الفنّ الجيد والرديء
يردّد المثقّفون دائماً مقولة: إنّ الأدب والفنّ انعكاسٌ لِما يحدث في المجتمع على اعتبارٍ أنّ الفنَّ والأدب هما مرآةُ للمجتمع، وقد يكون ذلك صحيحاً إلى حدٍّ ما، ولكنّ المتابع لحركة الفنِّ والأدب يعرف جيداّ أنّ الجيد من الفنِّ يطرد الرديء، فمثلاً: دار الأوبرا في القاهرة حفلاتها دائماً مكتملة العدد، فالإبداع والفنّ الحقيقي من مظاهر القوّة الناعمة لأيّ دولةٍ في القرن الواحد والعشرين، وقد شاهدت الممّثل الراحل (أحمد زكي) وإحدى المذيعات تسأله عن إحدى الأغاني في فيلمه "مستر كاراتيه"، وكم أنّ إحدى أغاني الفيلم سيئة المعنى؛ فكان ردّه مقنعاً جداً فقال: إنّ البطل في الفيلم الذي يلعب بطولته زكي رجلٌ بسيطٌ غير متعلّمٍ، فماذا يغنّي ذلك الرجل؟!
لن يغنّي قصيدة الجندول لعبد الوهاب!
لكن يغنّي من كلام محيطه الذي يعيش فيه، وذلك الرجل بالطبع أمّيُّ ولم يعلّمه أحد، فكيف يثوب إلى الفنّ الجيد؟
إذن، فهو معذورٌ تماماً لأنّه لم يجد من يأخذ بيديه لكي يرشفه من جمال الكلمة، وحلاوة اللحن، وقد تكون تلك القضية مجتمعيّة في المقام الأول.
وكلّ فنٍ جديدٍ تقابله مقاومةٌ من أصحاب الفنّ القديم إلى أن يعتاد الناس على ذلك الفن.
الفنّ المبتذل:
متى ينشأ الفنّ الرديء والمبتذل؟
عندما تسود ثقافة الزحام والانفتاح الاستهلاكي، ويغيب الوعي، وتسيطر المادة على العقول فلابدّ أن يلامس كلّ ذلك الفنّ بصوره السبعة من: سينما، وأدب، وموسيقى، وفنون تشكيلية، وتصميم الملابس، وغناء، وتصوير، فالفنُّ الجيد موجودٌ في نفوس محبيه، وكذلك الفنّ الرديء - مع الأسف - يوجد في نفوس محبيه، وكما قيل وستظلّ هذه المقولة خالدةً على الدوام للفصل في جودة الفنّ، وهي: "كن جميلاً، ترى الوجود جميلاً " فصاحب الفنّ الرديء من أين يأتي بالجمال وهو داخلياً بعيداً عن أيّ جمال!
لذلك الفنُّ مثل اللوحة التي يرى البعض أنّها جيدة، والآخرون يرونها رديئة، فالفنّ الجيد ينبع من روح المرسل إلى المتلقّي، ويكون مغلّفاً بالصّدق فيخترق القلب والعقل، ويصبح لدى المتلقّي شيئاً عظيماً يُروي الظمأ.
لذا لا بدّ للمجتمع الثقافي أن يبحث عن ثقافة الجمال وينشرها بين العامة.
مثالٌ للفنّ الجيد
من الأعمال الجيدة التي ترتاح لها النفس أغنية (أم كلثوم) رباعيات الخيام، التي لا تملّها النفس، وتشتاق إليها الروح للبعد عن القبح، فجمال الكلمة رُغم أنّها مترجمة عن الفارسية، وعِظم اللحن، وشموخ الأداء الصوتي؛ تنقلك إلى عوالم أخرى غير موجودةٍ في الواقع، ترنو إليها الأسماع دائماً، فتشعر الروح بالسمو، رغم إنّ معانيها من الحكم البليغة التي يكون النصح فيها مباشراً إلّا أنّها قطعةٌ فنيّةٌ نادرة الحدوث.
أدعوك أيّها المحبّ للفنّ الراقي أن تَسمعها مِراراً وتكراراً، ولا تمل منها لأنّها من وحي خيالٍ أصبح حقيقةً على يد فنانين لا يبحثون عن "الترند"، وعدد المشاهدات، ولكنًهم يبحثون عن الصّدق والجمال والعمق فكانت الجائزة هي خلود ذلك العمل النادر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.