من فلسفة ابن خلدون إلى نضال توبمان: لماذا لا يكفي أن نكون على حق؟

يعيش الإنسان المعاصر في دائرية مستمرة بين ما يمليه عليه العرف والسلوك، وبين ما تفرضه الفطرة الأولى من تمييز أصيل بين الحق والباطل. إن أزمة المجتمعات اليوم لا تكمن في الجهل بالقيم، بل في تحويلها إلى مجرد طبقات أخلاقية تقليدية تفقد بريقها بمرور الزمن وتغير الأحوال.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى استصلاح الأحكام والوعي بفضيلة الحق، ليس فقط باعتباره فكرة نؤمن بها، بل كأثرٍ نلتزم بنطقه وممارسته.

فكيف يسهم التغير الاجتماعي في تشويه المفاهيم الأصلية؟ وكيف يمكن للمواقف الإنسانية الشجاعة، مثل نضال الساعين نحو الحرية، أن تعيد صياغة المنظومة الأخلاقية وتمنح الأجيال المتعاقبة بوصلة حقيقية للعدالة؟

ليس علينا أن نأخذ العبرة من الأحكام فقط، بل علينا أن نُقدِم على استصلاحها كحديث مزدوج لحديثنا الداخلي تمامًا، ولا أن نمارسها من باب السخرية، وإنما تمسكًا بها؛ إذ إن هذه التناقضات لا تنشئ إلا اختلافات متناسبة عكسيًا بين الحق والباطل.

والتناسب العكسي في تلك الأيام يؤدي إلى عدم أخذ الحقائق من مستنبطها الأصلي، بل الاعتماد أساسًا على الوجوبيات المقننة بين العرف والسلوك، وبالتالي الانحياز عن فطرتنا التي جمعها الله مع روحنا بأساس من الطبع.

كما بين لنا ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، كاستنتاج، أن انتقال الأحوال وتبدل الأحكام والسلوكيات يجعلان التغيير واضحًا بصورة كبيرة، ومنتقلًا نحو أخذ المقدار الضروري من الأحكام والأقوال، أي على حسب مصلحة الشخص.

وانطلاقًا من ذلك، ننتقل إلى الركيزة الأساسية من الحكمة، وهي الفطرة الأولى التي يتهيأ بها الفرد قولًا وسلوكًا، حتى يستطيع فهم المعنى الرئيس للحق والباطل.

كما قال ابن خلدون: «إن الفطرة الأولى كانت متهيئة تمامًا لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير وشر، وكل مولود يولد على تلك الفطرة».

ومن هذه النافلة تكون العبرة شيئًا متمايزًا جدًا عن الحكمة، وهي حكمة البسط والمقام التي ألفها الناس مع العادات والتقاليد. ولكي يصل الإنسان أساسًا إلى معرفة الحق وتنغيص الباطل، يجب عليه معرفة النطق به، وبالمقابل وجود أناس يفهمونه، فلا يلوون ألسنتهم، أي لا يخبرون بالكذب، ولا يُعرضون عن الحق؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

يمكننا دومًا السعي نحو الحق بسيف قاطع، وأن نمارسه دون إساءة لأحد؛ فإساءتنا تعني جهلنا بالباطل وتعسفنا في فهم الفرق بين الحق والواجب، ولهذا اضمحلال كبير يمكنه أن يسبب الفساد في الأرض والطغيان دون عنونة للمفاهيم إزاءه؛ إذ إن استشرافنا للحق يكون على أساس فضيلته، وموت هذه الفضيلة يعني عدم قدرته على رفعنا.

مواجهة العادات بفعل الحق تُجدد القيم الأخلاقية

إن الشكل التقليدي للقيم يجعلها منبنية على أساس طبقات أخلاقية عائدة إلى تقليدها لا غير، وإن الاستمرار على ذلك يجعلها عاملًا يورد الفضائل منها بصورة دائمة، فيعتادها الناس، ثم يجعلونها ضمنية تعنونها العادات، حتى تفقد شكلها القيمي، وهكذا.

وبالتالي، تأتي الأجيال بمنحنى مخالف لهذه العادات، فتكون سلبيات غير مفهومة عن القيم الأصلية، فتغدو شبه معروفة، ثم يجهلها الكثيرون، وهذا يسبب منعطفات سيئة في مجتمعاتنا، ويورد المفاهيم غير المكتملة بعد، والأخلاقيات غير المدروسة، ويتأثر الناس بعضُهم ببعض.

ومثال على ذلك: «هارييت توبمان» الإفريقية المناضلة من أجل حقوق السود، إذ أنقذت أكثر من سبعين ألف شخص من العبودية بقصة ملهمة جدًا. فقد بدأت قصتها وهي على متن القطار، فبعد جلوسها على الكرسي طالبها أحد الرجال البيض بالوقوف ليجلس هو عوضًا عنها، بتعلة أنه أحق منها، ثم وصل الأمر إلى تهديدها بالحبس عدة سنوات إن رفضت النهوض.

وما فعلته استطاع أن يكون نورًا لحق كل الوجوه اليوم؛ إذ إنها لم تتخلَّ عن مقعدها، بل وافقت على تعريض نفسها للسجن مقابل الانتصار لحقها وحق من معها.

وفي إحدى المراحل، تأملت تو بمان حالة عائلتها، وقالت: «كنت امرأة غريبة في ديار غريبة»، ثم أردفت لاحقًا: «لقد كان أبي وأمي، وإخواني وأخواتي، أصدقائي وصديقاتي في ولاية ماريلاند، في حين كنت أنا حرة، وكان حريًّا بهم أن يكونوا أحرارًا هم أيضًا. لقد كافحت في وظائف غريبة ووفرت المال».

وفي تلك المرحلة، كان الكونغرس الأمريكي قد أقر نظام «قانون هروب العبيد 1850»، الذي كان يُجبر منفذي القانون على معاقبة المحرضين على الهروب شر عقاب، حتى في المناطق التي تمنع العبودية، فكانوا يساعدون في القبض على العبيد الفارين. وقد صعَّب القانون عملية هروب العبيد، أولئك الذين كانوا يبحثون عن ملجأ.

عادت تو بمان في الربيع التالي إلى ميريلاند لتساعد أفراد عائلتها على الخروج، واستعادت في رحلتها الثانية شقيقها موسى ورجلين آخرين غير معروفين. وعلى الأرجح أن تويمان عملت مع الناشط ضد العبودية توماس جاريت، وهو منتمٍ إلى المذهب الكويكري، الذي يعمل في ويلمينغتون.

الحديث عن أعمالها البطولية شجع عائلتها، كما أجمع كتاب السيرة، وزادت ثقتها بنفسها مع كل رحلة إلى ميريلاند، كما تسببت في إنقاذ المزيد من الأفراد من العبودية، وسماها الناشط ضد العبودية ويليام ويلد جاريسون بموسى، ملمحًا بذلك إلى النبي الذي قاد العبريين من مصر إلى الحرية، والذي ورد في كتاب الرحيل.

ما نريد أن نخلص إليه من هذه الحكمة هو ضرورة الوعي بقدرة الحق على رفع الإنسان وتجديد قيمه الذاتية التي تتأثر بالتغيرات السيكولوجية، وأن البقاء على هذا المقام لا يكفل للإنسان سوى تحقيق خاصية له قد تموت مع مرور الأيام، لكن تقديم هذا ضمن السلوك والعقل والمقال يجعل من الحق سبيلًا تسلكه الأجيال المتتالية؛ فأن تكون على حق أمر مختلف جدًا عن فعل الحق، وهذا ما يحتاجه وقتنا الحاضر.

في نهاية المطاف، يتضح لنا أن القيمة الحقيقية للفضائل لا تكمن في بقائها حبيسة الصدور أو مدونة في كتب الفلسفة، بل في تجسيدها السلوكي على أرض الواقع.

إن تجربة التاريخ، بدءًا من استنتاجات ابن خلدون حول تبدل الأحوال وصولًا إلى تضحيات «هارييت توبمان» في مواجهة القوانين الجائرة، تثبت أن العادات قد تستهلك القيمة حتى تميتها، لكن الموقف الشجاع وحده هو ما يبعثها من جديد.

إن وقتنا الحاضر لا يحتاج إلى مجرد التشدق بالشعارات، بل يحتاج إلى نقلة وعي جذرية؛ فأن تكون «على حق» هو مجرد انحياز ذهني، أما «فعل الحق» فهو السبيل الوحيد والأبقى لتجديد قيمنا الذاتية وحماية مجتمعاتنا من منعطفات الجهل والفساد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة