قصة القتل الإلكتروني: كيف كشف الذكاء الاصطناعي الجريمة الكاملة؟

أثبتت التحقيقات إدانة الموظف المفصول عصام بسيوني بقتل فريد شكري بعد تزوير تسجيلات الكاميرات بالذكاء الاصطناعي للاستيلاء على شيك بقيمة مليوني دولار.

جثة في الطابق الثالث

تجمّع سكان عمارة فريد شكري الهادئة على صوت رجال الشرطة وهم يكسرون باب شقته في الطابق الثالث. كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، وقد مرّ يومان على اختفائه منذ عاد من عمله ولم يظهر بعدها حتى اضطر صاحب الشركة التي يعمل بها مديرًا تنفيذيًا إلى إبلاغ الشرطة.

دخل المحقق رامي وصديقه الضابط حازم الشقة فشاهدوا جثة ملقاة على أرض الصالة، كانت لرجل في متوسط العمر، يرتدي جاكيتًا وبنطالًا، تبدو عليه ملامح الثراء، كأنّه عاد لتوّه من العمل. كان مصابًا بطلق ناري في مقدمة الرأس، والدماء قد سالت بغزارة من حوله.

رفع رامي بصره متعجبًا وقال:

- كيف لم يسمع أحد من السكان صوت الرصاصة؟

كانت الشقة واسعة، من طراز كلاسيكي قديم، تضم أربع غرف وصالة كبيرة. وبينما أخذ حازم يتفقد مكان الجثة وما حولها، اتجه رامي إلى خزانة خاصة بأوراق الضحية، وراح يقلب محتوياتها حتى عثر على قسيمة طلاق تعود إلى عامين سابقين.

قام رامي باستدعاء حارس العمارة، لكنه تذكر أنه لم يره عند صعوده. التفت إلى الجيران الملتفين حوله وسأل عن الحارس، فأجابت مدام رزان، زوجة شادي:

- الحارس غادر منذ يومين، في حدود الثالثة عصرًا. قال لي إنه ذاهب إلى بلدته لأمرٍ عاجل، بعد أن حاول الاتصال بفريد ولم يرد عليه، وطلب مني أن أبلغه عند عودته.

سألها رامي:

- وهل أبلغتِه؟

- لا… لقد أبلغتُ شادي.

تدخل شادي على الفور مقاطعًا زوجته:

- أوه… نسيت!

كاميرات المراقبة وأقوال الجيران

طلب رامي من حازم مشاهدة كاميرات المراقبة الخاصة بمدخل العمارة. ولأن غرفة الحارس كانت مغلقة، اضطر حازم إلى كسر بابها. وبعد مراجعة التسجيلات سريعًا، لم يظهر أي شخص دخل أو خرج من المبنى؛ فقط سكان العمارة. وكان آخر من صعد إلى العمارة هو سامر، ساكن الطابق الرابع، وذلك كان قرابة الثانية عشرة بعد منتصف الليل.

سأل حازم عن سكان العمارة، فجاءه الرد:

الطابق الأرضي غرفة للحارس، والطابق الأول لشادي وزوجته رزان وابنهما، والثاني لكاظم وزوجته رينال، والثالث للمجني عليه فريد شكري، أما الرابع فلسامر وزوجته أسيل وطفلهما. وكان الجميع يقيمون في هذه العمارة التي ورثها فريد عن أبيه منذ سنوات طويلة.

اتجه حازم نحو أسيل التي كانت تقف بعيدًا، تبدو متوترة.

- أين سامر؟

- في العمل.

- ومتى يعود؟

- في الواحدة ليلًا.

- أبلغيه أن يحضر إلى قسم الشرطة غدًا.

بدت مشدوهة في قلق:

- لماذا؟

قال حازم بصوت منخفض:

- لا تقلقي.

عند عودتهما إلى القسم، ومعهم قرص كاميرات المراقبة، جلس حازم مع رامي وقال:

- هل تشك في سامر؟

رد رامي:

- إجراء احترازي، مثله مثل بقية السكان.

قال حازم:

- لكن شادي لم يخبره بشأن الحارس.

أجاب رامي:

- نعم، وربما صعد إلى الشقة وارتكب الجريمة.

أومأ حازم رأسه:

- لا أظن. الحارس أخبر زوجته بما حدث، ولو كان شادي متورطًا لعرف أننا سنصل إلى هذه المعلومة.

قال رامي:

- إذًا كاظم؟

رد حازم:

- لا توجد دوافع ظاهرة حتى الآن. فهم يقطنون معه منذ مدة طويلة.

في صبيحة اليوم التالي، حضر سامر إلى قسم الشرطة. استقبله حازم، وطلب له فنجان قهوة، ثم بدأ التحقيق:

- متى عدت من العمل تلك الليلة؟

بدا الارتباك على سامر، وأجاب بصوت متحشرج:

- في الثانية بعد منتصف الليل.

- وأين كنت قبلها؟

- في العمل… ثم ذهبت إلى صديق أعرفه منذ فترة، وجلسنا في مقهى بوسط البلد.

- ما اسم هذا الصديق؟

- حسام.

- وأين يسكن؟

- قريب من المقهى.

- وفي أي ساعة أنهيت عملك؟

- في الثانية عشرة.

صمت حازم لحظة، ثم سأله:

- ماذا تعرف عن علاقة فريد بزوجته السابقة؟

قال سامر:

- لا أتدخل في شؤون الجيران، وزوجتي ليست اجتماعية أصلًا. بالكاد كانت تلقي السلام على زوجته السابقة إذا صادفتها عند باب العمارة.

بدأ حازم يطوف على سكان العمارة واحدًا تلو الآخر، يسألهم عن علاقتهم بالمجني عليه وزوجته السابقة.

قال شادي إن زوجته رزان كانت تسمع شجارًا متكررًا بين فريد وزوجته، لكن رزان لم تضف شيئًا جديدًا حين سُئلت. أما كاظم فقال إن الشجار بينهما كان دائمًا، وإن والد الزوجة كان يأتي في كثير من الأحيان لمحاولة الإصلاح بينهما، لأنها كانت صديقة لزوجته رينال.

وأكدت رينال أن فريد كان شديد البخل في الإنفاق على زوجته.

كان ارتباك سامر يلفت النظر، لكن حازم رأى ضرورة سماع أقوال الحارس أولًا.

اتصل حازم بالحارس على أن يأتيه على الفور، وقال له إن الشرطة تريد استجوابه. وفي صباح اليوم التالي، وقف أمام حازم الذي سأله مباشرة:

- لماذا تركت العمارة؟

أجاب الحارس:

- تلقيت اتصالًا من أحد معارفي يخبرني أن والدي دخل المستشفى في حالة حرجة.

- ومن المتصل؟

- صديق لي قديم من القرية… يبدو أنه أراد ممازحتي.

- ولماذا لم تتصل بأحد أقاربك قبل أن تغادر للتأكد؟

- اتصلت بهم وكان والدي مريضًا قبل أن أسافر فقررت الاطمئنان عليه.

- أعطني الرقم.

اتصل حازم بالرقم، ثم قال:

- الرقم غير متاح.

- أنت تسببت في مقتل فريد. (بعدما شرح له جراء ما فعل)

فأجاب:

- السكان في حال مغادرتي للإجازة يغلقون الباب بمفاتيحهم الخاصة.

في الوقت نفسه ارتاب رامي في رجوع سامر في الثانية بعد منتصف الليل، في حين رصدت الكاميرات رجوعه في الثانية عشرة. بدأ رامي يعصر مقدمة رأسه قائلًا لحازم:

- ربما نفذ سامر الجريمة.

رد حازم:

- يظل احتمالًا.

قال رامي:

- أرسل تسجيلات كاميرا المراقبة إلى الأدلة الجنائية لتحليلها.

وخلال المعاينة، لاحظ رامي اختفاء هاتف الضحية. حاول حازم الاتصال به، فوجده مغلقًا.

جلس رامي وحازم يتناقشان في أمر الزوجة السابقة ووالدها.

قال رامي:

- حلا ابنة رجل ثري، وهي ابنته الوحيدة.

أجاب حازم:

- نعم، وقد عانت كثيرًا مع فريد. كان يضربها ويحرمها من المال.

كاميرات المراقبة وأقوال الجيران

خيوط متشابكة ودوافع غامضة

ذهب حازم لمقابلة حلا. استقبلته بهدوء، وأخبرته أن فريد شكري كان يسيء معاملتها باستمرار، وأنها لم تجد مفرًا من الانفصال عنه. أما والدها، فكان أكثر انفعالًا، يتحدث عن محاولاته المتكررة للصلح بينهما وخوفه الدائم على ابنته من الانهيار العصبي.

أكدت حلا أنها لم تغادر منزلها ليلة الحادث، وقالت إنها تعرَّفت على فريد حين كانا زميلين في العمل.

خرج حازم مقتنعًا بأن لدى حلا دافعًا محتمَلًا للقتل، لكن رامي لم يوافقه:

- لنؤجل هذا الاحتمال الآن.

- لماذا؟

- لأن مدة الطلاق بعيدة نسبيًا. لو أرادت الانتقام، لفعلت ذلك في وقت أقرب.

- ربما انتظرت حتى تهدأ الأمور.

- لا أظن، خاصة أنها لم تتواصل معه منذ الانفصال، ولم تعرف عنه شيئًا. وبما أنها كانت زميلته في العمل، فأرى أن نسأل موظفي الشركة.

استدعى رامي موظفي الشركة، ووجّه سؤالًا إلى نائب فريد:

- منذ كم سنة وأنت في الشركة؟

- منذ أربع سنوات.

- ونائبًا له منذ متى؟

- منذ ثلاث سنوات.

- ومن كان قبلك؟

- عصام بسيوني.

- أين هو الآن؟

- ترك الشركة منذ ثلاث سنوات بعد مشادة حادة مع فريد طرده على إثرها.

أخذ حازم عنوان عصام ورقم هاتفه وهرع إلى عنوانه فوجده قد غادر المكان، وعندما حاول الاتصال به وجد الهاتف مغلقًا.

المفاجأة الصادمة: تكنولوجيا التزييف

طلب رامي سرعة تقرير الأدلة الجنائية عن تفريغ الكاميرات.

جاء تقرير الأدلة الجنائية، فكانت المفاجأة:

تسجيل كاميرا المراقبة لم يكن حقيقيًا. لقد كان مُصطنعًا باستخدام الذكاء الاصطناعي، أُعدّ قبل الحادثة بثلاثة أيام.

قال رامي:

- إذًا… شخص ما خطط لهذه الجريمة بإحكام، واستبدل الكاميرات بتسجيل مزيف.

أجاب حازم:

- هذا يعني أن القاتل لم يكن يعتمد على المسدس فقط… بل على التكنولوجيا أيضًا.

حينها اتصل رامي بشركة الاتصالات وطلب تقريرًا مفصلًا عن هاتف الضحية. وبعد المراجعة، ظهرت معلومة صادمة: في اليوم التالي للجريمة، تلقى هاتف فريد اتصالًا من أحد البنوك يفيد بأن شخصًا يدعى مروان يحمل شيكًا موقّعًا بتوقيع الضحية وبصمته، بقيمة مليوني دولار، ويريد صرفه.

المفاجأة الصادمة: تكنولوجيا التزييف

شيك الملايين يلاحق الجاني

لم يُعثر على مروان في البداية، وكان الموظف البنكي الذي أجرى عملية الصرف في إجازة. أخذ حازم عنوانه، وتوجّه إليه، فاستطاع من خلاله الوصول إلى مروان الذي قام بعملية صرف الشيك والتحويل مقابل مبلغ مالي بالمشاركة معه.

واجه حازم مروان بالجريمة، فأنكر تورطه في القتل، لكنه اعترف بأنه كان مجرد وسيط لصرف المبلغ وتحويله إلى حساب في لندن باسم عصام بسيوني.

سأله حازم:

- أين عصام بسيوني؟

هز مروان رأسه:

- لا أعرف.

لكن مباحث الاتصالات كانت قد توصلت بالفعل إلى مكان عصام بسيوني وإقامته في فندق بوسط البلد، فاقتاده حازم إلى التحقيق.

واجهه رامي بما ورد على لسان مروان، واتهمه بالقتل، إلا إنه أنكر تورطه في الجريمة.

فقام حازم بالذهاب إلى الفندق وفحص كاميراته، فلاحظ أن شخصًا بعينه تردد على عصام مرتين: مهندس إلكترونيات، بحث عنه في سجل زائرين الفندق.

اقتحم حازم مسكنه، وأثناء التفتيش وجد حاسوبه، ولابتوب، فأرسلهم إلى الأدلة الجنائية.

بعد ذلك جاءت النتيجة: الحاسوب هو الجهاز الذي استُخدم في اصطناع تسجيل الكاميرا المزيف.

انهار المهندس سريعًا واعترف بأنه نفّذ التزوير مقابل عمولة مالية. وروى كيف ظل عصام يراقب العمارة قبل الجريمة بشهر كامل، والتقط صورة لمدخلها وللبواب بحجة البحث عن شقة، كما جمع صور السكان من مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، حتى يصنع مشهدًا مزيفًا يبدو حقيقيًا تمامًا.

التفت رامي إلى حازم، وأومأ برأسه في إشارة واضحة: إيذانًا بكشف القاتل.

لكن حين وُوجه عصام بسيوني باعتراف المهندس مدحت، أنكر ذلك وظل صامتًا… إلى أن جاءت المفاجأة الأخيرة.

الكاميرا المنسية والاعتراف الأخير

فقد عُثر على كاميرا مراقبة أخرى في الجهة المقابلة لشارع العمارة، قام بتفريغها حازم بعد شكه في خداع كاميرات العمارة. كاميرا لم تكن ضمن حسابات عصام. أظهرت التسجيلات صورته وهو يدخل الشارع ليلة الحادث، ثم كشفت كاميرا مقهى قريب أنه جلس هناك قرابة ساعة يراقب المكان في انتظار وصول فريد. وما إن رآه وصل في قرابة الساعة التاسعة مساءً حتى نهض مسرعًا، وتبعه إلى داخل العمارة.

وضع رامي الصورتين أمامه على الطاولة، من دون أن يقول كلمة واحدة.

ساد صمت الجميع.

راح عصام بسيوني يطأطئ رأسه وينظر في الصورتين ثم انهار تمامًا.

اعترف بكل شيء.

اعترف بالمشادة القديمة، وبالطرد المهين من الشركة، وبسنوات الضائقة المالية التي عاشها بعدها. اعترف بالخطة التي أعدّها بدقة؛ كيف تعرف على المهندس مدحت الذي قام بتزوير الكاميرا، وكيف أبعد الحارس بمكالمة وهمية، وكيف انتظر فريد أمام المقهى، ثم لحق به إلى العمارة.

قال بصوت متهدج:

- لم يفتح لي الباب بسهولة… ظللت ألحّ عليه وأستعطفه… حتى رقّ قلبه وفتح.

ثم صمت لحظة، قبل أن يتكلم:

- أخرجت المسدس، وكان كاتمًا للصوت، وأجبرته على التوقيع على الشيك المصروف من البنك، ثم أطلقت النار دون تردد، وأخذت هاتفه كي أقوم بالرد على موظف البنك عند صرف الشيك، وغادرت الشقة بهدوء… ثم نزلت إلى غرفة الحارس، وفتحت القفل بمفاتيح مصطنعة، وقمت بتغيير قرص الكاميرات، ووضعت المصطنع بدلًا عنه. وكنت أعرف بلدة الحارس وعنوانه من فريد شكري.

سأله رامي:

- كيف وصلت إلى أحد معارفه وجعلته يتصل به؟

- ذهبت إلى بلدته وكنت أعرف عنوانه من فريد، وجلست على إحدى المقاهي القريبة من بيته وزعمت أنني أعمل إحصاءً للعاملين خارج القرية لإيجاد فرصة عمل لغيرهم، ثم رددت اسمه وحاولت التعرف على أحد معارفه ثم أخذت رقم تليفونه وأوهمته بإيجاد فرصة عمل.

سكت عصام لبرهة محاولًا استجماع قواه، فأشار إليه رامي باستكمال الحوار، فقال:

- اتصلت بصديقه لمقابلتي وزعمت أنني وجدت له فرصة عمل وأعطيته مبلغًا من المال وقلت له اتصل بالحارس ممازحة ففعل.

في المساء، جلس رامي وحازم في المكتب يتأملان ما انتهت إليه القضية.

قال حازم:

- كل شيء بدأ من كاميرا مزيفة صُنعت قبل الجريمة بثلاثة أيام.

قال رامي وهو مبتسمٌ:

- هذا زمن الجريمة الإلكترونية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة