القائمة القصيرة لميدالية نجيب محفوظ 2026: 6 روايات عربية تنافس على اللقب

بعد 20 عامًا من رحيل نجيب محفوظ، يأتي اسم الروائي المصري مرة أخرى في مقدمة المشهد الأدبي العربي، لكن هذه المرة ليس من خلال استعادة رواياته أو الاحتفاء بأعماله القديمة، وإنما عبر 6 أعمال روائية معاصرة وصلت إلى القائمة القصيرة لميدالية نجيب محفوظ للأدب لعام 2026، في دورة تتزامن مع الذكرى العشرين لرحيل صاحب نوبل، وتقدم في الوقت نفسه صورة متعددة الاتجاهات لما تكتبه الرواية العربية اليوم.

وقد اختيرت الروايات الست من بين 143 رواية تقدمت للجائزة من 23 دولة في العالم العربي وخارجه، على أن يُعلن اسم الفائز في 11 ديسمبر 2026، وهو يوم ميلاد نجيب محفوظ، في موعد يحمل بدوره دلالة خاصة في تاريخ الجائزة التي تقدمها دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة منذ عام 1996.

ولا تبدو أهمية القائمة في عدد الروايات التي تضمها فقط، وإنما في المسافة الزمنية التي تفصلها عن محفوظ نفسه، فقد رحل الكاتب في 31 أغسطس 2006 عن عمر ناهز 94 عامًا، وبعد عقدين من غيابه ما زال اسمه مرتبطًا بجائزة هدفها دعم الأدب العربي المعاصر وإتاحة فرصة لوصوله إلى القارئ باللغة الإنجليزية، إذ يحصل الفائز على جائزة مالية قدرها 5 آلاف دولار، إلى جانب ترجمة الرواية الفائزة ونشرها باللغة الإنجليزية على نطاق عالمي عبر «هوبوي»، العلامة الروائية التابعة لدار نشر الجامعة الأمريكية.

من محفوظ إلى الرواية التي جاءت بعده

قد يكون السؤال الأكثر إثارة الذي تطرحه قائمة هذا العام ليس أي الروايات الست ستفوز بالميدالية، وإنما ماذا تقول هذه الأعمال عن الرواية العربية بعد نجيب محفوظ، فمحفوظ لم يترك قالبًا ينبغي على الأجيال الجديدة أن تعيد إنتاجه، وإنما ترك تجربة أثبتت أن الرواية العربية قادرة على تحويل المكان المحلي والتاريخ والتحولات الاجتماعية والأسئلة الإنسانية إلى أدب يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.

ولذلك فإن القيمة الرمزية للجائزة لا تكمن في مطالبة الكتاب بأن يشبهوا محفوظ، وإنما في أن اسمه أصبح بوابة للاحتفاء بأصوات تختلف عنه وتواصل الحركة في فضاء الرواية العربية من مواقع وأسئلة وأشكال متعددة.

وهذه المسافة تبدو واضحة في القائمة الحالية، فالروايات الست لا تنتمي إلى بلد واحد ولا إلى جيل أدبي واحد ولا إلى موضوع واحد، فهي تضم 3 كتاب مصريين إلى جانب روائي سعودي وروائية عراقية وروائي فلسطيني، وتتحرك بين الذاكرة العائلية والتحولات الإنسانية، وبين مستقبل البشر ورحلات البحث عن حياة مختلفة، وبين تجربة اللجوء والتاريخ المملوكي والحياة اليومية في غزة، بما يجعل القائمة أقرب إلى خريطة صغيرة لتنوع الرواية العربية في اللحظة الراهنة.

«هذه ليست رصاصة».. حين تعود الطفولة بحثًا عن الحقيقة

يقدم الكاتب السعودي عبد الله ناصر في روايته «هذه ليست رصاصة» حكاية تبدأ من ذاكرة طفولية مرتبطة بإطلاق الأب رصاصة، ثم تعود إلى قضية قديمة، في محاولة للبحث عن الحقيقة ومواجهة أسرار العائلة والشعور بالذنب وآثار الماضي، وتتحول الرصاصة من حادثة في الذاكرة إلى نقطة تكشف ما يمكن أن تفعله الأسرار حين تبقى سنوات طويلة داخل الإنسان، وكيف يمكن لحدث قديم أن يظل حاضرًا رغم مرور الزمن.

والرواية ليست التجربة الأولى لعبد الله ناصر، فهو كاتب سعودي من الرياض من مواليد 1981، نشر مجموعتين قصصيتين، وترجمت مجموعته «فن التخلي» إلى الفرنسية، بينما حصلت مجموعته «عالق يوم الأحد» على جائزة معرض الرياض الدولي للكتاب عام 2020، وهو ما يضع وصول روايته إلى القائمة القصيرة ضمن مسار أدبي بدأ قبلها ولم يتشكل خصيصًا من أجل هذه الجائزة.

«أصل الأنواع».. الإنسان أمام احتمال أن يتغير

في «أصل الأنواع» يأخذ أحمد عبد اللطيف سؤال التطور إلى منطقة روائية شديدة الاختلاف، مستندًا إلى نظرية داروين ليتخيل مرحلة يصل فيها التغير البشري إلى حدود تمس الجسد والمشاعر معًا، فالشخصيات تفقد أجزاء من أجسادها، لكنها تفقد كذلك مشاعر مثل الحب والكراهية والغضب، في حين تبدو القاهرة نفسها مدينة قديمة تقترب من حافة الانقراض، ويتداخل فيها الأحياء والأموات والأشباح والأزمنة المختلفة.

وحينئذ تصبح المدينة جزءًا من التحول الذي يصيب الإنسان، فلا يعود السؤال متعلقًا بمستقبل الجسد وحده، وإنما بمستقبل المعنى نفسه، وما الذي يبقى من الإنسان إذا تغيرت ملامحه الجسدية والعاطفية، وهي أسئلة تدفع الرواية إلى منطقة تتجاوز الواقعية المباشرة نحو عالم تتداخل فيه الفانتازيا والتخييل وأسئلة المصير الإنساني.

وأحمد عبد اللطيف، المولود عام 1978، روائي ومترجم وصحفي وباحث مصري، صدرت له ثماني روايات، وحصل على عدد من الجوائز، كما ترجم أكثر من أربعين كتابًا من الإسبانية إلى العربية، وتؤكد سيرته أن «أصل الأنواع» تأتي ضمن تجربة روائية وترجمية ممتدة وليست عملًا منفصلًا عن مشروعه الأدبي.

«لونجا - القاهرة نويبع».. البحث عن بداية أخرى

تتحرك جنة عادل في «لونجا ـ القاهرة نويبع» من القاهرة إلى سيناء عبر شخصية آسيا، التي تهرب من حياة مضطربة بحثًا عن بداية جديدة، وفي الطريق تتغير الأماكن التي تعيش فيها، والأعمال التي تعتمدها، والأشخاص الذين تلتقي بهم، في حين تمتد الحكاية على ما يقرب من ثمانية أعوام، وتتغير معها الشخصية بصورة لم تكن تتوقعها.

وتستخدم الرواية أكثر من شكل في سرد هذه الرحلة، إذ تنتقل بين النثر والرسائل واليوميات، وهو ما يجعل الانتقال الجغرافي مصحوبًا بانتقال في طريقة الحكي نفسها، فلا تصبح الرحلة مجرد مغادرة مدينة إلى أخرى، وإنما محاولة لإعادة بناء حياة مختلفة، وما يترتب على ذلك من تحولات في الشخصية والذاكرة والعلاقات.

جنة عادل كاتبة ومترجمة مصرية من مواليد القاهرة عام 1988، نشرت عددًا من الترجمات، وأسهمت في أنشطة ثقافية وبرامج صوتية، وتكتب أيضًا لموقع «نعيم»، في حين تأتي روايتها الحالية في القائمة القصيرة بوصفها صوتًا من أصوات الجيل الجديد في المشهد الروائي المصري.

«صيف سويسري».. 4 عراقيين أمام ماضيهم

مع إنعام كجه جي تدخل الرواية العراقية إلى القائمة من خلال «صيف سويسري»، التي تدور أحداثها في مدينة بازل السويسرية، حيث يلتقي أربعة لاجئين عراقيين، رجلان وامرأتان، بدعوة من البرلمان الأوروبي لقضاء الصيف مع طبيب نفسي يحاول مساعدتهم على تجاوز ما تصفه الرواية بالإدمان الأيديولوجي، لكن كل شخصية تحمل معها تاريخًا مؤلمًا من العراق، وذكريات مرتبطة بالصراعات والانقسامات التي عاشتها.

تضع الرواية هؤلاء الأشخاص في مدينة جديدة، لكنها لا تمنحهم بالضرورة فرصة للهروب من الماضي، فكل واحد منهم يحمل تجربة مختلفة، ومن خلال اجتماعهم يصبح السؤال متعلقًا بإمكانية العيش مع الآخر بعد تاريخ طويل من الاختلاف والعداء، وتتحول التجربة إلى اختبار للذاكرة وللقدرة على التخلص من الأفكار التي شكلت أصحابها لسنوات.

إنعام كجه جي، المولودة في بغداد عام 1952 والمقيمة في باريس، روائية وصحفية عراقية لها خمس روايات ترجمت إلى لغات عدة، ووصلت ثلاث من رواياتها إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، كما حصلت الترجمة الفرنسية لروايتها «طشاري» على جائزة لاغاردير عام 2016، وحصلت عام 2025 على جائزة العويس للإنجاز الثقافي والأدبي.

«لا بريد إلى غزة».. الحياة خلف العزلة

في «لا بريد إلى غزة» يضع محمد جبعيتي القارئ أمام شخصية جلال مطر، شاب يعمل حفارًا للقبور، وهي مهنة ورثها عن والده، بينما يجد في رياضة الباركور وسيلة رمزية للقفز فوق واقع تحاصره مشاهد الموت والعزلة، وتتحول فكرة غياب البريد إلى صورة لعزلة غزة عن العالم، فيما تصبح المقبرة مكانًا تختزن فيه الأحلام التي لم تكتمل والذاكرة الجماعية.

لكن الرواية لا تقدم غزة بوصفها عنوانًا سياسيًا فقط، فبحسب تقديم الجائزة، تعيد بناء تفاصيل الحياة فيها قبل الإبادة، وتجمع بين الواقعية السحرية والأساطير الثقافية والتراجيديا العائلية، وتمنح شخصياتها مساحة للحب والألم والأمل والحياة اليومية، بحيث لا تتحول الشخصيات إلى مجرد رموز، وإنما تظهر بوصفها بشرًا لهم حكاياتهم الخاصة وأحلامهم المؤجلة.

محمد جبعيتي روائي فلسطيني من مواليد طولكرم عام 1993، يعمل في التعليم والصحافة، ويدرس الأدب العربي الحديث في تونس، ونشر ست روايات، من بينها «غسالة الصحون التي تقرأ شوبنهاور» و«العالم 9»، وحصل عام 2025 على جائزة كتارا للرواية العربية عن روايته «الطاهي الذي التهم قلبه».

«جنون مصري قديم».. التاريخ بوصفه مادة للخيال

أما طلال فيصل فيعود في «جنون مصري قديم» إلى واحدة من أكثر مراحل التاريخ المملوكي اضطرابًا، من خلال أستاذ تاريخ يعثر على مجموعة مخطوطات منسية كتبها مؤرخ مصري مجهول، فينجذب إلى عالم يبدأ بوفاة السلطان المؤيد شيخ وتركه وريثًا طفلًا، ثم تتوالى التحولات والصراعات داخل البلاط، وصولًا إلى السلطان الأشرف برسباي الذي يقع أسير حلم مستحيل بتحويل التراب إلى ذهب.

وهكذا تستخدم الرواية التاريخ بوصفه مادة للحكاية، لا مجرد سجل للأحداث، وتستفيد من المؤامرة والخيانة والجنون والصراع على السلطة لصناعة عالم روائي يستطيع أن يعود إلى الماضي دون أن يتخلى عن أدوات السرد الحديثة، وهي منطقة سبق لطلال فيصل أن تحرك فيها من خلال روايات تناولت شخصيات وتجارب تاريخية وفنية، منها روايته عن الشاعر والمسرحي نجيب سرور وروايته عن الموسيقار بليغ حمدي.

6 روايات ونافذة واحدة

لا يجمع الأعمال الستة موضوع واحد، وهذه ربما إحدى أهم سمات القائمة، فمنها الذاكرة وأسرار العائلة في «هذه ليست رصاصة»، ومستقبل الإنسان في «أصل الأنواع»، والبحث عن حياة جديدة في «لونجا ـ القاهرة نويبع»، وتجربة اللجوء والانقسامات الأيديولوجية في «صيف سويسري»، والحياة والموت والعزلة في «لا بريد إلى غزة»، ثم العودة إلى التاريخ المملوكي في «جنون مصري قديم».

ومن خلال هذه الأعمال، تظهر الرواية العربية بوصفها مساحة تتسع لأساليب وأسئلة مختلفة، فلا تفرض القائمة شكلًا واحدًا للكتابة، ولا تقدم جغرافيا أدبية مغلقة، بل تجمع أصواتًا من السعودية ومصر والعراق وفلسطين، جاءت من بين 143 رواية تقدمت للجائزة من 23 دولة في العالم العربي وخارجه، وهو ما يمنح القائمة قيمة تتجاوز أسماء الأعمال الستة إلى كونها صورة جزئية عن التنوع الذي يتحرك داخله الأدب العربي المعاصر.

20 عامًا على رحيل محفوظ

في هذه الدورة تحديدًا، يصعب فصل القائمة عن ذكرى نجيب محفوظ، فقد مر في 31 أغسطس 2026 عشرون عامًا على رحيله، وهو التاريخ الذي اختارته دار نشر الجامعة الأمريكية مناسبة لاستعادة إرثه، بالتزامن مع إعلان القائمة القصيرة، على أن يأتي إعلان الفائز في 11 ديسمبر، يوم ميلاده، بما يجعل دورة 2026 محاطة بتاريخ محفوظ من لحظة الإعلان عن القائمة حتى لحظة إعلان الفائز.

لكن المفارقة الأهم أن الجائزة التي تحمل اسمه لا تبحث عن نسخة جديدة منه، بل عن الأدب العربي الذي يواصل الحركة بعده، فقد تأسست ميدالية نجيب محفوظ عام 1996، خلال حياته، بهدف دعم الأدب العربي المعاصر وترجمته إلى الإنجليزية، وكان محفوظ نفسه قد رحب بها بوصفها فرصة لاكتشاف مواهب جديدة في الأدب العربي وتعريف القراء حول العالم بها.

واليوم، بعد عشرين عامًا من رحيله، تستمر الجائزة في الدور نفسه، ولكن بأسماء وتجارب وأسئلة لم تكن موجودة بالطريقة نفسها في زمن محفوظ. وحينئذ تتحول الذكرى من مناسبة لاستعادة الماضي إلى فرصة للنظر في الحاضر، فمحفوظ الذي جعل من القاهرة والحي والبيت والأسرة والمقهى والتاريخ المصري مادة لرؤية إنسانية واسعة، ترك للأجيال التي جاءت بعده مساحة مفتوحة للتجريب، وهذه القائمة القصيرة تقدم نماذج لهذا التجريب، من مستقبل الإنسان إلى تجربة اللجوء، ومن البحث عن بداية جديدة إلى استعادة التاريخ، ومن جغرافيا القاهرة وسيناء إلى غزة وبازل والبلاط المملوكي.

الجائزة التي تحمل الاسم.. والرواية التي تواصل الطريق

بعد 20 عامًا من رحيل نجيب محفوظ، تبدو ميداليته الأدبية وكأنها تؤدي مفارقة جميلة، فهي تحمل اسم روائي أصبح جزءًا من تاريخ الأدب العالمي، لكنها تظل موجهة إلى الأدب الذي لم يكتمل بعد، إلى الروايات التي تبحث عن قارئ جديد وإلى الكتاب الذين لم يصبحوا بعد جزءًا من الذاكرة الأدبية المستقرة.

لذلك يمكن قراءة القائمة القصيرة لعام 2026 بوصفها نافذة على الرواية العربية لا على محفوظ وحده، فالروايات الست لا تحاول أن تعيد الحارة المحفوظية، ولا أن تستنسخ عالمه أو لغته، وإنما تذهب إلى أماكن وأسئلة أخرى، وفي ذلك تحديدًا تكمن قيمة الاحتفاء بمحفوظ بعد عقدين من رحيله، أن يبقى اسمه حاضرًا لا بوصفه نهاية الطريق، وإنما بوصفه جزءًا من تاريخ طويل لا تزال الرواية العربية تكتب فصوله الجديدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.