هُم…
كأننا عُدنا إلى زمنٍ تُعلَّق فيه الأرواح على مشانق الصمت…
وتموت الكلمات في أفواهها قبل أن تولد…
نعيش لا داخل وطن، بل داخل قوقعةٍ من حديد…
اسمها «هُم»… ولها ألفُ قيدٍ لا يُرى، وألفُ عينٍ لا تنام.
نحن أبناءُ فكرةٍ مصلوبة،
نحمل عارَ السؤال في زمنٍ يُقدَّس فيه الصدى، ويُحرَّم فيه الصوت…
نخشـى أن نفكّر؛ لا لأن التفكيرَ رجس، بل لأنهم جعلوه رجسًا.
كلُّ من تجرّأ على أن يرى بعينيه، لا بعين الراعي،
صار خارج السرب، مرميًّا في الهاوية…
كأن الحقيقة ذنبٌ لا يُغتفر،
وكأن الحيرةَ خيانةٌ في محراب الطاعة.
لقد حوَّلوا الوجود إلى محبسٍ لا جدران له سوى خوفنا،
ولا قضبان فيه سوى أوهامهم…
والأدهى أن السجّان يسكن في داخلنا؛
فـ«هُم» لم يعودوا آخرين، صاروا يسكنوننا ويحرّكوننا كدُمى،
ونحن نصفِّق لصانع الخيوط…
مآسي التاريخ تتكرر من الأندلس إلى اليوم
يا الله، كم يشبه حاضرنا قرونَ الانحطاط،
حين أُغلقت أبوابُ الاجتهاد، وذُبح العقل باسم اليقين،
حين مات ابن عربي في منفاه،
وترك لنا خرائط لا يقرأها إلا من تجرّد من «هُم».
لا نريد تمرُّدًا، بل يقظة…
لا نحلم بثورة، بل بفسحة تفكير…
نريد أن نعيد للفكرة وزنها، وللكلمة قدسيتها،
أن نحبَّ الفارق لا التماثل،
أن نعيش، لا أن نُستنسخ…
لكن كيف ننجو ونحن نُولد بأرقام، ونُدفن بلا أسماء؟
كيف نرى النور إن كانت الشمس محظورة والظلالُ مأذونة؟
كيف نستنشق المعنى وقد صار الهواء ملكًا لـ«هُم»؟
صار الحرف مؤامرة،
والتأمّل خيانة،
والصمت حكمة؛ لا لبلاغته، بل خوفًا من الوشاية…
ها نحن نتهجّى البقاء كالأميّين،
نرسم الوطن بملامح العسَس،
ونقيس الحرية بطول السلاسل…
رحم الله من قال: إذا لم تكن حرًّا من الداخل فلن تكون حرًّا ولو كسرت السلاسل كلَّها.
في بلادٍ صارت تهاب الفكرة، صار التفكير جريمة، والحُلم مؤامرة، والكلمة سهمًا موجهًا إلى القلب العاري للنظام.
كأننا في عصورٍ ارتدَّت عن النور؛ لا تطيق السؤال، ولا تحتمل النقاش، تسجن الخيال، وتُجهِض الرأي، وتُكمِّم الأفواه كما يُكمَّم الموتى في أكفانهم.
لقد أصبحت الفكرة نداءً محظورًا، تُصادر كما كانت تُصادر الكتب في زمن ابن رشد حين كُفِّر العقل، وأُحرق النور في ساحات قرطبة…
ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فالأندلس التي ضاعت بالجمود، نراها اليوم تُبعث من رمادها في وطنٍ يكره أن يرى أبناءه واقفين على أرجلهم متفكِّرين، لا راكعين…
بوفرططو أصبح نبيَّهم المعصوم، ومن خالفه كافرٌ مرتدّ؛ فلا مرحبًا بديكارت، ولا حديث عن كانط، ولا مجال لغزالي أو ابن خلدون.
من يرفع صوته «أنا أفكّر إذن أنا موجود» يُحذَف من الوجود، يُمحى من الخريطة، ويُلقى في غياهب التهم الملفَّقة؛
ولا عزاء إلا في أرشيف المنسيّين.
بصيص الأمل.. الفكرة لا تموت
هل يظنّون أن الفكرة تُدفن؟ أن الكلمة تُمحى؟
إنها تعيش كما عاش سقراط، تسري في العقول كما تسري النار في قشّ الخوف.
وقد قُتل الحلاج لا لجنونه بل لصحوته؛ صُلِب لأنه قال «أنا الحق» في وجه الباطل المقدَّس.
وغُيّب نيتشه في صمته الأبدي لأنه جرؤ على أن يُحطِّم أصنام القيم الخانعة.
أما نحن، فمتى كنّا أعداءً للضوء؟ متى كنّا نحبّ العيش في الظلال؟
الجزائر التي أنجبت مالك بن نبي لا يمكنها أن ترتضي القيد، ولا أن تضع للعقل كمامة.
الجزائر التي قاومت الاستعمار بالبندقية والكلمة تُحاكِم اليوم أبناءها بتهمة السؤال!
إنهم لا يريدون وطنًا، بل قطيعًا؛ يريدون من التاريخ أن يتحدث بلسانٍ واحد، أن يُنسى العربي، ويُمحى الجزائري، ويُصادر الإنسان.
يريدون من الزمن أن يتوقف عند ساعةٍ صنعوها بأيديهم المرتجفة؛
لكن عقارب الفكر لا تتوقف،
ولو وُضِعت في الزنزانة.
سيأتي يومٌ يحمل فيه طفلٌ على كتفيه كتب أفلاطون وأحلام فرابي وابن سينا،
ويهتف في الساحات كما هتف غيفارا: «لا تصمتوا… فإنكم بالسكوت تصيرون شركاء في الجريمة».
وإلى ذلك الحين، سنظل نكتب،
سنظل نحلم،
سنظل نحترق…
لكننا أبدًا لن نحترق صمتًا.
نحن لا نؤمن بأيديولوجية صنعوها باسم الوطن…
جزاك الله خيراً.. فيها افكار جميله واقعية جداً
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.