى العرش أخوه السلطان (عبد الحميد الثاني)، وفي عهده أنشئ المشفى البلدي الواقع غربي المدينة عند الشيخ بدر، وأنشأ برجًا عاليًا فوق باب الخليل، وسبيلًا بالقرب منه، وجدَّد عمارة سبيل قايتباي، وبنى المدرسة الرشيدية الواقعة عند باب الساهرة، وعَمَّر الحرم القدسي، وأنشأ بعام 1892 م سكك حديدية بين (يافا) و(القدس)، ورَصَفَ وعَبَّدَ شوارع القدس بعام 1885 م التي ظلت على حالها حسبما رآها كاتبنا رحمه الله.
ببداية حكمه وضع دستورًا، وأمر بانتخاب برلمان أسماه (مجلس المبعوثين)، وبالطبع كانت (القدس) ممثلة به كسائر المقاطعات الأخرى، وكان المرحوم (يوسف ضياء باشا الخالدي) مُمثل القدس.
لكن السلطان عَدَلَ عن قراره بالعام التالي، فألغى دستوره وحلَّ البرلمان، كما أنه حَرَّمَ هجرة اليهود إلى (فلسطين) وشراءهم أراضيها، لكنه كان مرنًا هنا بعض الشيء حينما سَمَحَ لهم أن يدخلوها ويبقوا بها لثلاثة أشهر بقصد العبادة.
يرى كاتبنا أن عهد السلطان (عبد الحميد) قد عُرِفَ بالظلم والاستبداد، وذلك على الرغم من أن الكلمة العليا بـ(القدس) كانت للعرب سكان البلاد، حتى إن متصرفها كان يرجع في أمره ببعض الأحيان لمجلس الإدارة المكون من مشايخ البلاد.
استمرت الأمور على حالها إلى أن تكونت جمعية أطلقت على نفسها اسم جمعية الاتحاد والترقي، وقد قامت تلك بانقلابٍ بعام 1908 م أُعلِنَ على إثره الدستور، واجتمع البرلمان العثماني حينها، وكان سنجق القدس مُمثلًا حينها بثلاثة أعضاء وهم كالتالي: (سعيد بك الحسيني) و(روحي بك الخالدي) إضافة لـ(حافظ بك السعيد) من (يافا).
وقد أُسقِطَ حينها السلطان عن العرش، وعُيِّنَ مكانه أخوه السلطان (محمد رشاد الخامس)، وكان ذلك بعام 1908 م. وفي العام الذي اندلعت به الحرب الكونية الأولى، أي بعام 1914 م، تكوَّن البرلمان مجددًا، وكان كل من عثمان أفندي النشاشيبي وأحمد عارف أفندي الحسيني ممثلين عن سنجق القدس إضافة إلى (روحي بك الخالدي)، وحينما أُعيد الانتخاب فاز كل من (سعيد بك الحسيني) وراغب أفندي النشاشيبي وفيضي أفندي العلمي.
كان سنجق (القدس) بعهد العثمانيين مكونًا من خمسة أقضية هي كالتالي: قضاء (يافا)، وقضاء (الخليل)، وقضاء (غزة)، وقضاء (بئر السبع)، وبالطبع قضاء (القدس)، وكان على رأس السنجق متصرف.
ثم إن كلًا من تلك الأقضية كان يتبعه نواحى عدة، فكان يتبع قضاء (يافا) ناحيتان، وكان يتبع قضاء (الخليل) ناحيتان أيضًا وهما بيت غطاب وبيت جبرين، وكان يتبع قضاء (غزة) خان يونس والمجدل والفالوجة، وكان يتبع قضاء (بئر السبع) المليحة وعوجا الحفير، أما قضاء (القدس) فكان يتبعه أريحا وبيت لحم ورام الله وصفا وعبوين، وكان على رأس كل قضاء قائم مقام.
أما القرى، فكان يتبع قضاء (يافا) مئة وستة وعشرون قرية، وقضاء (الخليل) اثنتان وخمسون قرية، وقضاء (غزة) خمسٌ وسبعون قرية، وكانت القرى التابعة للقدس بعدد القرى التابعة لقضاء (يافا) نفسه، أما قضاء (بئر السبع) فكان يتبعه خمسة قبائل هي كالتالي: العزازمة والترابين والتياها والحناجرة والجبارات.
أما الأمور المالية فكانت تُدار بواسطة وزارة المالية، وكان قاضي القدس مسؤولًا عن الأمور الإدارية والحقوقية والجزائية والمذهبية، وقبل ذلك كان مسؤولًا عن إدارة المساجد والزوايا والتكايا، ومراقبة الموازين والمكاييل والمقاييس، كما أنه كان يقيل رؤساء الطوائف المختلفة من مناصبهم أو يعينهم.
أما المصالح العامة فكان معظم العاملين بها من أبناء البلد، باستثناء المناصب الإدارية العليا، فقد كان العثمانيون يتولون جزءًا منها.
عاش الناس بعهد الدولة العلية بهناءٍ ورخاء، فقد كانت المساكن متوافرة بأجرة رخيصة، وكانت البضائع متوافرة هي الأخرى بأثمانٍ زهيدة، فكان سعر رطل لحم البقر على سبيل المثال بعام 1862 م ثمانية بارات، وكان رأس الغنم بقرشٍ ونصف القرش، وعلى الرغم من انخفاض تكلفة المعيشة؛ فإنه كانت هناك طبقةٌ من الفقراء، وكان الباب العالي يهتم بأمرهم فيرسل لهم ما عُرِفَ بـ(الصرة).
بعام 1840 م كان بـ(القدس) مجلس شورى مُمثلٌ به عدد من وجهاء المدينة وأتباع الطوائف المختلفة، وبعام 1911 م كان بها مجلس عمومي مكونٌ من عددٍ من أبناء أقضيتها الخمس، وحينها كان البرلمان العثماني ينقسم لقسمين، الأول هو (مجلس المبعوثين) ويقوم الشعب بانتخابه، والثاني هو (مجلس الأعيان) وكما تعلمون فكان السلطان يعينهم.
عندما تأسست بلدية (القدس) بعام 1863 م، كانت ميزانيتها لا تتعدى خمسمائة ليرة عثمانية، لكنها أصبحت بعام 1908 م عشرة آلاف ليرة عثمانية، ووصلت بعام 1917 م لخمسة عشر ألف ليرة عثمانية.

كانت (القدس) كسابق عهدها مشهورة بأشجار الزيتون، وكان زيت الزيتون متوافرًا بكثرة في عهد العثمانيين، حتى إن سكان القدس اضطروا لسكب الزيت القديم بسنةٍ من السنين كي يضعوا مكانه الزيت الجديد.
كما أن (القدس) كانت مشهورة بصابونها المقدسي، والذي كان يتم تصديره إلى (مصر)، لكن تلك الصناعات أخذت تتضاءل شيئًا فشيئًا في عام 1876 م بسبب الجراد، وكادت أن تواجه الاندثار حينما قَطَعَ العثمانيون جزءًا كبيرًا من أشجار الزيتون بالحرب الكونية الأولى كي يستخدموها وقودًا لقطارتهم.
وفقًا لحركة الاستيراد والتصدير، فكانت (القدس) مركزًا تجاريًا مهمًا؛ لأنها كانت تُصدر القمح لـ(إنجلترا) وبعض البلدان الأوروبية، إضافة لزيت الزيتون والصابون، وكانت تستورد بضائعها كالصوف والحرير والزجاج… إلخ عن طريق (مرسيليا).
أما حركة التجارة الداخلية، فقد كان بـ(القدس) 1320 دكانًا بعام 1876 م.
ووفقًا للنظام المالي، فقد انقسمت الضرائب في عهد العثمانيين لأنواع عدة، وكانت على النحو التالي:
1- ضريبة (الويركو)/ المسقفات، وقد فُرِضَت بموجب القانون العثماني الصادر في 5 آب/ أغسطس 1886 م، وهي ضريبة خاصة بالأراضي والعقارات والدكاكين.
2- ضريبة (العشر)، وهي ضريبة تُفرض على مختلف المحاصيل الزراعية، وقد فُرِضت بدايةً بنسبة 10 %، ثم وصلت إلى 12.5%.
3- ضريبة (الأغنام)، وهي ضريبة تُفرض على الأغنام والجمال المُعدَّة للنقل.
4- ضريبة (التصنع)، وكانت تُفرض على التجار وأرباب الصناعات وأصحاب المهن.
5- ضريبة (العملة المكلفين)، وهي ضريبة تُفرض على كل شخصٍ يتراوح عمره ما بين العشرين والستين عامًا، فإما أن يدفع ستة عشر قرشًا في السنة، وإما أن يشتغل بتعبيد الطرق لثلاثة أيام.
6- ضريبة (المعارف)، وهي نسبة مقدارها 5% من ضريبة (المسقفات) سالفة الذكر، وكانت تنفق في سبيل المدارس.
7- ضريبة (العسكرية)، وكان العثمانيون يجبونها من أهل الذمة مقابل إعفائهم من الخدمة العسكرية، وكان مقدارها ثمانية وعشرين قرشًا.
8- ضريبة (الغفر) وكان أهل الذمة يدفعونها بغية حراستهم في أثناء زيارتهم للأمكنة المقدسة.
وكان مقدار الجزية بأوائل الحكم العثماني أحد عشر قرشًا بالسنة للغني، وقرشين ونصف القرش للفقير.
وكانت تُنفق تلك الضرائب على رصف الطرق وعلى رواتب الموظفين وغيرها من الأمور المختلفة، وقد بلغ إجمالي الضرائب بعام 1910 م ثلاثين ألف ليرة عثمانية.
لم يكن أهل (القدس) يهتمون بأمور السياسة، لكن الأمر انقلب رأسًا على عقب، عقب الانقلاب العثماني بعام 1908 م، فقد تفشت العنصرية بين الترك وغيرهم بسبب سياسات (تركيا الفتاة)، فأخذ العرب يفكرون بالاستقلال، فنشأت من أجل ذلك جمعيات عدة بالأقطار العربية والأوربية، وكان همها الشاغل هو أن يحوز العرب على بعض الامتيازات.
لكن الأتراك لم يهتموا بمطالبهم، فأخذ العرب يفكرون مليًا بالاستقلال، فأرسل الأتراك (جمال باشا) كي يفتك بهم، فأعدم هذا كثيرين مثل (علي النشاشيبي) من (القدس) و(أحمد عارف الحسيني) ونجله (مصطفى) من (غزة) و(سليم عبد الهادي) من (نابلس).
وازدادت الأمور سوءًا فسوءًا بسبب حصاره للبلاد، فانفجرت نيران الثورة العربية الكبرى، وتواصل قائدها الشريف حسين مع الإنجليز، واتفق معهم على أن العرب سينالون استقلالهم حال فوز الإنجليز بالحرب، على أن يقوم العرب بمعاونتهم بالحرب، وكما ذكرنا سابقًا فقد اندلعت بذات العام الحرب الكونية الأولى، وقد خسرت الدولة العثمانية مع حلفائها الألمان تلك الحرب، وسقطت (القدس) بأيدي الإنجليز في 9 كانون الأول / ديسمبر 1917 م.
تنويه: إن ما قرأتموه يعرض فقط بعض ملامح الكتاب، ولا يغني إطلاقًا عن قراءة الكتاب.
إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.