الفقر و الفيروس التّاجي: الانحصار و التمدّد.

اختلفت تعريفات الفقر باختلاف زوايا النظر التي تعتمد كآليات لبناء المفهوم. فهناك من عرّفه من وجهة نظر اقتصادية، وهناك من عرّفه من وجهة نظر صحيّة، وهناك من عرّفه من وجهة نظر ديموغرافية ومثله لم تتمكّن الهيئات العلمية في مجال الطب تحديد هوية الفيروس التاجي تحديدا يمكنها من إنتاج الدواء الذي يمكن أن يقضي على هذا العدو الجرثومي.
المقصود بالانحصار هو الانحباس في مكان ما والاعتماد الذاتي على فعل المقاومة لتجاوز مشكلة ما. وهذا المعنى يمكن أن نسحبه على آفة الفقر. ومن خلال مفهوم الانحصار سنحاول تقصّي الظاهرة ثمّ نستنتج انعكاساتها. وننتقل في مرحلة ثانية لتحديد مفهوم التمدّد وتطبيقه على فيروس الكورونة. وبناء فكرة مفادها أنّ الآفات في المجتمع رغم خطورتها فإنّ استراتيجيات القضاء عليها تختلف في مستوى الأفراد وفي مستوى الاختيارات السياسية باختلاف شموليتها ومكان حدوثها.
يتميّز الفقر بالتموضع في مكان واحد ليشمل طبقة اجتماعية دون أخرى بسبب التوزيع غير العادل للثروات والاختيارات التنموية التي تستمد خططها من المنوال الرأسمالي الذي يزيد في التفاوت بين الطبقات فيزيد الأغنياء دخلا ويزيد الفقراء فقرا.
ومن آثار الفقر كثرة الأمراض وانتشارها مما تسببه في ارتفاع نسبة الوفيات حيث أكّد مركز الاتصال الإعلامي للأمم اَلْمُتَّحِدَة أنّ الفقر يتسبب في وفاة طفل كل خمس ثوان ووفاة 1500 امرأة حامل كل يوم. وصنّف الفقر كأول سبب من أسباب الوفيات في العالم خاصة في مستوى الشريحة العمرية الأقل من 15 سنة.
ورغم خطورة هذه الآفة وما تسببه من ارتفاع لنسب الوفيات فإنّ صفة الانحصار التي تلازم الفقر لعبت دور الشجرة التي غطّت غابة الموت. وَعَمَّتْ عدسات الشاشات على نقل وقائع معيش الطبقات الفقيرة ومناطقها. وفتح السياسي مجال استقطابه فوجد في الفقر ضالته. وأصبح الفقر موضوعا تنقله ريشة الفنّان إلى لوحة تشكيلية ليشتريها صاحب المال الذي تمكّن من تلبية كلّ حاجاته التي ضبطها مراسلو في هرمه فحقق الحاجات اَلْفِسْيُولُوجِيَّة والحاجة إلى الأمان والحاجات الاجتماعيّة والحاجة إلى التقدير والحاجة إلى تحقيق الذات. وقدّمته محتويات الدروس المدرسية على أنها حالة يجب أن نتعاطف معها من منظور قيمي وديني دون البحث عن حلول لتجاوز هذه الآفة.
هذا الواقع المأموم حافظ على تواصل انحصاره وأصبح التعامل معه على أنه حتمية اجتماعيّة لا مفرّ منها.
اجتاح الفيروس التّاجي العالم وَتَمَدُّد واتّسع مجال خطره وازداد انتشارا. وبدأ سلّم مخاطره في ارتفاع منذ أن تأكّد العالم أنّ هذا العدو لا يمكن تطويقه أو حصره. كما أنّ هذا الفيروس لا يفرّق بين الغني والفقير. وإلى حدّ الآن سقطت كل المناويل التنموية المتّبعة في أغلب سياسات العالم.
عند هذه اللحظة، حطّم الفيروس التّاجي صنم التفاوت الطبقي وأصبح الجميع أمام نفس المصير يواجهون نفس العدو رغم اختلاف طرق المواجهة حينا وتماثلها أحيانا أخرى.
لحظة الفناء الجماعي، أجبرت الجميع على الاهتمام المكثّف بِعَرَضِيٍّ كشف كل المسكوت عنه فوجد المجتمع تَقَدُّمًا في كل المجالات لكنه لم يجد آثار ذلك التقدّم للتوقي من خطر هذا العدو. وجد المجتمع الطبيب ولم يجد الصّحة ووجد وسائل التواصل الحديثة ولم يجد تواصلا يحقق لأفراده التفاعل المطلوب. ووجد طرق تعصير الفلاحة ولم يجد غذاء. ووجد الأمن ولم يجد اطمئنانا.
فعمّت الحيرة الصلات الاجتماعية ومؤسّساتها وأصبح الجميع في نفس السفينة.
لحظة اليقظة، أجبرت الدول النامية على التعويل الذاتي وابتكار الحلول واستدعاء قيمة التضامن المفقودة قبل الجائحة. وبرزت مبادرات علمية مفتوحة على التطوير أمنّها خبراء الدّاخل الذين لم يجدوا تشجيعات تمنحهم الثقة في النفس قبل وصول العدو الجرثومي. مما كشف أنّ الاختيارات الوطنية قادرة على تحطيم الكثير من اليقينيات بشرط أن تكون معبّرة عن مختلف شرائح المجتمع غنيّها وفقيرها. ومعوّلة أساسا على رأس مالها البشري القادر على الخلق والإبداع. وَمُتَّسِمَة بالجديّة التي زاد منسوبها بسبب جائحة الموت.
لحظة الصراع من أجل البقاء، هي وضعيّة تعلّم بامتياز يمكن للمجتمع أن ينقل أثر تعلّمها ويمكن للدولة أن تعيد النظر في اختياراتها بالعمل على المشروع الوطني الضامن لنجاح بقية المشاريع في مختلف المجالات.
الفقر بانحصاره يمكن القضاء عليه عندما نتعامل معه بنفس تعاملنا مع تمدد الفيروس التّاجي من حيث الاهتمام والانشغال وابتكار الحلول البديلة والتضامن دون قيد أو شروط.
د/نور الدين السعداوي
تونس

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب