عندما كتب الأديب الكبير نجيب محفوظ روايته القاهرة الجديدة لم يكن يعنى بها سوى ما يراه من حلم لما يرغب أن تكون عليه القاهرة وبالطبع مصر كلها فالقاهرة ترمز لمصر وهو مايطلقه عليها أهل الأقاليم عندما يقولون أنهم مسافرون إلى القاهرة وقد نشرت رواية القاهرة الجديدة للمرة الأولى عام 1945 وتتلخص فكرة الرواية فى الشخص الوصولى محجوب عبد الدايم الذى يتنازل عن كل شىء حتى قيمه ومبادئه التى أشك شخصياً أن من كان على شاكلته يعرف شيئاً عن القيم والمبادىء فهى بالنسبة له مجرد كلمات جوفاء وشعارات رنانة وقد أصبح لدينا فى مجتمعنا كثيرون على شاكلته حتى أنه يمكننى القول أن محفوظ تنبأ فى اربعينيات القرن الماضى بما سوف نصبح عليه إجتماعياً فى الألفية الثانية وظهرت نماذج مشوهة تفتقد النخوة والرجولة وتتاجر بالعرض والشرف والكرامة مادامت ستوصلهم إلى أغراضهم وربما يتاجرون بما هو أهم وقد جسد محفوظ أفكاره فى رواية القاهرة الجديدة من خلال شخصيات محجوب عبد الدايم وأحمد بدير ومأمون رضوان وعلى طه الذين تزملوا فى الدراسة الجامعية ولم يتزاملوا فكرياً وإنما كان لكل منهم إتجاهه الخاص وعقيدته التى يؤمن بها إيماناً لا يتزعزع وهو ماوضحه حوارهم فى الصفحات الأولى للرواية.
يعد القاهرة 30 من الافلام المميزة فى تاريخ السينما المصرية والذى تم إنتاجه عام 1966 عن رواية القاهرة الجديدة للأديب الكبير نجيب محفوظ واخرجه رائد الواقعية المصرية صلاح أبو سيف وقام ببطولته أحمد مظهر وحمدى احمد وسعاد حسنى وأحمد توفيق وعبد المنعم إبراهيم وأحمد توفيق وعبد العزيز مكيوى وتدور الاحداث فى فترة الثلاثينيات من القرن الماضى وكيف كان حال المجتمع المصرى فى تلك الفترة من خلال ثلاثة من الشباب يدرسون الفلسفة وهم على مشارف التخرج. الأول يدعى علي طه وقام بدوره عبد العزيز مكيوى وهو شاب سياسي صاحب فكر تقدمي ويؤمن بالثورة الاشتراكية لتغيير المجتمع والثاني أحمد بدير ولعب دوره عبد المنعم إبراهيم ويحترف الصحافة ، وغير راض عن وضعه المعيشي والاجتماعي والسياسي ويؤمن أنه لن يستطيع التأثير في المجتمع وتغييره ما لم يحصل على المال الذي يساعده في النضال. أما الثالث وهو أفقرهم محجوب عبد الدايم وقام بدوره حمدي أحمد وهو شخص انتهازي يريد أن يغير ويحسن من وضعه ولا يعنيه المجتمع ، فهو منافق كاذب ومستعد للتنازل عن مبادئه ويتنصل لأسرته ويفعل أي شيء لكي يصل إلى مبتغاه، حتى ولوعلى حساب كرامته. أيضاً هناك الفتاة إحسان والتى قامت بدورها سعاد حسني والتي تحب الشاب الثوري علي طه، إلا أنها لا تستمر في هذا الحب وتقبل بأن تكون عشيقة الباشا - الذى لا يهمه سوى ان يحقق رغباته ونزواته دون مراعاة للقيم والذى لعب دوره أحمد مظهر - وزوجة محجوب عيد الدايم في نفس الوقت وتقبل بهذا الوضع هرباً من الواقع الأليم، وتحت ضغط والديها وأخوتها الذين يتضورون جوعاً من جانب، ومن جانب آخرأنانية حبيبها المشغول عنها بالسياسة مع أننا نكتشف بأنها لازالت تتمسك بأفكار حبيبها في تغيير المجتمع.
قدم صلاح أبو سيف في هذا الفيلم، عدة نماذج بشرية تمثل شرائح معينة من مجتمع الثلاثينات، بشكل واقعي مقنع جعلنا نتعاطف معهم رغم فشلهم فى أول مواجهة وقد حدد من خلال رؤيته الحل الجذري بالثورة والتغيير الكلي للمجتمع وقد كان تكوين مجتمع القاهرة والفساد السياسي في الثلاثينات مجالاً واسعاً للإبداع سواء فى الرواية أو السينما ومن خلال الرواية تم نقد السلطة الحاكمة وما تركته من آثار سلبية على المجتمع وركز محفوظ على مستوى تفسخ المجتمع من خلال شخصية محجوب، الذي انحرف ورضي بالفساد الأخلاقي نتيجة للفقر من ناحية واستعداده للخروج من أزمته بأي ثمن وبالتالي فهو يعبر عن مدى الذي وصل إليه الفساد في عصره ومن هنا يبدأ الفيلم بناءه للنص الروائي فاهتم كثيراً ببيان فساد الحقبة السابقة، وهي إشارة لفساد العصر الملكي أو عصر ما قبل الثورة، وفي الوقت نفسه التأكيد على نزاهة الثورة، وما تعد به من بناء إنساني وأخلاقي للمجتمع في الحقبة الناصرية واهتم صلاح أبو سيف بإبراز ملامح الفساد من خلال التأكيد على دور محجوب وإعطائه المساحة الكافية لكشف أزمته الأخلاقية واستعداده للانغماس في فساد العصر.
حافظ الفيلم على زمنية الأحداث وانتمائها لفترة الثلاثينات، لكنه لم يستوعب الرواية بكامل أحداثها وشخصياتها ورؤيتها، وإختار أبو سيف بعض الشخصيات والاحداث من الرواية ، وذلك رغبة منه في مواكبة عصر إنتاج الفيلم في فترة الستينات فبعد ثلاثين عاماً تتغير التركيبة السياسية في مصر، وتحل المتغيرات في الفيلم التي تقترح أن الحل الاشتراكي هو الحل الوحيد الذي قاوم الفساد في العهد السابق للثورة، و أن التركيبة السياسية في العهد الناصري لها أصولها الفكرية، وليست مجرد حركة عسكرية، بل هي تتويج لنضالات فكرية في وجه الفساد فيما قبل الثورة.
الفيلم، بهذا المعنى، مديح للحقبة الناصرية، على حساب الرواية ورؤيتها ولم تكن رؤية أبو سيف محايدة في هذا الفيلم بل تبنى وجهة نظر الثورة، وخرج من الموقف الفني إلى الموقف السياسي الإيديولوجي، فاختلت العلاقة بين الرواية والفيلم، وحدث بينهما إنفصال في الرؤية و التكوين وقد كان صلاح أبو سيف بعيدا عن السينما لمدة ثلاث سنوات بعد فيلم لا وقت للحب الذى قام بإخراجه عام 1663 انقطع فيها عن تقديم أعماله التي ينتظرها صناع الفن والجمهور على حد سواء، ليعود بعدها بفيلم القاهرة 30، المأخوذ عن رواية القاهرة الجديدة للأديب العالمي نجيب محفوظ، التي كانت صادمة للمجتمع عندما طرحت فكرة كيف يمكن للفقر والجوع أن يغير الإنسان، وما هي الطرق النافعة للوصول للقمة في هذا التوقيت في مصر؟ وقد تم تحويل الرواية إلى سيناريو كتبه صلاح أبو سيف بعد نشرها بحوالي 18 عاما مما جعلنا نكتشف أن شخصيات روايات محفوظ تصلح فى أزمنة مختلفة ، وتم تبديل إسم الرواية عند كتاية السيناريو إلى القاهرة 30 بدلاً من القاهرة الجديدة وتم حذف بعض الشخصيات مثل شخصية مأمون رضوان الذى كان يتفق فى الهدف مع شخصية على طه ولكنه يرى سبيلاً آخر للتنفيذ ، ومن هنا تأتي المقابلة في الشخصيات، وقد صور أبو سيف شخصية على طه أنها المقابلة لشخصية بطل الفيلم محجوب عبد الدايم، ولكن في الرواية كانت تقابلها شخصية أحمد بدير التي قدمها عبد المنعم إبراهيم، شخصية وصولية لا تمانع التنازل عن أي شيء لكن بطريقة غير صريحة لا تمس مظهره أمام المجتمع، عكس عبد الدايم الذي قرر أن يكون وقحا فجا ويواجه المجتمع بفجاجته دون أي إحراج، لدرجة إنه يطلب من زوجته صراحة أن تجهز نفسها لرفيقها الوزير قبل مجيئه بساعات لمجرد أنها وعدته بمنصب سكرتير الوزير، حذف بعض الشخصيات لم يكن في صالح الفيلم فنياً وقد تعرضت الرواية بشكل أكثر للحالات الإنسانية والصراعات النفسية داخل الشخصيات، بينما اهتم السيناريو بتقديم التناقضات الكبيرة، بالإضافة إلى إهتمامه بعدة خطوط سياسية منها مثل دستور 23 وإلغاؤه، ودستور 30، وصدقي باشا، والبرلمان، وهجوم على أرستقراطية ما قبل 23 يوليو، والعلاقة بين الإنجليز وسرايا الملك.
إن الصراع الحقيقي داخل السيناريو كان نفسياً، من خلال إستعراض محاولات محجوب الدائمة للارتقاء بمستواه المادي والوظيفي ولو جاء ذلك على حساب كرامته وعرضه، أيضاً الصراع النفسي داخل شخصية إحسان والتي جسدتها سعاد حسني، صراع ما بين حبها ومسؤوليتها تجاه أسرتها الفقيرة التي لا تمانع في بيع جسدها لمن يدفع، وقد حاول محفوظ وأبوسيف عرض حالات مختلفة وإثبات أن تعريف كلمة الشرف نسبي ومتغير من شخص لآخر وأن الفقر قد يكون هو المبررالأول لارتكاب كل ما هو محرم، ثم يأتي في المرتبة الثانية الصراعات السياسية وكشف زوجة الوزير لخيانته مع إحسان زوجة محجوب عبد الدايم، كلها صراعات محركة للأحداث وتجعلها تتطور لكشف وتعرية أبطال الحكاية أكثر فأكثر وقد ساهم حوار الفيلم بقدر كبير في نجاحه، ففى أحد المشاهد في بداية الفيلم يقول أحد الفلاحين لمحجوب عبد الدايم "حاسب الوحل يا محجوب أفندي" الذى يدور بينه و بين نفسه ديالوج داخلى قائلاً "ما اتوحلنا واللي كان كان، البقف الطويل العريض ده يسكن وياكل ويشرب 30 يوم بجنيه واحد" وهنا يستعرض صلاح أبو سيف بعض من ملامح شخصية محجوب الناقمة غير الراضية، يليه مشهد محجوب مع أحد جيرانه "سالم الإخشيدي" بعدما أصبح في منصب كبير لتجده يقدم نفسه له بكل ود ويقول " والله تستحق أعلز الدرجات يا سالم بيه وهو يتحدث لنفسه قائلا: "بقى ابن سليمة العجانة يبقى درجة خامسة حكومة ودرجة أولى قطر وأنا درجة جنيه واحد في الشهر ودرجة تالتة قطر" ومن أهم مشاهد الفيلم مشهد إبلاغ قاسم بيه عشيقته إحسان بتوليه منصب وزيرا، عندما قال لها والدها" حلو حلو، بقينا قرايب الوزير"، حيث نرى الأب سعيد جدا بتولي عشيق ابنته الوزارة ويعتبر تلك العلاقة الشاذة قرابة، كذلك عندما قال لها محجوب " ياريتنا فضلنا وكلا وبس وكالة الوزراة أضمن واثبت " وهو مبدأ منتشر حتى الآن في مصر، أن منصب الوزير غير مضمون عكس المناصب الإدارية الأخرى، ليرد عليه والدها في نفس المشهد " يا أخي دا بدل ما تفرح إن مراتك بقت في الوزارة"، وهنا يقرر الزوج مباركة المنصب ولكن في حالة إقناع إحسان لقاسم بيه بترقيته درجتين وظيفيتين، وهكذا عرض صلاح أبو سيف من خلال الحوار مدى فجاجة الأب والزوج الذين يتعاملان مع ترقية العشيق على أنه فرصة يتقاسمونها في ما بينهم أيضاً من المشاهد المميزة مشهد كتب الكتاب، والذي تظهر فيه اللقطة الشهيرة لمحجوب عبد الدايم وفي الخلفية "قرون ثور"، وهو رمز قدمه صلاح أبو سيف كتوقيع لتلك الشخصية وبداية دخول لعالم القوادين والذين يعيشون على حساب كرامتهم وشرفهم، وطرح الرموز هي الهواية المفضلة للمخرج صلاح أبو سيف قدمها في الزوجة التانية وشباب إمرأة والفتوة القاهرة 30 وريا وسكينة وبداية ونهاية وغيرها من الأفلام.
يعتبر دور محجوب عبد الدايم هو دور العمر للفنان "حمدي أحمد"، أهم دور قدمه في تاريخه منذ بدايته الفنية وحتى الآن، فقد قدم شخصية الشاب الفقير الوصولي الذي يبحث عن مصلحته بأي شكل، واستطاع بنبرة صوته وتعبيرات وجهه نقل الصراع النفسي الذي يدور داخل الشخصية للجمهور، خصوصا في آخر مشهد له في الفيلم عندما ينكشف أمره لأبيه فيثور في وجهه لانتهاء حلمه في المنصب والأموال بدلا من اعترافه بخطئه وندمه عليه أمام والده، شخصية مقتنعة اقتناع تام بإن الطريق الشرعي للوصول لأي منصب هو التدليس والقوادة وبيع الشرف، تجسيد الممثل حمدي أحمد لهذا الدور في بدايته يثبت لنا أنه تعرض للظلم طوال تاريخه ولم يسند إليه دور يظهر حجم موهبته الكبيرة كذلك كانت سعاد حسني الأنسب لدور إحسان، الفتاة التي منحها الله جمالا فطريا تاجرت به واعتبرته رأس مالها للوصول لما تريد، تلمح في نبرة صوتها وعيناها انكسار واضح رغم تغير حالها وحصولها على ما تريد، وبالطبع توفيق الدقن قدم دور والد إحسان الذي يستفيد بإبنته بشكل متقن، وأضاف له حس كوميدي يخفف من مساويء طباع الشخصية، مساحة دور الوزير والذي جسده الفنان أحمد مظهر لم تكن كبيرة على الرغم من تأثير الشخصية في كل الأحداث، ربما أراد أبو سيف ذلك لإعطاء صورة عن الشخصية وكأنها محركة لباقي الشخصيات كأنهم عرائس ماريونيت، تلعب بهم وتحركهم كما تريد.
يطلق على المخرج صلاح أبو سيف رائد الواقعية في الإخراج، وهو لقب مستحق تماما لمخرج كبير، فأفلامه مليئة بالرموز والصور الحية من الواقع، وتستطيع بكل وضوح في المشاهد الأولى في فيلم القاهرة 30 أن تشعر برائحة القرية وترى أفرادها على الشاشة كما هم في الحقيقة، وطوال الفيلم تراه يدفع أبطاله نحو مصيرهم الذي قد يبدو مختلفاً إلا أنه في الحقيقة نفس المصير في النهاية، التي تؤكد أن هناك ألف محجوب عبد الدايم وألف إحسان في المجتمع لكنها لا تظهر كثيراً مثلها مثل محرك العرائس ورغم الاختلافات بين الرواية والفيلم، ورغم أن الفيلم قدمه صلاح أبو سيف من وجهة نظره بعد الاستعانة بنص نجيب محفوظ الرائع، إلا أن الفيلم أضاف للرواية إحياء وتجديد وتخليد في تاريخ مصر السينمائي وأثبت أن محفوظ وأبو سيف كأنما كانا يستشرفان المستقبل ويضعان تصورهما لما سوف تكون عليه مصر وكيف سيصبح أهلها أو البعض منهم وان نظرتهم لبعضهم ستكون مثل نظرة محجوب لرفاقه وأن الكثيرين سوف يتبنون نظرية بطل الرواية محجوب عبد الدايم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.