الفلسفة وإشكالية التسمية


المحبة والحكمة فعلان يعبران عن شعور عميم يجمع بين المعرفة والتواضع لأن الفيلسوف عاشق ومحب للحكمة وليس حكيم، كما هي صفات رجال الدين الذين يعبرون عن كونهم أهل الحكمة وأهلها، أما الفيلسوف فهي تسمية تعبر عن تواضع الإنسان بوصفه محب للحكمة وراغب بها، وهي صفة غالبا ما انتسب لها رجال محبون للحكمة أمثال فيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، ولم يدعوا أنهم حكماء، بل فلاسفة، لما هذا التفريق بين الاسمين الحكيم والفيلسوف؟

الفرق أن الفيلسوف يبقى محب للحكمة ويعبر عن تلك المحبة بالبحث والتأمل العميق في معاني الوجود، والمعرفة، والقيم، والعقل واستدلاله، من خلال لغة لها وضوح في الدلالة وعمق الاستدلال على حقائق الوجود، لهذا قيل في الفيلسوف بأنه محب للحكمة.

وقد جاءت تعريفات المسلمين فيها تواصل مع اليونان؛ إذ يُعرّفها الفارابي بأنّها: العلم بالموجودات بما هي موجودة، أمّا عند الكنديّ فإنّها: علم الأشياء بحقائقها الكليّة؛ حيث يُؤكّد أنّ الكُليّة هي إحدى خصائص الفلسفة الجوهريّة التي تُميّزها عن غيرها من العلوم الإنسانيّة، ويرى ابن رُشد أنّ التّفكير في الموجودات يكون على اعتبار أنّها مصنوعات، وكلّما كانت المعرفة بالمصنوعات أتمّ كانت المعرفة بالصّانع أتمّ، أمّا إيمانويل كانت فيرى أنّ الفلسفة هي المعرفة الصّادرة من العقل.

وبهذا نقل المعرفة من الوجود إلى المعرفة ومصادرها، وهو أمر كانت بدايته عند ديكارت يوم أكد أن الفلسفة هي في الفكر المُدرِك لذاته، الذي يُدرك شموليّة الوجود، وأنّ مصدره من الله، وهو بهذا يعتمد الدليل الأنطولوجي الذي قال به أوغسطين، ومن بعده ابن سينا في دليل الرجل المعلق.

وهناك من جعل من الفلسفة عبارة عن مجموعة من المشكلات والمحاولات لحلّها، وهذه المشكلات تدور حول الله، والفضيلة، والإدراك، والمعنى، والعلم، وما إلى ذلك... وهي موضوعات الميتافيزيقا، والطبيعة، والمعرفة، والقيم، والعلم، هذه هي حقول الفلسفة التي كانت بدايتها حب الحكمة عند الفيلسوف اليوناني الذي اجترح حقلاً جديدًا من التأمل في الوجود، وقد اختلف مؤرخي تواريخ الأفكار في بداية الفلسفة، فمنهم من قال إن الفلسفة ذات منشَأٍ يُونانيّ خالص؛ إذ سَمَّاهَا أتباعُ هذا الافتراض بالمعجزة اليونانيَّة، لكن هناك قول آخر يرجع نشأة الفلسفةِ إلى تفاعُلاتِ الشّعوب وإسهاماتها جميعها، دون انفرادِ شعبٍ في تأسيسها وابتكارها؛ حيث قامت الحضارة اليونانيَّة القديمة على أصول المعارف التي نقلتها عن الحضارات الشرقيَّة، ثمّ نقل اليونانيّون تلك المعارف بعد تطويرها إلى الحضارة الإسلاميَّة التي طوَّرتها وساهمت في نشرها، ثم جاءت فلسفة الحديث الغربية.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة