ملخص قصة الفلاح ماري لدوستويفسكي

تُعد قصة الفلاح (ماري) لـ(فيودور دوستويفسكي) واحدة من أعمق مقالات السير ذاتية التي نُشرت ضمن يوميات كاتب عام 1876، هي ليست حكاية، وإنما هي ذكرى لا أكثر، ذكرى حاسمة تُبسط هنا ختامًا لحديثنا عن الشعب، يقدم (دوستويفسكي) في هذه القصة فلسفته عن الشعب الروسي، رابطًا بين اليأس المطلق الذي عاشه في أثناء نفيه إلى سيبيريا في التاسعة والعشرين وبين براءة الطفولة التي عاشها في التاسعة، وكيف يمكن لذكرى أن تضيء أعماق الروح البشرية في أحلك الظروف.

سأكتفي برواية حكاية، وما هي بحكاية، وإنما هي ذكرى لا أكثر، ذكرى تحرقني الرغبة ببسطها هنا، هذه اللحظة، ختامًا لحديثنا عن الشعب.

الفلاح ماري سيرة ذاتية في يوميات كاتب

كنت بالتاسعة من عمري، لكن لا، من الأفضل أن أبدأ بالعهد الذي كنت أدخل فيه التاسعة والعشرين.

بيوم الاثنين من عيد الفصح كان الهواء رطبًا، والسماء صافية، والشمس دافئة، لكنني ظللت غارقًا بالظلمات، كنت أطوف وراء الثكنات، أعد أوتاد السياج الضخم المكونة لسور السجن، على الرغم من أنني لم أكن أرغب بعدها، على الرغم من أن هذا كان شغلي الشاغل، وكان السجناء براحةٍ (بمناسبة اليوم الثاني من العيد) وكان جلهم قد ثَمِل، وفي كل لحظة يتبادلون الشتائم، أو يلعبون الورق تحت الحواجز، كنت أشعر بالعذاب لحدٍ لا يُحتمل، فلم أحتمل رؤية منظر إفراط الشعب بالشراب والطعام دون الشعور باشمئزاز، وكانت المراقبة قد قلَّت بتلك الأيام؛ فكان الحراس يمتنعون عن البحث عن الخمور التي أخفاها السجناء لإدراكهم أن من الخير أن يرخوا الحبل على غاربه -ولو لمرة في السنة- حتى لهؤلاء الأشرار؛ وإلا ازداد الأمر سوءًا.

رجعت للثكنة التي بارحتها منذ قليل كالمجنون، فقد رأيت التتري (جازين) مسجَّى على الحاجز بركنٍ في آخر الغرفة وكأنه جثة هامدة لا حياة فيها، وقد غُطي بفروة، ورأيت جميع السجناء يمرون بقربه صامتين يأملون أن يستيقظ غدًا، لكنهم كانوا يقولون: «لقد مات في الأغلب»، كان قد انهال عليه بالضرب ستة فلاحين ضِخام البنية حينما رأوه سكران ليردوه للصواب.

عدت لمكاني محاولًا الاسترسال بأحلام اليقظة، لكنني لم أفعل ذلك؛ فقد كان قلبي يخفق خفقانًا قويًا، كيف أصف تلك المشاعر التي انتابتني بتلك اللحظة؟ لعلكم لاحظتم أنني حتى هذا اليوم لم أكد أتكلم عن حياتي في السجن، أما كتابي ذكريات من منزل الأموات، فقد نشرته منذ خمسة عشر عامًا على أنه ذكريات شخص خيالي هو رجل قتل زوجته، وأضيف إلى ذلك أن كثيرًا من الناس يعتقدون ويؤكدون حتى الآن أنني نُفيت إلى (سيبيريا) لأنني قتلت زوجتي.

أخذت أسترجع ذكرياتي خلال سني السجن الأربع، قلما استحضرت تلك الذكريات، وإنما كان يبدأ التذكر في أكثر الأحيان بأمر تافه من الأمور، ثم يكبر شيئًا فشيئًا فيصبح صورة واضحة ويغدو إحساسًا قويًّا، فكنت أحلل تلك الأحاسيس، وأضيف لمسات عليها، وأصحح فيها، وأُبدل منها، فكانت تلك متعتي في الأمر برمته.

بتلك المرة تذكرت أمرًا حدث لي حينما كنت بالتاسعة، حينها قضيت شهر آب / أغسطس بالريف، كان الجو جافًا، لكنه كان باردًا بسبب الريح، وكان الصيف يشارف على نهايته، وسأضطر للعودة إلى (موسكو) قريبًا، وأقضي الشتاء بتعلم الفرنسية، لذلك شعرث بانقباضٍ في صدري حين تصورت أنني سأغادر الريف.

اجتزت البيدر الذي تتكدس عنده مساحق القمح، ثم اجتزت واديًا وصعدت صوب حرجة كثيفة اسمها «لوسك» تمتد وراء الوادي و الغابة، وبينما كنت أوغل في الغابة، سمعت على مقربةٍ مني فلاحًا يحرث الأرض وحيدًا، وكنت أعلم أنه يحرث أرضًا وعرة يلقى الحصان عناء شديدًا في جر المحراث فيها؛ لأنني كنت أسمع الفلاح من آنٍ لآخر يصرخ بالحصان أن يبذل مزيدًا من الجهد، وكنت أعرف جميع فلاحينا تقريبًا، لكنني لم أتبينه، وكان لا يهمني أن أعرف ذلك على أية حال، لأن العمل الذي كنت عاكفًا عليه كان يشغلني عن سائر ما عداه، فقد كنت مشغولًا بقطع قضبان من شجر البندق لأجلد بها الضفادع.

في وسط ذلك الصمت سمعت فجأة صوت ذئب، فإذا بي أصرخ وقد امتلأ قلبي رعبًا، فهرولت لحافة الغابة متجهًا للفلاح الذي كان يحرث الأرض.

على الفور عرفته وإن لم أكن قد تعاملت معه تقريبًا حتى ذلك اليوم، إنه فلاحنا (ماري)، ولا أدري هل يُسمى أحد بهذا الاسم أم لا، لكن جميع الناس كانوا يدعونه (ماري)، وعمومًا هو فلاح طويل قوي يبلغ من العمر نحو الخمسين عامًا، وله لحية حمراء خطها الشيب، حين سمع صراخي أوقف حصانه، فتشبثت بإحدى يديَّ بالمحراث، وأمسكت بيدي الأخرى كمه، فأدرك مدى ما أنا فيه من ذعر وصحت قائلًا: ذئب.

فسألني: أين الذئب؟ لا ذئب هنا، لقد خُيِّل لك فحسب.

ولكنني ظللت أرتعد بشدة، وبدا وجهي شاحبًا للغاية، فنظر إليَّ بابتسامةٍ يملؤها القلق من الحالة التي كنت فيها، وقال: كفى يا صغيري، ومد يده يلاطف خدي، وقرب أصبعه الضخمة ذات الظفر الأسود، المتسخة بالتراب، ومسَّ شفتي المتشنجتين مسًّا هادئًا، وقال مبتسمًا ابتسامة أم لابنها: ماذا جرى لك؟ ها أنت ذا ترى أن ليس ههنا ذئب. فتيقنت أنه ليس هناك ذئب، وأن ما سمعته كان وهمًا من أوهام الحواس (وقد فارقتني تلك الظاهرة حين كبرت).

وقلت بكل خجل: حسنًا، سأذهب.

فرد وهو ما زال مبتسمًا: هيا، اذهب، سأتابعك ولن أدع الذئب يهاجمك.

وانصرفت، فكنت ألقي نظرة إلى الخلف كلما سرت عشر خطوات.

فواصلت سيري وظل (ماري) واقفًا، متجهًا ببصره نحوي، يهز لي رأسه مُطمئنًا كلما التفتُّ نحوه، حتى وصلت للجانب الآخر من الوادي، فرأيت كلبي (لوبيو) يندفع نحوي فجأة، فشعرت بالطمأنينة، والتفتُّ نحو (ماري) مرة أخيرة ملوحًا، فرأيت يده ترتفع في الهواء ملوحةً لي، وراح يستأنف عمله بحرث الأرض.

بعد أن تركت (ماري) وعُدت للدار لم أحدِّث أحدًا بشيء عما حدث حتى إنني نسيت (ماري)، وحين رأيته بعد ذلك في مناسبات نادرة، كنت لا أُذكره بحكاية الذئب، ولا أخاطبه بشيءٍ البتة. ثم هأنا ذا بعد انقضاء عشرين سنة على ذلك اللقاء، أتذكره وأنا في (سيبيريا) بأدق التفاصيل وأوضح الصور، لا بد أن ذلك اللقاء قد نُقِشَ في نفسي من تلقاء نفسه دون أن أدرك، ولا أدري لماذا تذكرت كل هذا.

صحيح أن أي إنسان ما كان ليفوته أن يُطمئن طفلًا ويُهدئ من روعه، لكن ذلك اللقاء كان له مذاق خاص، لا أظن أنه كان سينظر إليَّ نظرة تُعبِّر عن حب بكل هذا النقاء لو أنني ولده؟ فما الذي أجبره على هذا الحب كله؟ فلا أحد سيكافئه على ذلك أبدًا، فهل كان يحب الأطفال الصغار؟ الله وحده رأى من علياء سمائه ما يزخر به قلبه الحنون ذلك الفلاح الروسي المتواضع الجاهل الذي لا يزال مُستعبَدًا للأرض لا يلمحُ بالأفقِ فجر تحرره.

أخبروني: أليس هذا ما كان يعنيه (كونستانتان أكساكوف) حين تحدث عن التربية الرفيعة في شعبنا؟

أحسست فجأة وأنا أغادر فراشي الوضيع وألقي نظرة على ما حولي بالسجن، أن بوسعي بعد الآن أن أرى هؤلاء الأشقياء رؤية جديدة، وسألت نفسي: هذا الفلاح حليق الرأس عديم الذوق والممتلئ وجهه بالندبات، الذي كان بسكره يهذي بأغانٍ بذيئة، ألا يمكن أن يكون (ماري) ثانيًا؟ كيف لي أن أعرف ما بنفسه؟

تُعد قصة الفلاح ماري شاهدًا أدبيًّا على تحول روحي عميق، لقد قدم لنا فيودور دوستويفسكي درسًا لا يُنسى من سجن سيبيريا: أن الروح الروسية، على الرغم مما يعتريها من بؤس أو انحطاط ظاهري (كما في مشهد الثكنة)، تظل محتفظة بنقاء أصيل يتجسد في لفتة حب من فلاح متواضع لا ينتظر مكافأة. إن فهم تحليل قصة الفلاح ماري يوضح كيف أن الذكريات النقية هي جسرنا للعودة إلى الإنسانية في أوقات اليأس.

تنويه: إن ما قرأتموه لا يغني إطلاقًا عن قراءة القصة كاملة.

إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة