" الفنُّ للفنِّ.. قيمة أم دونية "
" الفنُّ ينتجه الفقراء ويستمتع به الأغنياء"
راجتْ طويلاً مقولة أن الفنَّ للفنِّ، بحيث باتتْ من البديهيات التي يفيض بها الوعي والمخيال الثقافي في المجتمع.. وهي مقولةٌ تُفيد أن الفنّ غايةٌ بذاته وليس له أن يكون أداة أو وسيلة لتحقيق غايات معينة.. تماماً كالفلسفة التي تحتلّ قمة الهرم في تراتبية المعرفة، لكن هناك اختلاف جوهري في أن الفلسفة تمثِّل مصدراً أوليّاً للفروع المعرفية الأخرى والأدنى، بينما يبقى الفن مصدراً بذاته ولذاته..
المفارقة أن الباحثين والمفكرين جعلوا من الفن على اختلاف ألوانه في مرتبةٍ عليا بحسب سُلَّم الحاجات الإنسانية.. فهو يقع في أعلى هرم الحاجات الذي وضعه ( أبراهام ماسلو) بعد وفوق الحاجة لتحقيق الذات والحاجة للمعرفة، جاءت قمة الهرم لتتبؤاها الحاجة لتذوُّق الجمال والفنون.. وربما جاء وضع تذوُّق الجمال ضمن هرم الحاجات تعسُّفاً وإن احتلّ قمة الهرم، فالحاجة هي تعبيرٌ عن نقصٍ ما، لكن الفن هو تعبيرٌ عن فائضٍ ما..
من هنا تتضح المفارقة بين أن الفن الحقيقي هو الذي يخرج للنور من عتمة المعاناة، وحيث نرى أن من ينتج الفن هو ممن لا زال يبحث عن تلبية احتياجاته الأساسية ضمن هرم الحاجات السابق ذكره.. والذي يجعلنا بالتالي نقف مليّاً للبحث وإعادة النظر في تلك التراتبية للحاجات، فالأصل أن الذي ينتج الفن هو الأقدر على تذوّقه.. وإن المقولة التي بدأتُ بها هذه المقالة بأن الفن ينتجه الفقراء ويستمتع به الأغنياء، تتطلب تعديلاً ذهنياً ومعرفياً لتصبح أن الفن ينتجه الفقراء ويمتلكه الأغنياء، وليس شرطاً أن من يمتلك الشيء ينبغي أن يستمتع به.. فيما هناك ترادف منطقي بأن من ينتج الشيء ينبغي أن يتذوقه.. فكيف الحال إذا كان الشيء هو الفن بتجلياته التي ليس لها أن تبزغ إلا بوجود الحاضنة الملائمة لمتطلبات البزوغ..
ما دفعني للكتابة في هذا الشأن هو محاولة قد تبدو في غير محلها أو أوانها من أجل إعادة صياغة الوعي الفني والجمالي، والمراجعة الجادة لمفهوم الفن للفن بحيث لا يبقى في عليائه الواهمة التي تمنحه شكلاً يصل لدرجة القداسة، فيما يكون واقع الحال كما نرى في حجم التشظِّي والتهميش والمعاناة التي يعيشها أبناء الفن، أبناء القهر، ففي الوقت الذي يتم فيه تضخيم صورتهم دون رغبةٍ منهم، فإنهم لا يكادوا يحصلون على ما يقيم أودهم..
نريد فنوناً تحاكي مجتمعها، وفنانين يعيشون حياتهم بشخصيةٍ واقعيةٍ واحدةٍ.. لا أن يعيشوا بشخصية الفنان الذي وصل لما فوق درجة تحقيق الذات، وبنفس اللحظة يعيش شخصيةً مجتمعيةً مسحوقةً ومطحونةً لا تكاد تلحق برغيف خبزها..
إن هذه الصور اليوتوبية والتي شكلت وعينا وفهمنا عبر تراكمية ثقافية وأدبية وتاريخية بالتأكيد على حجم المعاناة والعذابات والآلام التي مرَّ بها المبدعون والعظماء في حياتهم، والذين في غالبيتهم لم يتم تكريمهم أو معرفة قيمة آثارهم إلا بعد وفاتهم..
هذه الصورة الموحشة في اختزال إنسانية الإنسان بالدرجة الأولى بحيث تبجَّل أعماله وتصبح معاناته وفقره واضطهاده صوراً فنيةً وقطعاً أدبيةً وتاريخاً يُحتذى..
إنه لإصرارٌ غريبٌ ومريبٌ في تكريم أعمال الفنان، وتجاهل الفنان.. وفي اغتيال إنسانية هذا الفنان.. لا أدري لماذا أزداد اقتناعاً كل مرّةٍ بمقولة أن المؤرخين يستطيعون أن يجعلوا من النكرات عمالقة، فيما يكون مئات الآلاف من العمالقة فعلاً قد طُمروا وللأبد في مجاهل التاريخ..
إن ما يجعل من جميع فروع المعرفة بما فيها الفلسفة كأدوات ووسائل لتحقيق غايات ومنافع لصحابها أولاً، هو ذات المبدأ الذي ينبغي أن يجعل من الفن أداة ووسيلة لا غاية أو مصدراً بذاته.. وهذا لن يقلل أبداً من قيمة الفن، بل قد يكون العكس هو الصحيح عندما يلامس الفن حاجات المجتمع المحيط فيه، وعندما يتناغم المجتمع مع تذوّق الفن.. حينها يأخذ الفن مكانه ومكانته التي يستحقها.. وحينها ينبغي أن تُعاد صياغة مفهوم الفن للفن لكي يصبح الفن للناس، للمجتمع، الفن للحياة... وحينها ايضاً سيتم تعديل صياغة مقولة الفن للفن بحيث تصبح أن الفن ينتجه الفنان ويستمتع به الفنان لا بل وكل إنسان..
إن هذا الربط التصنيفي بين إنتاج الفن وبين استهلاكه، وهذه الطبقية المفروضة على الفن، هي من بقايا التاريخ الأرستقراطي الذي نشاهده في تلك الجماليات الخالدة ما بين لوحة فنية وقطعة موسيقية ونحت على جدار كاتدرائية ورسم خالد وغير ذلك، والذي قرأنا عن حجم المعاناة في تسخير الناس لإنجاز تلك الإبداعات الخالدة..
بل حتى التراتبية الاجتماعية قد فرضت منطقها ذات قهرٍ على الفن عندما كان الفرز حاداً بين (الفن الراقي) الذي يليق بالنبلاء والأرستقراط (والفن الشعبي) الوضيع الذي يرتبط بالعامة الدهماء.. إلى أن جاء الروّاد كالعادة في رسوماتهم ولوحاتهم ونحتهم الذي يفضح أكثر مما يستر، ويكشف أكثر مما يخفي.. فكان الفن الملامس للحقيقة كما هي تماماً أو كما ينبغي أن تكون.. وعندما كانت الرومانسية هي السائدة بافتراضاتها أن الحياة حلم لا ينبغي تجسيده، وأن الأرقى هو الأنأى، وأن أجمل الأشياء هي تلك التي لا نحصل عليها وهكذا.. فجاءت الواقعية لتقول أن الحياة هي ما نعيشه معاناةً ومتعةً، وأن الأرقى هو الأدنى، وأن أجمل الأشياء هي تلك التي نحصل عليها.. لكن؟
في كل تلك الحالات كان الفن هو البطل وهو أيضاً الضحية.. كانت الإقطاعية قد أحكمت وثاقها بما يسمى ( لفن الإقطاعي) البرجوازي المحتشم، قبل أن يضع"مانيه" بلوحته نهاية احتشام الفن، وبشكلٍ أدق نهاية الإقطاع في الفن.. وجاءت القطيعة الفعلية حين رسم"فان كوخ" حذائه واضعاً حداً فاصلاً تحت عنوان( كفى) ومعلناً نهاية الفن الإقطاعي جاعلاً منه تاريخاً من الركام.. وشرعت الآفاق لفنٍ رفيعٍ راقٍ مواضيعه أشياء عادية، وأبطاله أناسٌ عاديون تماماً...
أقول: وبالرغم من كل الجماليات التي لا يمكن تكرارها، فإن أجمل الجماليات هي حريّة الفن.. وربما أفظع ما يمكن تصوّره هي عبودية الفن للفن أو للآخر..
إنها دعوة لفنٍ مقارب للإنسان.. فن منشغل بالإنسان.. فن بمنظورٍ يلامس الواقع.. فن يعيشنا ونعيشه..
أما أن يبقى الفن للفن، فهذا قد يكون معقولاً، لكنه يصلح لكائناتٍ غيرنا.. ليهبط الفن من دونيته العالية لكي يأخذ قيمته الفعلية.. وليتحرر من هذه التراتبية الزائفة التي تحرم أكثر مما تمنح.. وتمنع أكثر مما تبيح.. وتستبيح أكثر مما تصون...
بقلم/ د. ماجد عبد العزيز الخواجا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.