الفلسفة والتعلم والتلقي

تعليم الفلسفةِ يُفترض أن يقومَ على مقارباتِ الراهنِ الذي يعيشه الفيلسوف وقت كتابته للأفكارِ الفلسفيَّةِ فهي مرتبطة براهن يبين أهمية طرح المشكلة، فهو غير منقطع الصلة بالظروف المحيطة به؛ إذ كلُّ فيلسوف يمارسُ التفكيرَ إنطلاقاً من راهنيَّة تمثِّل كشفاً عن واقعنا الراهن الذي نحياه، أو الذي كان الفيلسوف يحياه، والذي قاده إلى طرح المشكلة.

ومن ثَمَّ لا بدَّ من تحليل المشاكل الفلسفيَّة التي تناولها في أعماله سواء كانت معرفيَّة، أم أخلاقيَّة، أم وجوديَّة، أم في مجالات الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الجزئيَّة، أم في مجال الفلسفة السياسية سواء كانت تتعلق بحقوق الإنسان، ومصالح المواطنين في ظل أي دولة، أم في قضايا البيئة، وكما يقول الدكتور مصطفى النشار “علينا أن نفكر من الآن في تحويل الدرس الفلسفي بقدر المستطاع إلى الإهتمام بقضايا الفلسفة التطبيقية دون الإخلال بالمبدأ العام القائل أن الفلسفة في ذاتها نظر وتطبيق في آن واحد”.

فالراهن وما يطرحه من مشاكل يُحرِّض الفيلسوفَ أو الباحث على أن ينخرط في مجال البحث والتقصي؛ ومن هنا وَجَبَ على من يريد أن يتعلم أو يُعلِّمَ الفلسفةَ أن يركِّزَ على الراهن وما يطرح من مشاكل أو موضوعات جديدة وما يرتبط به من أطروحات فلسفيَّة تحاول أنْ تُبيِّنَ موقفها من تلك العلوم وما تحويه من تأويلات.

فالأطروحة هي الموقف الذي يدافع عنه الفيلسوف أو المفكِّر في معالجته الفلسفية، تقابلها في الجانب الآخر الأطروحة المستبعدة المطابقة للموقف الذي يدحضه الفيلسوف ويبيِّن حدودَه، مصاغة بوضوح ودقة وإيجاز.

كما وجدنا أفلاطون في فلسفته يحاول أن يقدم أُطروحته في مجال المعرفة والوجود تقابلها الأطروحة المضادة لمن كان ينتقدهم (السفسطائية).

فكل مفكر أو فيلسوف يحاول مقاربة تلك الأطروحة نقديّا فيقدِّم بديلاً عن أطروحتَهُ التي يُحلِّلُ فيها الأطروحة المضادة وينقدها. بل إنَّ الأطروحة على صعيد الفرد يمكن أن تكون على صعيد المدرسة، فتعبر عن أطروحتها التي تبقى واحدة رغم تنوع المجالات والحقول فهي تنطلق من أطروحة تجعلها تبدو متماسكة، ويمكن الإحاطة بها ومثال على هذا الاتجاه التجريبيّ موجود عند كل هؤلاء وليس بعضهم كما يظن بعضهم، ويكون في منهج البحث عندهم، أمَّا في نظرية المعرفة فهم على مدرسة المذهب الحسيّ. أمَّا مدرسة التداعي والترابط فهم في الاتجاه النفسي أو في علم النفس، أمَّا الجانب الأخلاقي فهم على مدرسة اللذة وبعضهم المنفعة، أمَّا في الجانب الغيبي أو ما يسمى الميتافيزيقي فهم على مدرسة الشك، أمَّا في الجانب الدينيّ فتجد عندهم دراسة مباحث الطبيعيات والإلهيات، وهي ليست مدرسة لبعضهم بل لجميعهم وهو موضوع من موضوعات دراستهم، أمَّا في الجانب السياسيّ فهم على مدرسة الحريَّة السياسيَّة.

ولكي نفهم أي فكر بعد الإحاطة بأُطروحته لا بدَّ من مقاربتها من حيث المنهج الذي يعتمده في الوصول إلى غايته.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة