الفيلم الكندي"Easy Land" : الواقعية في سَرد احلام المهاجرين وانكساراتهم

الحديث عن الفيلم الكندي EASY LAND إنتاج 2019 يقودنا إلى أن نستذكر بشكل خاطف النهضة التي شهدتها السينما في هذا البلد مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعد أن كانت لعقود طويلة تقتفي آثار السينما الأميركية منذ بواكيرها الأولى في مطلع القرن العشرين، ولم تتمكن من اللحاق بها كَمَا وجودةً، ولكن بعد مطلع التسعينيات كان جمهور السينما وخاصة المهرجانات على موعد مع انطلاقتها الجديدة، ليقف أمام سينما بدأت تتشكل ملامحها الخاصة في التعبير عن التنوع الاثني الذي يميز هذا البلد.

حركة الكاملة وقلق الشخصيات

في الشريط السينمائي EASY LAND للمخرجة الكندية ذات الأصل الصربي سانجا زيفكوفيتشاننا نحن أمام حركة كامرة تتسم بالقلق في عديد من مشاهد الفيلم، فقد حرصت المخرجة على أن تكون الكاملة محمولة وليست مستقرة على حامل holder وهذا الشكل من التعامل الفني ما بين الكاملة والموضوع، غالبا ما يتعامل معه مخرجو الأفلام الروائية بحذر شديد، ويتجلى ذلك عندما يسعون إلى ملامسة الواقع، ومن هنا لجأت إليه زيفكوفيتش لأجل أن يصل إلى المتلقي الإحساس الداخلي الذي تعيشه شخصيتا الفيلم الابنة نينا التي مازالت طالبة في المرحلة الثانوية (أدت شخصيتها الممثلة نينا كيري) والأم جاستا المهندسة المعمارية والزوجة المنفصلة عن زوجها (أدت شخصيتها الممثلة ميريانا  جوكوفيتش اضطرت إلى أن تهاجر من بلدها صربيا نحو كندا مع ابنتها خاصة بعد أن عانت تجربة نفسية صعبة بسبب الحرب التي كانت مشتعلة في مطلع تسعينيات القرن الماضي بين الصربيين والبوسنيين، فتركت أثرا سيئا عليها وبدا ذلك واضحا في ما كانت تعانيه من متاعب نفسية إضافة إلى إصابتها بمرض عقلي، جعلها في بعض الأحيان تتحدث مع نفسها، كما لو أنها تتخيل أشخاصا أمامها وتتجادل معهم، وما زاد من تركيبتها المعقدة وجعلها تبدو في حالة اضطراب شديد عجزها عن الحصول على وظيفة تناسب اختصاصها، باعتبارها مهندسة معمارية، فتضطر تحت ضغط متطلبات المعيشة المكلفة في كندا وتراكم ديون إيجار البيت الذي تقيم فيه مع ابنتها إلى أن تعمل موظفة خدمة في مكتب للتصميم تديره امرأة يبدو عليها التسلط وعدم الاهتمام بالآخرين الذين يعملون لديها، وتضطر جاسا إلى أن تسلم جسدها لمدير إحدى الشركات العقارية حتى يساعدها في تبني مشروعها لبناء مجمع سكني يجمع اللاجئين أسمته EASY LAND ورغم الثمن الذي دفعته إِلَّا أنها لم تصل إلى مبتغاها وفشلت في تحقيق حلمها وتغيير حياتها بما ينسجم مع إمكاناتها، فتزداد حياتها الاجتماعية والنفسية تعقيدا، ولم تعد تنفع معها الحبوب التي تتناولها يوميا لمعالجة مرضها، فما كان منها إلا أن تبتلع جميع ما في العلبة من حبوب في محاولة منها للانتحار، لكن ابنتها تصل إلى البيت في اللحظات الأخيرة وتستدعي سيارة الإسعاف ويتم إنقاذها.

أزمة الجيل الشاب من المهاجرين

الابنة نينا هي الأخرى غارقة في جملة مشاكل مع عدد من زملائها الطلبة في المدرسة الثانوية، لكنها تختلف في بنية شخصيتها عن والدتها، فهي تمتلك قدرا من الصلابة والعناد في شخصيتها ما جعلها لا تنهزم بسهولة، ولأجل توفير مصروفها الشخصي تتعامل مع أشخاص ينشطون في أعمال غير مشروعة بعيدا عن أعين الرقابة الحكومية وذلك بالعمل على تسويق هواتف خليوية مستعملة، إِلَّا أن انشغال ذهنها بما تعانيه والدتها من أزمات نفسية واقتصادية وعقلية أربك وضعها الدراسي، وجعلها تتخلف عن زملائها في المستوى العلمي، فتتلقى تهديدا من الإدارة بأنها ستواجه مرحلة صعبة إذا لم تبذل جهدا، ولكن حياتها تواجه منعطفا مهما عندما أوعزت لها إدارة المدرسة بان تلتحق بفرقة مسرحية تتعاون معها الإدارة في مشاريعها المسرحية، لتكون ضمن فريقها الذي يستعد لتقديم مسرحية للمؤلف صموئيل بيكت، ومن الواضح أن اختيار نص مسرحي للكاتب بيكت ليكون ضمن حبكة السيناريو يأتي دعما للفكرة المحورية التي تدور حول إظهار مشاعر اغتراب الأم وابنتها في الوطن البديل.

تنجح الابنة نانا في أن يكون لها موقع في إدارة الفرقة بعد أن تلفت انتباه المخرج إلى ما تمتلكه من رؤية تتسم بالذكاء في إدارة مشروع العرض، رغم أنه لم يكن مقتنعا بها في أول أيام دخولها إلى قاعة التمارين، وعلي إثر ذلك تبدأ تستعيد ثقتها بنفسها وبالمكان الذي وجدت نفسها فيه، بعد أن كانت قد عبرت صراحة لوالدتها عن نيتها بالعودة إلى صربيا لتعيش مع جدتها، لكنها تستعيد أملها في إمكانية التأقلم والعيش في البلد الذي منحهما فرصة اللجوء، ومن هذه النقلة الجديدة في مسيرتها، تتمكن من أن تمنح والدتها الثقة والاطمئنان بالمستقبل، فينتهي الفيلم في اليوم الأول لافتتاح العرض المسرحي، حيث تجلس الأم وابنتها بين المتفرجين، وعلامات التفاعل والانسجام مع العرض واضحة على الابنة أما والدتها فكانت تتأملها وهي في حالة من الانبساط، إشارة على أن الجيل الجديد من الممكن جدا أن يعثر على فرصته في حياة جديدة.

استعادة التجربة الذاتية

يأتي هذا الفيلم باعتباره التجربة الأولى للمخرجة سانجا زيفكوفيتش في إخراج عمل روائي طويل بعد أن كانت قد قدمت عام 2016 فيلما قصيرا بعنوان كليو تدور أحداثه أيضا في حي يسكنه المهاجرون، لكنه لم يكن على تلك الدرجة من العمق في تناول الجوانب الداخلية للشخصية المهاجرة، إذ بقي ملامسا للموضوع من الخارج، لكنه يعد تجربة مهمة في مسيرتها المهنية، فكان بمثابة تمرين لدخول عالم إنتاج الأفلام الروائية الطويلة وهذا ما صَرَّحَتْ به في أكثر من حوار أجري معها، حيث أشارت إلى أنها كانت عازمة على تحقيق هذا الحلم في أقرب فرصة بعد الانتهاء من فيلمها القصير.

تشكل موضوعة المهاجرين قضية جوهرية بالنسبة للمخرجة ساجا، لانها عانت منها شخصيا في سنواتها الاولى، باعتبارها صربية مهاجرة الى كندا، في مطلع تسعينات القرن الماضي مع عائلة كبيرة ضمت الام والاب والجدة والاولاد، فاستثمرت تجربتها واعادت  صياغتها بقالب جديد اثناء كتابة السيناريو، ولهذا بدا الفيلم في جانب منه اشبه بحبكة درامية عائلية، إلاّ ان اسلوبها في السرد دفع بالفيلم الى ان يبتعد عن الانكماش في حدود هذا الاطار الدرامي العائلي ولينتقل الى مستوى اعمق، وذلك بالنفاذ  الى داخل عوالم الشخصيات النفسية، وهذا ما قاد السرد الى ان يمارس دورا اقرب الى مهمة التحليل النفسي.

رؤية واقعية

وفي ما يتعلق بالاطار الجمالي فقد تكشفت القدرات الخاصة للمخرجة في اعتمادها على بنية واقعية لم تذهب بها الى منطقة التخيلات التي تتيحها تركيبة الشخصيتين الرئيسيتين، وهذا الخيار الجمالي في بناء الصورة قد عزز رؤيتها الواقعية لما يعانيه المهاجرون، ومنذ فيلمها الاول كان لديها تصميم واضح على ان تتصدى لهذه القضية، من غير ان تبتعد في رؤيتها عن الواقعية كاسلوب في التناول لما تحتفظ به الواقعية من تكنيك قادر على ّكشف ازمة الشخصيات من غير الانحياز الى ايجاد مقاربات افتراضية تستمد بنيتها المتخيلة من لامنطقية البناء السردي في الاحلام والتخيلات، ووفق هذه الستراتيجية في رؤيتها الفنية كانت كامرتها منساقة الى اغراءات الواقعية في  رصدها للمكان الذي تتحرك فيه الشخصيات، ومن غير ان يكون هناك استعراض ومبالغة وافراط في الحركة، كما لو ان الكامرة جزء من الشخصيات الواقعية، وعادة ما نشعر بمثل هذا الاحساس في الافلام التسجيلية حيث تتحول الكامرة الى كيان مرتبط بالشخصيات وليس منفصلا عنهم فلايشعرون بوجودها وحركتها رغم انهم يعيدون اداء  دورهم الواقعي امامها، ولكنها في هذا الفيلم لم تنخرط بعيدا في هذا الدور، إذ حرصت  على ان تبقي لدى المتلقي احساسه القوي بانه امام فيلم روائي وليس فيلما تسجيليا، وهذا الحد الفاصل مابين البنيتين الجماليتين لهذين النمطين من الافلام لم يكن محسوسا، بمعنى ان المخرجة كانت تلعب دورها في اطار استدعاء التجربة الواقعية التي عاشت تفاصيلها، بما تحمله من مشاعر واحاسيس تعيشها شخصية اللاجىء خاصة في السنين الاولى من وجوده في وطن اللجوء، والتي تتجسد فيها لحظات تأرجحه مابين البقاء او الرجوع، فالنموذج الهندسي المصغر لمبنى اللاجئين الذي صممته الأم كان يمثل حلمها وامالها في مستقبل جديد،  لكنها وجدته يتحول الى وهم عندما يتم رفضه، فما كان منها الا ان رمته في مخزن البيت مثل بقية الاشياء المستهلكة ولم يعد منها نفع

الاداء التمثلي

الحديث عن هذا الفيلم يقودنا الى ان نتوقف طويلا عند اداء الممثلتين الرئيسيتين، فالممثلة نينا كيري التي ادت دور الابنة ولدت في صربيا عام 1992 في ما كان يعرف آنذاك بجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية خلال الحروب اليوغوسلافية ثم انتقلت مع عائلتها إلى فانكوفر في كندا وبدأت خطواتها الاولى في تجربة الأداء داخل المسرح المدرسي بدءًا من العام 2007 وكان أول دور لها على شاشة التلفزيون في فيلم قصير عام  2011 ثم تعاونت عام 2016 مع زميلتها المخرجة الكندية الصربية سانجا زيفكوفيتش في الفيلم القصير "كليو" بعدها تابعت عملها على الشاشة في ثلاثة افلام لعبت فيها الدور الرئيسي فنالت جائزة افضل ممثلة عام 2017 في مهرجان الفيلم الكندي ثم شاركت في مسلسل تلفزيوني منحها شهرة وشعبية كبيرة في كندا، فاستعانت بهذه الخبرة التي اكتسبتها في هذا الفيلم بشكل بدت فيه على درجة عالية من الاحتراف امام الكامرةوهي تؤدي دور فتاة تحمل نزعة قوية للتمرد، رغم ما تعانيه من اشكالات في حياتها الاجتماعية مع والدتها ومع محيطها داخل المدرسة.

أما الممثلة ميريانا جوكوفيتش التي ادت شخصية الأم فهي ايضا من اصول صربية، حيث ولدت عام 1967 في الجبل الاسود المدينة التي كانت احدى جمهوريات يوغوسلافيا الاشتراكية الاتحادية قبل ان تتشظى الى عدة جمهوريات منفصلة، وكانت قد تخرجت من أكاديمية الفنون المسرحية في بلغراد وبدأت التمثيل عام 1979 في المسرح القومي ومسرح الدراما اليوغسلافي، وفي عام 1993 هاجرت إلى الولايات المتحدة ولم تنقطع عن التواصل والعمل في الافلام الصربية إذ نالت جائزة افضل ممثلة عام 1994 في فيلم سينمائي حمل عنوان" Vukovar "وفي عام 1995 شاركت في دور رئيس بفيلم" Underground "من اخراج  الصربي امير كوستوريكا، الذي سبق ان نال جائزة مهرجان البندقية عام 1981 وجائزة مهرجان كان عام 1995 وتعد الممثلة"ميريانا جوكوفيتش"من اهم الممثلات الصربيات، واضافة الى امتهانها لمهنة التمثيل في السينما والمسرح فهي تعمل مدربة لفن التمثيل في احدى الجامعات الاميركية بعد ان نالت شهادة الماجستير، فلاغرابة إذا ما جاءت تجربة الاداء في هذا الفيلم على هذا المستوى من النضج والحيوية والاحتراف .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.