لطالما كان السجن مقبرة للأجساد، لكنه بالنسبة للبعض تحول إلى منارة للفكر الصامد؛ هكذا كانت حياة الفيلسوف الإيطالي توماس كامبانيلا.
لم يكن مجرد راهب دومينيكاني عادي، بل كان ثائرًا فكريًا وسياسيًا بامتياز، قضى قرابة ثلاثة عقود خلف القضبان دون أن تنكسر إرادته. ومن عتمة الزنازين، أخرج للعالم رؤية فلسفية فريدة مزجت بين الإيمان العميق والبحث العلمي القائم على التجربة، ليصبح واحدًا من أهم أعمدة عصر النهضة المتأخر الذين مهدوا الطريق لمفاهيم العدالة الاجتماعية الحديثة.
من هو توماس كامبانيلا؟
يُعد توماسو كامبانيلا المولود في ستيلو عام 1568 واحدًا من أبرز مفكري وفلاسفة عصر النهضة المتأخر، وهو رجل دين ودومينيكاني إيطالي جمع في حياته بين التمرد الفكري والنضال السياسي. ولم تمنعه جدران السجون من صياغة أفكار غيرت مجرى الفلسفة السياسية والاجتماعية.

النشأة والتمرد الفكري
كان جيوفان دومنيكو الملقب بتوماس كامبانيلا ينتمي إلى أسرة من الفلاحين الفقراء في (كالابري)، فدخل إلى سلك رهبانية الدومينكان، وأصبح راهبًا في سن المراهقة، ثم كرس نفسه لدراسة الفلسفة والعلوم، فتأثر بأفكار الفيلسوف الإنجليزي توماس مور صاحب نظرية (الطوباوية)، وبالفيلسوف الطبيعي (تليسو)، وقد كلفه دفاعه عن أفكار هذا الأخير الإحالة على المحاكمة في نابولي بتهمة الزندقة.
هذا التوجه «التجريبي» وضعه في صدام مباشر مع السلطات الكنسية، حيث نُشر كتابه الأول (الفلسفة المثبتة بالحواس) عام 1591 دون إذن رسمي، مما أدى إلى اتهامه بالهرطقة وسجنه لفترة وجيزة، لتكون هذه الحادثة مجرد بداية لسلسلة طويلة من المحاكمات.
في عام 1599، قاد كامبانيلا محاولة ثورية في مسقط رأسه للإطاحة بالحكم الإسباني في كالابريا، بهدف إقامة جمهورية ثيوقراطية مثالية. فشلت المحاولة، وتعرض كامبانيلا لتعذيب شديد، لكنه استطاع النجاة من عقوبة الإعدام بادعاء الجنون، ليُحكم عليه بالسجن المؤبد.
وخلال سنوات سجنه الطويلة في نابولي، كتب معظم أعماله الفلسفية والأدبية، محولًا زنزانته إلى منارة فكرية. دافع في تلك الفترة عن غاليلو غاليلي في كتابه (الدفاع عن غاليلو)، رغم اختلافهما في بعض الرؤى العلمية، إيمانًا منه بحرية البحث العلمي.
أمضى في سجن نابولي مدة 27 عامًا، وأفرج عنه بعد تدخل البابا أوربان الثامن وقضى بقية حياته في باريس وتوفي فيها سنة 1639م
فلسفة كامبانيلا في السياسة: مدينة الشمس
لقد استطاع كامبانيلا رغم المدة الطويلة التي قضاها في السجن أن يطور آراءه ومعتقداته السياسية، وأن يقدم إنتاجا فكريًا هائلًا يشمل مجالات عدة: من الفلسفة التي أدركت ضمن منظور طبيعي كما أعلنها تليسو، إلى الشعر، إلى الدعوة للإيمان بالكاثوليكية، إلى علم الأخلاق والطب وعلم الفلك والسحر والسياسة.
ففي ميدان السياسة كان كامبانيلا من أولئك الطوباويين الذين يعتقدون بوجود مجتمع نموذجي أصيل تنتظم فيه الحياة والعلاقات الإنسانية على نحو مثالي وخالٍ من أي أثر للظلم والطغيان، ويعبر عن ذلك بوضوح في كتابه (مدينة الشمس) -أشهر مؤلفات توماس كامبانيلا- الذي يعرض فيه مشروع مجتمع جديد على الصعيدين السياسي والأخلاقي يحكمه راهب اسمه (شمس) أو (ميتافيزيقيا)، وتعتمد فيه السلطة على ثلاثة مبادئ:

أ. القوة لاحتياجات الدفاع العسكري.
ب. المعرفة للعناية بالفنون الليبرالية والآلية.
وتسند إلى علماء يتناسب عددهم مع عدد العلوم كعالم الفلك، والعلماني، والطبيب والسياسي، إلخ..
ج. المحبة التي تؤمن عملية التناسل والتكاثر.
والمجتمع الذي يبشر به كامبانيلا هو مجتمع شيوعي ديني، يسود فيه العلم، ويصبح فيه كل شيء مشتركًا: عمل مشترك وخيرات مادية مشتركة، وسلطة تعتمد على انتخابات حرة وعلى الكفاءة والاستحقاق القائمين على العلم والمعرفة.
أبرز ملامح هذا المجتمع
- الملكية المشتركة: ألغى كامبانيلا الملكية الخاصة، مؤمنًا بأنها أصل الجشع والنزاع، واستبدلها بنظام تشاركي حيث يتم تقاسم الثروات والعمل.
- حكم الحكماء: تُدار المدينة بواسطة رئيس يُلقب بـ «الشمس» (أو الميتافيزيقي)، يعاونه ثلاثة وزراء يمثلون: القوة، المعرفة والحكمة، والحب.
- التعليم والعمل: يركز النظام على التعليم الشامل، ويقصر ساعات العمل اليومي على أربع ساعات فقط، لإتاحة المجال لتطوير العقل والروح.
العرش الإسباني وسلطة البابا
وفي كتابه (العرش الإسباني) يعلن أنه إنسان يبحث عن السلم والنظام.
ويرى أن ذلك يتحقق بالمهمة العالمية والتوحيدية التي ينفذها العرش الإسباني الكاثوليكي -كانت إيطاليا في ذلك الوقت تحت السيطرة الإسبانية- ولهذا فهو يدعو السلطات والمقاطعات الإيطالية جميعها إلى الانضواء تحت سيطرة البابا بعدها سلطة عالمية.
إن دعوات كامبانيلا هذه لم تجد صدًى كبيرًا في مرحلة صعود الليبرالية والبورجوازية التجارية الإيطالية.
وبقي وحيدًا مضطهدًا، لكن دعوته إلى العلم القائمة على الملاحظة والتجربة ورفضه في مجال السياسة لنظام الامتيازات جعلت منه مفكرًا معاصرًا ورائدًا ومؤيدًا لسلطة ومجتمع لهما بعد جديد.
لقد جعل كامبانيلا من الفكر الطوباوي برنامجًا سياسيًا عمليًا، ورغم عدم واقعيته السياسية، لكن ما ورد في كتبه يحتوي تعليمات عميقة تحقق التحامًا واضحًا بين المؤسسات التي يطرحها البرنامج وبين التطلعات التي كانت تختمر عند الفئات الشعبية الإيطالية البائسة، وكان لديه الحدس بأهمية البحث عن أفق اجتماعي جديد، وفي قصيدة كتبها عن جذور الشرور الكبيرة لهذا العالم كان يقول عن نفسه: "ولدت لأدمر ثلاثة شرور مطلقة: الطغيان والسفسطائية والنفاق".
سنواته الأخيرة وإرثه
أُطلق سراح كامبانيلا أخيرًا عام 1626 بتدخل من البابا أوربان الثامن، الذي استعان بخبرته في التنجيم. وبعد سنوات من عدم الاستقرار، فر إلى فرنسا عام 1634، حيث وجد الحماية لدى الملك لويس الثالث عشر والكاردينال ريشيليو، وأمضى سنواته الأخيرة في تنقيح ونشر مؤلفاته حتى وفاته في باريس عام 1639.
ترك كامبانيلا إرثًا يمتد من الشعر الفلسفي العميق إلى النظريات السياسية الجريئة، ويُنظر إليه اليوم كأحد رواد الفكر الاشتراكي الطوباوي ومن أوائل الذين نادوا بالتوفيق بين الإيمان والبحث العلمي القائم على التجربة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.