إنّ الكلامَ عن الفنَّان الراحل حسن جزولي لكثيرٌ ومتشعبٌ لا يتوقف ولا ينتهي؛ فأمثال حسن جزولي يحفرون الخلود في ذاكرة أمة بأسرها، ومن يحفر خلوده في ذاكرة أمته لا خوف عليه من النسيان.
اقرأ أيضاً فضل المولى فنان التراث النوبي
الفنان الراحل حسن جزولي
إنه فنان غنى فأبدع، شدا بصوته العذب فوصل إلى قلوب الجميع، فنَّان له أغنيات خالدة في وجدان محبيه وجمهوره؛ ولهذا هو روح الغناء النوبى. غنى الفنان الراحل حسن جزولي باللهجة الكنزية وبلغة الفاديجا وباللغة العامية.
حسن عثمان جزولي من مواليد قرية قورتة بالنوبة القديمة، وتلقى الفنان حسن جزولى، مثل أبناء جيله، تعليمه في كتَّاب القرية ودرس في مدرسة قورتة الابتدائية حتى حصل على شهادتها، ثم علَّم نفسه بنفسه فيما بعد.
قضى حسن جزولي طفولته كأي طفل، يلعب ويمرح مع أقرانه في ربوع النوبة القديمة. لكن ما ميَّزه عن أولئك أنه كان يشعر برغبة قوية في أعماقه تجذب كل حواسه نحو آلة (الطار (أو الدف وآلة الطنبور.
وبرزت موهبة الفنان حسن جزولي الفنية منذ نعومة أظافره، فكان يجلس مع أقرانه في القرية يدندن على علب الصفيح الخالية بالغناء الشعبي والإنشادات والمدائح الدينية المتعارف عليها في ليالي المولد.
وفي تلك المدة بدأ الناس يتداولون اسمه حيث كان يقيم حفلًا في قرى النوبة ولم يعد يشغله شيء سوى الفن؛ فمن أجل الفن ترك مقاعد الدراسة وبدأ ممارسة نشاطه الفني كمطرب مبتدئ وغالبًا ما كان يغني بالمجان.
ثم جاء إلى العاصمة القاهرة وهو يحمل رصيدا فنيًّا منه ما هو مبتدع ومنه ما هو موروث من مسقط رأسه، وبدأ يبحث عن مصدر رزق فعمل في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بعد أن هاجر من قريته الصغيرة في النوبة.
اقرأ أيضاً دور الجمعيات النوبية في إحياء التراث النوبي
معلومات عن الفنان حسن الجزولي
أتى حسن جزولى، الفنان الشاب الذي قدم من بلادِ النوبة، إلى الساحة الفنية وهو يحمل في طياته بذرة إبداعية أصيلة لقحتها خواصه الشخصية المتفردة وتجربته الإنسانية التي تهرول لاهثة على جسر إبداعي يمتد ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، شوقًا دفينًا بداخله وحبًّا ملتهبًا يحترق له كل هشيم اللحظات التي تقف حائلًا أمام رؤيته الفنية. فهو، منذ نشأته الأولى، كان يجادل الحرف والنغم معا..
ومن حسن حظ فناننا حسن جزولي أنه عندما وصل إلى القاهرة وجدها تعيش قمة ازدهارٍ في الفن النوبي حيث تبلور في ذلك الوقت فن الغناء الحديث واتضحت معالمه وأدى التنافس بين أقطابه ورواده إلى ميلاد نهضة فنية كبيرة، فكان الفنان الراحل عبد الله باطا وعلي كوبان وقتها قمتيْ الطرب.
اقرأ أيضاً حلى النوبة كنز من كنوز الحلى فى مصر
مشوار حسن الجزولي الفني
بدأ حسن جزولي مشواره الفني بأغنياته العذبة، وكان ذلكَ مؤشرًا لمرحلة وردية وجدانية مختلفة وزاهية تفاعل معها معجبون فكانوا يجدون في أغنياته متنفسًا وترجمة حقيقية لما كان يعتمل في نفوسهم من مشاعر عاطفية فياضة؛ لذا وجدت أغنياته قبولًا وصادقت هوىً في نفوس العشاق والحالمين بالحب وجاءت لتنفث ذوبًا من السحر المستساغ المباح وحنانًا في نفوس جمهوره الوفي فعرف هو كيف ومتى يعزف على أوتار المشاعر.
كان الفنان الراحل حسن جزولي هو أول من أدخل اللزمات الصوتية في الغناء النوبى؛ وهذا كي يزن القالب الشعري والموسيقي في كلمات أغنياته، كما كان هو أول من مزج السلم الموسيقي الخماسي مع السلم الموسيقي السباعي في بعض أعماله، فبرغم فطرته وبساطته هو قد حظي بقدرات أكاديمية عالية.
وبعد كفاح متواصل تقدم الفنان حسن جزولي، بخطى الواثق، إلى الإذاعة حيث نجح في اختبارات لجنة الأصوات بالإذاعة واعتُمد في الإذاعة مطربًا، فهو قد تميز بطبقة صوتية عالية وبقدرةٍ على أداء درجات حادة جدًّا مما يشير إلى المساحة الكبيرة التي يملأها صوته.
بعد ذلك النجاح بدأ جزولي أولى خطواته نحو الانطلاق الواسع والرحب في عالم الفن بخطى ثابتة فشارك في كثير من البرامج الإذاعية مثل إذاعة صوت العرب.
كما شارك في تقديم المقدمات الغنائية لبعض المسلسلات التي تحكي عن قصص النوبة القديمة وعن عاداتها وتقاليدها ومأساة الهجرة مع الفنان محمد الإدنداني والفنان الراحل محمد حمام. وقد اشتهر الفنان الراحل حسن جزولي، على الأخص، في برنامج "من وحي الجنوب" في إذاعة ركن السودان الذي كان يعده الإذاعي الكبير الراحل عبد الفتاح والي والذي كان يذاع كل يوم سبت في الساعة الخامسة مساءً.
كما عمل في كثير من الأعمال الفنية مع الإذاعي والكاتب الكبير الراحل محمود الشوربجي الذي أسند وأضاف إلى الفنان الراحل حسن جزولي كثيرًا من الأعمال الإذاعية.
انطلق الفنان الراحل المقيم الذكر حسن جزولي، عبر أعماله الفنية، فحقق شهرة واسعة على امتداد مصر كلها وشارك في كثير من المناسبات القومية.
كما شارك بالغناء في أول احتفالات مصر بنصر أكتوبر المجيد ونال جائزة الدولة التقديرية عن أغنية مشتركة مع الفنانة ماجدة على باسم (من الميدان باعت رسالة للوطن) ثم غنى لسيناء الغالية بعد استرجاعها بالكامل إلى الوطن الأم مصر.
وشارك بالغناء كذلك، في أول احتفال لمحافظة أسوان بعيدها القومي في قاعة سينما الصداقة بأسوان بحضور الرئيس الراحل أنور السادات.
اقرأ أيضاً الألعاب النوبية القديمة بين محاكاة الطبيعة والإندثار
الغناء النوبي لحسن الجزولي
إن الفنان الراحل حسن جزولي هو أول من قدم العمل الغنائي الثنائي النسائي وكان ذلك يعتبر ثورة لتجديد الأغنية النوبية المشتركة أو المعروفة باسم الدويتو في مجال الفن.
وعدم وجود العنصر النسائي الغنائي في المجتمع النوبى - لأن التقاليد النوبية منعت ظهور المغنيات النوبيات وحرمته بشكل قاطع - أتي الفنان الراحل حسن جزولي بالفنانة ماجدة علي وسحر وسونيا وزينب - وكلهنَّ من خارج المجتمع النوبي - وقام بتعليمهن وتدريبهن فشاركن معه في كثير من الأعمال الفنية، خاصة الفنانة ماجدة علي في أوبريت ملحمة أكتوبر وغيره من الأعمال الفنية الجميلة.
أقام الفنان الراحل حسن جزولي عدة حفلات في دولة الكويت والمملكة العربية السعودية أثناء فترة عمله بهما. وفي ليالى الاغتراب تلكَ، وعندما يعز البكاء من شدة الشوق والحنين، كان هو يرحل بأفئدة النوبيين المهاجرين إلى حيث الدفء والحنان، إلى أنين السواقي وظلال النخيل.
شارك الفنان حسن جزولي، كذلك، في احتفالات بفرنسا، بدعوة من هيئة اليونسكو، مع العملاق الراحل الفنان حمزة علاء الدين ونال كثيرًا من الأوسمة وشهادات التقدير من الخارج.
كما حصل على شهادة الدولة التقديرية للفنون في عهد كل من الأستاذ عبد المنعم الصاوي والدكتور عبد القادر حاتم، وزيريْ الإعلام والثقافة حينذاك، والدكتور عبد الحميد حسن، وزير الشباب والرياضة سابقًا، كما نال كثيرًا من شهادات التقدير والتكريم باسم محافظة أسوان من كل من السيدين صلاح مصباح ومحمد طه، وهما محافظان سابقان لأسوان.
نجاح حسن الجزولي في مجال الفن
قدم الراحل حسن جزولي كثيرًا من الأعمال الفنية المتميزة ونجح في أن تكون له قاعدة جماهيرية عريضة وكانت منها الأغنيات العاطفية والوصفية والوطنية والاجتماعية التي تنادي بصونِ أخلاقيات ومبادئ أهل النوبة.
وكانت من أشهرها الأغنيات التالية :عديله، نصيحة، الأخ، الأم، النوبة، ظلال النخيل، دوب الليل، آه من الحب، حديث العيون، حدوتة، ولد وبنت، صفاء، أمانة يا شمس وسمراء. قدم حسن الجزولي، كذلك، كثيرًا من الأغاني باللغة العربية مثل أغنية فين أيامك، والغزال الأسمراني، والشعر السايل، وحبيب الروح، وغيرها.
شارك الفنان الراحل حسن جزولي بالغناء مع جميع الفرق الموسيقية النوبية الموجودة في القاهرة والإسكندرية والسويس وأسوان ولم يكن - رحمه الله - يحب أو يحبذ فكرة الاحتكار الفني، ومن أقواله المأثورة - رحمه الله - (أنا فنان نوبي لكل النوبيين).
تضحية حسن الجزولي من أجل الفن
لم يبخل الفنان الراحل حسن جزولي بالعطاء الفني لمحبيه حتى وهو في أشد حالاته المرضية، ففي أحد الأيام طلب منه أحد معجبيه في منطقة جبل تقوق بأسوان أن يحيي له ليلة عرسه، ورغم أنه كان من الصعب عليه أن يتحرك من فراشه.
كما كان من المحال أن يصعد على خشبة المسرح، لم يرفض حسن جزولي أو يعتذر لذلك الإنسان بل لبى طلبه ولم يخيب له رجاءه فأقام العريس حفل زواجه تحت منزل الفنان الراحل حسن جزولي وأحيا حسن جزولي له الحفل من خلال شرفة بيته بعد أن تم توصيل المايك إليه في الشرفة وغنى الفنان الراحل والمعطاء رغم مرضه الشديد وأسعد جماهيره التي تمايلت طربًا ونغمًا فيما كان هو يعتصر من الألم الكثير، فأي عطاءٍ بعدَ هذا؟!
إنّ الفنان حسن عثمان جزولي هو ظاهرة إبداعية كونية.
فقد غنى من القلب إلى القلب ومن الروح إلى الروح ، فصوته قد شبع بأحاسيس المعاني التي تغنَّى بها، مع أصالة مكتملة في الأداء وصدق في التعبير، لذا هو روح الغناء النوبي وقامة فنية شامخة في سماء الفن النوبى. إنه فنان غنى فأبدع، شدا بصوته العذب فوصل إلى قلوب الجميع، فنَّان له أغنيات خالدة في وجدان محبيه وجمهوره ولهذا هو روح الغناء النوبى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.