الفنون الجميلة ودورها في الوطن العربي

يعرّف النقاد الفن التشكيلي بأنه عمل أخلاقي جمالي غير مقنن أو مؤطر، إنه تجربة ثقافية مصاغة فنيًا، والتعبير عن الذات في شكل جمالي للعصور، وسيلة اتصال ونوع من البناء يعكس الرغبة في فعل شيء ما.

يتحول الجميل من عملية عاطفية داخلية متأصلة في الذات والعقل لا يمكننا الوقوف عليها، إلى منتج فني بصري واقعي يمكننا الحكم عليه، ولأن الإدراك الجمالي يُرى، يخضع الشخص المدرك لممارسة من نوع ما للفلسفة النقدية التي لا تكفي وحدها دون معرفة الركائز العلمية.

قد يهمك أيضًا دراما ملحمية في فيلم سينمائي ... شىء من الخوف

الفنون الجميلة ودورها في الوطن العربي

كلما زاد ارتباط الذوق الفني بأنظمة التفكير العقلي، زاد ارتباطه بقيم ومعايير الحياة، تخضع الفنون بشكل عام للأنظمة والقوانين، والأحكام بشأنها نسبية وتختلف من فرد لآخر.

على الرغم من أن إدراك الجمال هو أمر نسبي يعتمد على العديد من العوامل والتأثيرات مثل الثقافة والبيئة والحالة النفسية، فمن الخطأ الحكم على الجماليات بعقلية غير إبداعية بحتة كما يكتشف ليبنيز.

ولأن الطبيعة هي أحد مصادر الجمال، ويكتسب الناس منها إحساسًا جماليًا، كما يشير (هوغارت)، يرى (كانط) أن إدراك الجمال لا يعني وجود جمال مدرك، بل يعني أن القبح يمكن أن يكون جمالًا بجماله، وتأثير على إدراك الفضيلة.

بالرغم من أن (ديكارت) وجد علاقة بين الإدراك العقلي، يؤدي الذوق الفني إلى معرفة الحقيقة والاتصال في النسبية الذاتية، حيث يكون للحس الفردي دور في تحقيقه.

وبالتالي يختلف الإدراك الجمالي بسبب الاختلاف في الوعي العقلي، ويسعى الفنان التشكيلي إلى ابتكار أشكال مرحة ترضي إحساسنا بالجمال.

ويرى الناقد محمد العباس رؤيته للرسم بقوله: (الرسم أجمل مكان للاختلاف المعرفي والذوقي)، واليوم هو سؤال محلي بامتياز يمتد لاستعراض ما هو أعمق وأكثر جدوى من احتمالات اللون والإيقاعات والخطوط.

على الرغم من أن مجموعة من فنانينا يعتبرونها صيغة إبداعية محتكرة، واستقروا في جانب الفنان على أنها حصة جماليات مكرسة للتعبير الفني الخالص وفقًا لأبجدية بلاستيكية لا تقبل النهج مع الأدوات الثقافية المختلفة والحساسية الفنية.

هذا التركيز المبدئي على نطاق العمل الفني للمعرفة والمزاج الخارجي لا يعني إبعاد العمل وأهدافه الفنية عن الفنان بقدر ما يعيد العملية الفنية إلى حاضناتها التاريخية والمعرفية.

يعتمد على العناصر البلاستيكية ويتجاوزها إلى تحولات عقلية ونفسية شديدة التعقيد تتطلب تنظيم هذه العناصر الفنية في أنماط جمالية ومكونات معبرة على درجة من الدقة المظهرية والتعبير الدلالي المتماسك.

قد يهمك أيضًا اللص والكلاب بين الواقع و الخيال

دور الفن في التعبير

وهكذا بالنسبة للفنان يمكن أن يكون العمل فرصة وضرورة للتعبير عن الفكر الجمالي أو إنتاجه من خلال دمج الجدل الذي ينمو على حافة اللوحة.

ليس سعيدًا للمس ما يظهر على سطح اللوحة من تشكيلات، ومفردات، وكتل من الألوان وخطوط متشابكة، لكنه يمارس هناك حفرًا معرفيًا وجماليًا بأدوات منهجية واعية ونوايا.

ولأن النقد هو نية واعية لرفع معرفة المنتج الإبداعي، ومواءمته مع ما يشبهه، وليس الحكم عليه، وبالتالي فهو عملية تنشئة عميقة للعمل الفني في ذلك الوقت من تشكيله.

وبعد اكتماله يجب أن يكون لأدواته علامة العلم لتوسيع الرؤية التي قصدها الفنان، واحتضان الحلم المتكون في الهيئات والقوى للوقوف على العقلية التي أنتجت العمل واحتوائه في إطاره التاريخي، حاضنات نفسية واجتماعية، وأعادتها إلى ما يستلزمه البحث البشري.

ليس بمعنى فهم اللوحة وتحويلها إلى فئة معرفية، بل أخذها من الأسر وحدود الوحدة والانسجام، ومن السراب المرئي للدلالة، وتأثير مساره الباطني وتراكيبه... لآخر ما قاله العباس كان ممتعًا ومفيدًا، ويستحق القراءة والتأمل.

يقول الأستاذ أحمد طيب المنشي: "العمل الفني هو القاعدة، وهو الذي يفرض نفسه على الجمهور في أي نهج بعيد عن حرب الميول.

الكثير من التنوع والتأثير من الواقعية الكلاسيكية إلى الرومانسية والتأثير والانطباعية والسريالية والتجريد.. وغيرها في فراغ من النقد التشكيلي الذي يرى العديد من الفنانين محليًا وغيابه إلا في ومضات من التكتم.

ولما كانت هذه الميول تشكل تعصبًا لدى البعض، فقد تجلى ذلك في هجوم أتباع التجريد على الواقعية والحكاية التي عفا عليها الزمن.

قد يهمك أيضًا الدراما العربية بين نقل الواقع وتشويه المجتمع

تطور الفن على مرّ التاريخ

ومع تعدد التوجهات والرؤى حول الفن التشكيلي المحلي، نتابع إنجازه بجدية، ونستطيع القول دون تردد إنه الجانب الجيد الذي استطاع تجاوز نفسه، وأنه تكرار عربي وعالمي من خلال مشاركات دولية كبيرة في المناسبات الرسمية والشخصية والمعارض وتحقيق التميز من خلال العديد من الأسماء، مثل: محمد السليم، وعبد الحليم الرضوي، والعالمي زهير طوله، فؤاد مغربل، عبد الرحمن السليمان، ضياء عزيز، عبد الله الشيخ، فوزية عبد اللطيف، منى القصبي والعديد من الأسماء اللامعة الأخرى.

حصد العديد منهم جوائز وشهادات تقدير دولية، وللفن السعودي حصل على شهادات من كبار الفنانين العالميين، على حد تعبير الفنان أحمد نوار:

"تطور الفن السعودي كثيرًا وأنا أحب أعمال الشيخ والصبان"

وقال الفنان وجيه نحلة: "الفنانون السعوديون متميزون ولكن الاحتراف ضروري".

أما الناقد الإيطالي (أنوتسو) والفرنسي (GU) فقالا عن أعمال زهير تولا أصغر فنان تشكيلي في العالم اليوم.

وكما يقول الفنان السوري محمد غنوم: "انجذبت إلى بعض أعمال السعوديين، وعلى الفنان السعودي أن يكون مبدعًا لأنه يجد كل الدعم، وأنا متفائل بالنظر إلى نطاق الأعمال العالية".

ويشير محمد الخربوش في كتاباته تحت العنوان إلى حضور محلي وعالمي للفن التشكيلي السعودي بمحتواه: الحضور الدولي للفن البصري السعودي حضور مذهل من خلال المعارض في روما وبيروت والقاهرة والشارقة وبرشلونة، المدن التشيكية والسلوفاكية واستراليا، المرئي والمسموع.

وفي أبها، تبرز مظاهر الإبداع المختلفة، يصبح الجمال أكثر روعة وجمالًا في كل شيء: المسرح، الشعر، الفن التشكيلي، وتكمن قرية البلاستيك في حيويتها وفي ذروة نشاطها، فهي تستقبل مصممين من الفنانين السعوديين في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، وهذا ما نعرفه ونعتاد عليه.

ومرت الفنون الجميلة بمهرجان عسير 1420هـ كسحابة مليئة بالجمال والنضارة والندى، فأمطرت قليلًا من المطر الذي لامس قلوب المصطافين، ورغم ذلك لم تتجاوز مساحتها في المعرض.

لم يكن هناك اهتمامًا إعلاميًا كما كان الحال مع الأنشطة الأخرى فمثل هذه الفعاليات ترافق المهرجان السياحي، يأخذ استراحة إعلامية لمن يأتي إلى أبها لأنه يعلم أن هناك شيئًا يرضي ذوقه ويشبع رغباته بالجمال.

قد يهمك أيضًا التنورة لوحة شعبية مزركشة

دور الفن السعودي

وبخصوص الفنانين في المنطقة، كتب خير الله زربان ما يأتي:

ومنذ إنشاء قرية المفتاحة للفنون التشكيلية، لعبت دورًا هامًا للغاية في خدمة حركة الفنون التشكيلية في المنطقة الجنوبية.

وقال الفنان سعود القحطاني: نأمل أن تكون القرية نواة أكاديمية فنون في المملكة، وأشار إلى أن كل أمة تقاس بفنونها؛ لأن الفن شهد حضارة.

وأما الفنان حسن عسيري فقال: القرية فكرة نادرة، وقد جلبت الكثير لفناني المنطقة والمملكة، والعروض تثري المشهد الفني.

والفنان حسن عسيري من الفنانين الذين تأثروا بالبيئة، وغالبًا ما عبر عن ذلك في أعماله، كما يتضح من لوحة (مرحبا الألف)، حيث الخطوط المميزة لبيت العسيري.

وأما الفنان عبد الله حماس فقال: القرية من صنع سمو الأمير خالد الفيصل ونأمل أن تستمر، عبد الله حماس فنان حاضر بفنه المميز على المساحات المحلية والخارجية.

وتحدث الفنان عبد الله شاهر قائلًا: القرية أعطت الكثير وأتمنى أن تستمر في العطاء لكل الفنانين في المملكة.

وعبد الله شاهر فنان لا يكل ولا يمل ولا يزال يتطور بشكل ملحوظ، منتقلًا من الواقعية إلى التجريد، ويمارس السريالية، وهذا التنوع يفتح له آفاقًا خاصة من الألفة.

وأما الفنان فايع المعي الذي لا يختلف مع زملائه في دور القرية، لكنه يعتقد أنه بحاجة لتعاون مفيد من الجميع، وقدمت مجلة بيادر دراسة عن الفنان تؤكد توقع حضوره القوي والملفت في المستقبل القريب.

وكما تحدث عن الفنان علي مرزوق قائلًا: المفتاحة حدث فريد من نوعه، محمد شراحيلي، ومهدي الجريبي، وناصر الرفاعي، ومفرح عسيري.

وتمنى الجميع استمرار تبرعات الفنانين في هذه المنطقة عبر القرية وتقاطعت أفكارهم مع فنانين آخرين من الخليج والعالم العربي.

 قد يهمك أيضًا

-القاهرة 30 بين رؤية محفوظ و إبداع أيو سيف

-صاحب المقام ... هل هو فيلم أم دعوة للصوفية ؟

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة