"لولا اختلاف الأذواق لفسدت السلع" تلك المقولة التي تظهر اختلاف البشر في الأذواق والاختيارات، فيحبّ أحدنا أشياء يكرهها غيره، ويكره أحدنا أشياء يحبّها غيره وبشدّة، فلا يجب أن نتعجّب من ذلك، فالأصل هو الاختلاف، فلو اتفقنا جميعنا في الأذواق والطباع وطرق التفكير والاهتمامات فما فائدة النسخة المكرّرة من الإنسان!
فنحن جُبلنا دائماً على الاختلاف، ولكن اختلاف الأفكار والأذواق والاهتمامات اختلافٌ بشأنه أن يبني ويعمّر إذا استفدنا من الثروات البشريّة بإبداعاتها وإمكانياتها وابتكاراتها؛ ليتوفّر لدينا قدرٌ هائلٌ من الأفكار العظيمة والإبداعات والتي من شأنها تحويل حياتنا إلى الأفضل دوماً، فهذا اختلافٌ جميلٌ وبنّاءٌ إذا تعاونّا وأحسنّا التعامل مع نعمة الاختلاف فنجعله اختلافاً مثمراً لا اختلافَ هدمٍ ونزاع.
وهذا الاختلاف بيننا معشر البشر، ولكن ماذا عن الاختلاف الموجود في المختلفين أنفسهم؟
بمعنى أوضح: كلٌّ منّا مختلفٌ ويحمل تناقضاتٍ كثيرةً، نستشعرها بالطبع عند التفكير، فعند التفكير في أمرٍ جرّب أن تطرح الأمر على العقل فيأتيك بالجواب العقلاني، وجرّب أن تطرح نفس الأمر الذي يشغلك على القلب فيلحقك بالجواب العاطفي، وجرّب أيضاً أن تنظر للأمر نظرةً إبداعيةً فربّما ستجد جواباً مناقضاً للعقل والقلب معاً، أو جرّب أن تنظر إلى الأمر من الجانب الإيجابي تارةً ومن الجانب السلبي تارةً وستلحظ تناقضاتٍ في طريقة تعاملك مع الأمر، فما القصة وما الحل إذن؟
في كتاب "قبّعات التفكير الست" للكاتب (إدوارد دي بونو) أشار الكاتب إلى أنماط وجوانب التفكير التي يستحضرها المرء، ويتعامل بها في موقفٍ أو حدثٍ معين، ساقها في صورة ستِّ قبّعات؛ كلّ قبّعةٍ بلونٍ معين، تلك الأنماط التي تقود حياة المرء منّا والتي إن غلبت إحداها على الأخرى؛ صار الضياع نتيجةً محتومةً فمهما كان عِظم الكسب فستكون الخسارة أكبر.
وبالحديث عن أنماط وجوانب التفكير أو بالأحرى الحديث عن القبّعات التي تشير إلى نمطٍ وجانبٍ من جوانب التفكير، فإنّي أفضّل الإيجابية والتفاؤل وسأبدأ بالقبّعة الصفراء أو قبّعة التفاؤل، تلك القبّعة التي تشير إلى النظرة والفكر التفاؤلي من حيث الاطمئنان والأمل المتجدد بحدوث الأفضل، وبأنّ الأمور ستكون على ما يرام، فتلك القبّعة الصفراء التي تجعلنا نرى الميزة دائماً في الأشياء والأمور فنكون دائماً متفائلين بالأجود والأفضل فنرى الجيد رغم أنف كلّ المساوئ.
ثمّ ننتقل إلى القبّعة السوداء وهي ليست سيئةً كما شعرنا لوهلةٍ عندما قرأنا اسمها، بل هي اليقظة تجاه المشكلات والمعوّقات والسلبيات، فنعلم مساوئ الأمور والأشياء التي لا مفرّ من الابتعاد عنها، فلا نضيّع الوقت في العزم والمضي في طريقٍ مسدودٍ ومن ثمّ نتجه نحو الجيد وما نرى فيه الخير، ويستحق أن نشقّ الطرق لأجله فنرتدي بذلك القبّعة الصفراء فنركّز ونبدأ في التفكير الإيجابي.
أمّا القبّعة البيضاء فلها علاقةٌ بالبيانات والمعلومات، حيث إنّ واضع هذه القبّعة يعتمد بشكلٍ أساسيٍّ على الإحصائيات والأرقام، ولا تعتمد القبّعة البيضاء على أيّ رأي لأنّها حيادية تحدّد احتياجاتها من المعلومات، المعلومات التي تحتويها القبّعة البيضاء عبارة عن نوعين من المعلومات: الموجودة والناقصة، ولا يميل أصحاب هذه القبّعة للنقد أو العاطفة، بل إنّ موقفهم واضحٌ وصريحٌ حيث مرتدي هذه القبّعة لا يعرف إلا لغة الأرقام والإحصائيات.
وبالحديث عن القبّعة الحمراء فإنّها قبّعةٌ لا تجيد إلّا لغة العاطفة فهي تملك من أنماط التفكير الذي ينصبّ على العاطفة، فهي تعرف فقط لغة الشعور وردود الأفعال الغريزية.
أمّا عن لغة الإبداع فإنّنا نتحدّث عن أصحاب القبّعة الخضراء ففي كلّ مشكلةٍ وفي كلّ موقفٍ وفي كلّ شيءٍ يستدعي التفكير تثار غريزة الإبداع التي سّرعان ما تعمل؛ ففي كلّ أمرٍ يستدعي التفكير يغلب الإبداع على التفكير، وتغلب الأفكار والحلول الإبداعية، ويُستحضر دائماً الخروج عن النص، والتفكير خارج الصندوق والسير خارج طابور القطيع.
وننتقل إلى ربّ الأسرة أو الأب الروحي، إلى القائد ورئيس غرفة العمليات، إلى القبّعة الزرقاء؛ تلك القّبعة الشاملة التي تقرّر أيّ قبعةٍ يظهر تأثيرها، فتحدّد أيّ نمطٍ من التفكير سيستخدم، فإذا لم تجد الحل في القبّعة الصفراء تلجأ إلى الإبداعي المتمثّل في الخضراء أو إلى السوداء فترى العيوب وتحاول إصلاحها أو...، فكما يقال يمكن أن نسمّي تلك القبّعة بالمايسترو.
تلك هي أنماط التفكير وتلك هي القبّعات التي لا غنى لإحداها عن الأخرى، فيجب أن نحسن انتقاء واختيار قبّعة التفكير المناسبة تبعاً للموقف المناسب، فلا يجوز مثلاً طغيان العاطفة المتمثّلة في القبّعة الحمراء على لغة المنطق والمعلومات الصحيحة المتمثّلة في القبّعة البيضاء كما لا يجوز ارتداء القبّعة السوداء في موقفٍ يستدعي التفكير الإيجابي وروح التفاؤل، كما لا يجوز استخدام النظرة التفاؤلية في موقفٍ يستدعي ارتداء القبّعة السوداء من فحصٍ وتدقيق العيوب ومعرفتها جيداً لعدم الوصول إلى طريقٍ مسدود.
فلنكن نحن القادة، ولنسيطر على أنماط وجوانب تفكيرنا المختلفة؛ فنملك زمام الأمر والفكر ونحوّل اختلاف أنماط التفكير إلى اتفاقٍ باختيار نمط التفكير المناسب.
شابوه استمر يادكتور💚💙
رائع 💕
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.