الفلاحون في المدينة المنورة قديمًا من البساتين إلى أسواق التمر

كانت المدينة المنورة قبل توسعة وعمارة المسجد النبوي الشريف الأولى عام 1370 هـ والثانية عام 1405هـ روضة غناء، ودوحة فيحاء، تتخللها وتحيط بها البساتين من جميع اتجاهاتها، وكانت هذه البساتين يانعة مورقة خضرة مثمرة، وهذا ما يميز المدينة عن غيرها من جميع مدن العالم، فهي ذات نخل.

أهم البساتين في المدينة المنورة

واشتهر كثير من أهل المدينة المنورة بحبهم للبلدان والبساتين والاعتناء بها، حتى لو كان البستان حديقة محدودة.

بساتين المدينة المنورة

وأهم البساتين هي:

  • بستان الفيروزية.
  • بضاعة.
  • الداوودية.
  • المراكشية.
  • الحجارية.
  • المشرفية.
  • التحسينية.
  • الهاشمية.
  • الصافية.
  • العينية.
  • المحمودية.
  • العمرانية.
  • أم هانئ.
  • البساطية.
  • المغيسلة.
  • مصر ومصير.

وغيرها.

أما البساتين والبلدان التي تحيط بالمدينة وتمدها بجميع أنواع الخضار والتمور والفواكه فهي كثيرة.

أهم البلدان في المدينة المنورة

وأهل المدينة يسمون البستان بالبلاد؛ لأنها ذات مساحة كبيرة، وعادة ما يوجد فيها غرف للمبيت، وبركة، أي: مسبح للسباحة، وهي متنوعة المنتوجات الزراعية من نخيل، وعنب، وتين، ورمان، وخضراوات.

ومن هذه البلدان:

  • العباسية.
  • البغوة.
  • بئر شميلة.
  • الصفية.
  • الخريجية.
  • الزهرة.
  • الريخية.
  • العشقية.
  • خيف السيد.
  • المصرع.
  • بلاد المدني.

والفلاحون يعشقون النخل والكرمة والخضرة والنضرة، ويحبون النعانيع التي يفوح شذاها عندما توضع في براد الشاي الأخضر والطائفي والأحمر، ويهتمون باللَّمام والعطرة والنوامي والورد والفل وكل الرياحين.

وبينهم وبين خرير الماء وحفيف أوراق الشجر وصوت السَّواقي ألفة ومحبة، وصداقة حميمة. وذلك عندما يسقون الأحواض والقناطر والنخيل والتين والليمون والرمان وجميع أنواع الخضرة.

ويجمع العمال بقعة ذلك اليوم، وبعد أن يتفقدها صاحب البلاد بنفسه، توضع في الخرج أو في الشنيف، حيث تحمل على ظهر الحمار أو توضع في العربة المخصصة التي يجرها الحمار، استعدادًا لإيصالها إلى حراج سوق الخضرة.

ويشيعها الفلاح بنظراته الحانية، وقلبه المملوء دفئًا وحبًا، ودعواته التي تمطرها طلًا وبردًا، بإذن الله عز وجل يطرح فيها البركة، ويزيد من هذه النعمة. ثم يستقبلها في سوق حراج الخضرة، وهو راضي النفس، لأن حبة الرمان من منتجات بلاده قد ملئت فوهة المدِّ، ويكثر من حمد الله والثناء عليه على هذه النعمة، فتزيده إشراقًا وتتهلل قسمات وجهه بشرًا ونورًا وسعادة.

ثم يأتي الحراج ويذكر اسم الله تعالى في البدء، ويلتف الباعة المزايدون حول هذا المنتج، ويُفتح الباب، ويزيد هذا ويزيد عليه ذلك، حتى يرسو على واحد منهم، ويمتنع الآخرون عن المزايدة فيسمع من الدلال عبارة: الله يبارك لكم، فتنفرج أساريره على ذلك العطاء وتلك المباركة من الدلال والفلاح الذي عرف عنه السماحة في البيع وإقبال الناس على شراء منتوجات بلاده.

من عادات الفلاحين في المدينة المنورة

وكان الفلاحون لهم عادات جميلة وخصال محمودة نذكر منها:

يشتري الفلاح صاحب البلاد أو البستان كمية من الصناديق الصغيرة، تسمى: علبة، وهي من الخشب ولها غطاء يصنعها النجار، أو بشراء كمية من القفف الصغيرة تسمى: (مجنة) وتُصنع من خوص النخل.

والفلاح يطمئن إلى وجود ذلك عند جني أول الثمر، رطبًا كان أم عنبًا، ويعبئ هذه العلب أو المجاني حسب العدد الذي يرتضيه، ويوضع منها من ذلك الثمر، ويوزعه بنفسه أو أحد أبنائه أو بواسطة العمال على جميع أفراد عائلته، أو أصدقائه وأحبائه، وجميع من تربطهم به رابطة نسب أو جيرة أو صداقة. وهذا ما يسمى طعمة أول الخير، ويتقبل ذلك منه بكل محبة ودعاء.

علب الثمر في المدينة المنورة

على أن هذه العلبة أو المجنة نشاهدها تباع في السوق، وخاصة ما بين المغرب والعشاء كأول الخير، يتباشر بذلك بعض الفلاحين ببيع أول الثمر ليجني ربحًا وافرًا.

ومن العادات الجميلة عند الفلاحين أنهم يوصون البقاع (وهو الشخص الذي ينزل البقعة من البلاد إلى السوق) وينزلها في الخرج أو في الشنيف على ظهر الحمار، لا سيما في موسم التمور، يوصيه بأن يوزع شيئًا على المارة، ولا يحاول أن يرد أي شخص يأخذ شيئًا من التمر لأن ذلك بخل وعيب، وهو يستجيب لرغبة الفلاح.

وكنا في ذلك الزمن نشاهد الحمير وهي تحمل التمور من جميع البلدان (البساتين)، لا سيما من بعد صلاة العصر، وهي تمشي الهوينى، حيث تنوء من جراء ذلك الخرج الثقيل، وكان الأطفال يستهويهم ذلك المنظر البديع للحمير وهي تأتي من جميع الاتجاهات محملة بالخير الوفير، وكان يروق لهم بأن يزفوا البقَّاع والحمار وهم يجرون خلفه في فرح وسرور وينشدون (يا عميمي يا بقَّاع عسى بقعتك تنباع) ويفرح بهذا النشيد ويملأ طاقية كل واحد منهم بالتمر.

وللتمارة سوق خاص بهم حيث يباع التمر بالجملة والمفرق، ودكاكين التمارة تقع شمال المسقاية، بينها وبين سوق الحمبابة، وهناك عدد من السمكرية من أجل صنع صفائح التمر وغيرها، وحراج التمر عادة ما يكون خارج هذا السوق، من جهة المناخة مقابل لمسجد الغمامة.

تعبئة التمور

أما دعس التمور وتعبئتها في مجاليد من جلود الماعز، أو في فرقونات صغيرة وكبيرة مصنوعة من خوص النخيل، فيتم ذلك حيث يُفرد التمر في حصر أو مفتات كبيرة قبيل الظهر حيث يتعرض للشمس المحرقة ويرش عليه الماء حتى يساعده على الليونة، ويأتي بعد ذلك الدهاسون وقد غسلوا أرجلهم جيدًا، ويدوسون التمور تتداخل التمور في بعضها وتصبح كتلة واحدة، وبعد ذلك يودعونها في المجاليد لتخزينها إلى شهر رمضان المبارك، وبيعها بالجملة والمفرق.

ويكون هذا العمل حتى قبيل أذان المغرب في جانب من شرق مسجد الغمامة، وجنوب سوق الفلتية، وطرف سوق التمارة من شارح المناخة. ويقف الصبية يتفرجون على عملية دعس التمور وسماع تلك الأناشيد الجميلة التي يرددها الداعسون في ترنيمات متناغمة، ويفرح الأطفال عندما يوزع الداهسون بعض التمور عليهم وهم لا يبخلون عليهم بذلك.

ويتمتع هؤلاء الداعسون بالصبر والقوة والجلد، وتحمل الشمس المحرقة، وتبدو عليهم الصحة والعافية بقفزاتهم المتواصلة على ذلك التمر المفرود في الخصيف الذي يلتهب من حرارة الشمس، وهم لا يبالون ولا يهتمون لتلك الحرارة، ويروون عطشهم من القِرب الباردة، أو من السبل القريبة أو من المطارات -وعاء من القماش- وقد يذهب بعضهم إلى مسقاية عاشور ليطفئ ذلك اللهيب المشتعل بشربة ماء مبخرة بالقرنفل.

ويتمتع أهل السوق بالصحة والعافية، وهم حريصون على طعام الإفطار الذي يبدأ من بعد صلاة الفجر حتى وقت الضحى، حيث سوق الطباخة الذي يقع شمال شرق المسقاية، ويجدون فيه وجبة إفطار دسمة، تتكون من المقادم والكبدة، ومن حول السوق يوجد عدد من الفوالة وبائعي الهريسة والمعصوب، ويتفنن الأكيلة في عمل السلطات لهذه الأكلات.

سوق الطباخة بالمدينة المنورة

وبعض الأكيلة المشهورين يقومون بشراء قرص كبير من العيش البر، ويأتون به إلى بائع السمن البري ويزنون القرص، ثم يضعونه في حلة السمن، قبل صلاة الفجر، وبعد الصلاة يأتون إلى السمان، ويزنون القرص وقد ارتوى من السمن، ويدفعون إليه حقه، ثم يضعون القرص المبثوث بالسمن في إناء، ويفركونه مع شيء من العسل أو السكر، ويأكلونه.

أما بعد صلاة الظهر فتتنوع المأكولات في سوق الطباخة حيث يباع النيفة: لحمة الرأس، واللحم المندي والسجق، والرز والكباب، والأوصال والكرشة وشربة الرأس.

والحاصل: ترى في سوق الطباخة الأكلات الشهية والمعمولة بذوق واحتراف. والكل ينادي ويعلن عن أكله بشيء من الترنيمات والكلمات الجميلة، مثل: (لحم الضأن يا مرضان)، (لحم الضأن كله سمين)، (بلهه صبية وبنت ناس عجالي عجالي -لحم العجل-) (لا تخم جم توجعك بطنك).

وهناك بعض الأكيلة ولكنهم يفضلون الرطب، يجلس أحدهم وأمامه صندوق رطب -وزن صندوق الرطب زمان 12 كغم- وبجانبه براد شاي أبو عشرة، ولا يرفع يده عن الصندوق حتى ينتهي بالشفاء.

ويجمع بعض الصغار النوى (الفصي) وبيعه على هارس النوى، لبيعه على أهل الغنم التي تربى في البيوت علفًا لها، على أن جميع هؤلاء يحتاجون إلى شربة ماء من المسقاية لتطفئ عطشهم وتبرد قلوبهم فيجدونها مهيأة في المسقاية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.