الفن هو لغة عالمية تتجاوز الحواجز، وسيلة قوية للتواصل والتعبير عن الذات، إنه نشاط فعال يهدف إلى إشعال المشاعر، وشحذ الأفكار، وصقل القيم بالنظرة الجمالية أو القوة الوجدانية. ولكن هل وُجد الفن فقط من أجل المتعة؟ هذا السؤال يثير نقاشًا واسعًا حول الدور الحقيقي للفن في حياتنا. في حين يرى بعضنا أن الفن يجب أن يخدم قضايا اجتماعية ويسهم في معالجتها، يرى آخرون أن دوره يقتصر على المتعة والاستمتاع.
هذا المقال سيبحر في عمق هذا الجدل، مستعرضًا علاقة الفن التصويري بالأدب، ودور الفن بوابة لعوالم أخرى، والتحديات التي تواجه الفنانين في سعيهم نحو الأصالة والإبداع النقدي.
هل الفن وُجد فقط من أجل المتعة؟
تختلف أنواع الفنون، فمنها التراجيدي، ومنها الكوميدي، وأتحدث عن الفن التصويري ألا وهو السينما والتلفزيون والمسرح الذي يأخذ حصة الأسد من ناحية الانتشار، ويمثل قوة استهلاكية بين الفنون الأخرى كلها، ونذكر منها الرسم والنحت والرقص.. إلخ.
ويوجد كثير مثلي يقول: يجب على الفن أن يخدم قضايا اجتماعية، ويحاول طرحها لنستطيع معالجتها، وبعض آخر يقول: الفن دوره المتعة والاستمتاع، الفن أداة لها سطوة جبارة في البرمجة البصرية العصبية الموجهة للعقل الباطن؛ أي إنها قادرة على التأثير في المُشاهد، فتجعله يتفاعل مع العمل تفاعلًا حسيًا يؤثر فيه إما إيجابًا أو سلبًا، فعندما نقول إن الفنون دورها المتعة والاستمتاع، كأننا وضعنا سياجًا بين العمل والمتلقي، أي صار منطقة محرمة لا يجب الاقتراب منها أو مساسها، كأن تضع الحدود بينه وبين قدرته على النقد.

علاقة الأدب بالفن التصويري
الأدب هو تعبير عن الذات باللغة والسينما والتلفزيون والمسرح عبر الكاميرا، ويوجد عدد من الأعمال الأدبية التي تحولت فيما بعد إلى عمل تصويري، مثل روايات الكاتب المصري نجيب محفوظ (قصر الشوق) الثلاثية التي تطرقت إلى مصير مصر وخلفية التحول من الملكية والاحتلال إلى الجمهورية، ليؤخذ الجزء الثاني منها ويصور فيلمًا، ويعرض في مصر سنة 1967.
وأضيف أيضًا رواية (نساء صغيرات) للكاتبة الأمريكية (لويزا ماي ألكوت) التي نشرت سنة 1868، تتناول قصة أربع شقيقات في أثناء الحرب الأهلية، والتحديات التي واجهنها باختبار القيم، إضافة إلى أنها غاصت في قضايا ذلك الزمن بمنظور ذلك الزمن؛ الصداقة والحب والتضحية، وكذلك القيم الأخلاقية والاجتماعية.

وعندما يحول نص أدبي، وتُحيا الشخصيات الورقية بإبداع الممثل في إيصال الفكرة الجوهرية، فيتفاعل معها المتفرج تكتمل اللوحة الفنية بأركانها الجمالية والحسية.
الفن هو بوابتك لتتعرف إلى عوالم أخرى
العمل الفني الذي يراعي الجودة في الطرح يكون له وزن حتى وإن لم يحصل على ذلك القدر الكافي من الشيوع، يوجد كثير من الأفلام التي قدمت شخصيات تاريخية بمنحاها التاريخي، وشخصيات عالمة غيرت بعلمها العالم، وشخصيات ملهمة بنجاحها.
تعد الأفلام في مرات كثيرة موسوعة فكرية تجعلك تغوص في عوالم مختلفة كالأدب والموسيقى والفلسفة والعلوم والاقتصاد والتاريخ، من الممتع أن تجمع بين الفكرة الأخلاقية وقوة والاستمتاع، حينها يُختبر الإبهار ويتخطى الحدود.
الفنان الحقيقي بين البحث عن النجاح والأصالة
الفنان الذي يبحث عن النجاح ليس كالفنان الذي يبحث عن الأصالة، يوجد مثل إنجليزي يقول: «الحصان لا يفهم معنى السباق، لكنه يفهم معنى أن يكون في المقدمة».
الفنان الذي يتقن الممارسة ينمو ويستمر، وكذلك عندما يتوسع بفكره يتوسع بإدراكه، فيغدو مع الوقت قناصًا ماهرًا، فيعرف متى يحيد عن الطريق ومتى يتأهب للعودة، الثقافة ركيزة أساسية للفنان ليتفوق في مجاله، أن تكون فارغًا ستحدث ضجيجًا، لكن أن تكون مملوءًا ستحدث تطورًا، ومَن يبحث عن بريق النجاح يسعى بكل قوته ويحط رحاله على غير هدى فتكون سقطته مدوية، أما ذلك الذي ينافس نفسه يصعد وهو واثق الخطا، وهذا الفرق بين النجاح والأصالة، الأصيل يبقى بريقه مشتعلًا مهما صدأ.

ما الذي ينقصنا لننتج فنًا يساعد على النقد؟
ما أراه هو ندرة النصوص الجيدة والمتفردة، وكذلك الخوف من الآخر، ومن تقبل الآراء التي تهوي بك فنانًا، سلطة الشهرة والتلذذ بتداعياتها يحدان من الإبداع، فينصاع الشخص مسلوب الإرادة إليها، أضف إلى ذلك ندرة شجاعة الطرح، مع عدم فلترة الموضوعات، والخوف من المساس بالمعتقدات والتقاليد، كلنا مؤطَّرون بالنهج نفسه، وهذا يحد من التطور والإبداع، فالسطحية تكون غالبة في كل مرة، والوعي المجتمعي مغيب، إذن، كيف سنملك ملكة النقد؟ لا أعلم.
نحن بحاجة ملحة إلى الخروج من هذا المعتقل الفكري، فخاخه كثيرة، لكن مع الإصرار والمثابرة سنصل وجهتنا، فقط يجب أن نتحرر من قيودنا، هذا هو الحل برأيي، الفن هو ذلك المفتاح الذي يفتح الأبواب التي لم نقدر على مواجهتها، وليس فقط من أجل الاستمتاع.
هل الفن وسيلة للترفيه أم أداة للوعي؟ هذا السؤال القديم الجديد لا يزال يراود المفكرين والفنانين، ويطرح نفسه بقوة في زمن صارت فيه الصورة هي اللغة الغالبة. الفن، بصفته أداة تعبير وتواصل، يتجاوز حدود الإبهار البصري ليحمل في جوهره قدرة هائلة على مساءلة الواقع وتحفيز التفكير والنقد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.