الفشل أكبر معلم في الحياة

أيقن الكثيرون حقا أن معلم الأجيال هو الفشل أو الخطأ وليس النجاح. الفشل قاد ويقود الإنسانية إلى النجاح والتطور عبر تاريخ البشرية الطويل.. فلا داعي أن نلعن الفشل أو نرمقه بغيظ أو مقت أو احتقار... إنما يجب أن نمتن له كثيرا حتى يعطينا ما هو أكثر. دعنا نتأمل مفهوم الفشل والنجاح وكيف تصاغ وتتشكل حياتنا إثر التنقل بينهما.
إحتقار الفشل

من أكبر الجرائم التي نرتكبها في غيبة الوعي هو احتقار الفشل والتبرؤ والخجل منه ونفيه سرا وعلانية وكأننا ارتكبنا جريمة شنعاء.. وهذا التوجه السيكولوجي يحرمنا قطعا من التعلم.. فنحن نفر منه ولا نستمع لدروسه ولا نكلف أنفسنا البحث عن سبب الخطأ أو الفشل. هذا التوجه السيكولوجي السلبي يفصل بيننا وبين هذا المعلم الكبير فلا نتعلم أبدا أو يكون تعليمنا ناقصا لأننا لم نسعى خلف المعلم الأكبر لنرى خلفيات النتيجة التي وصلنا إليها.. فنفرنا من الفشل - مما جعلنا نتجاهله - يفقدنا كثيرا من فرص التعلم الحقيقية ويفقدنا أيضا إكتساب روح التحدي كما يحرمنا من العقلانية الهادئة التي تنظر للإمور بميزان المنطق الذي يزن الأشياء طبقا لمنطق الواقع وليس بأرجوحة العاطفة التي تتأرجح عنفا بين الغضب والرضا وبين السعادة والحزن وبين القبول المغالي فيه والرفض الغشيم...
الأفراد والجماعات الذين يتعلمون من الفشل بروح متواضعة دؤوبة هم الذين يعبرون من ضفة الفشل لضفة النجاح. أما الذين لا يتعلمون من الفشل فسوف يظلون في أسره دون أن يدروا ينتظروا معجزة تخرجهم منه في زمن عز فيه ظهور المعجزات..
لذا يجب علينا عقد معاهدة صلح مع الفشل كي يظل معلما كفؤا أمينا.. وكي نظل نحن قادرين على التعلم غير عابئين بالإرث المجتمعي الذي يجعلنا نحتقر الفشل..
لماذا نتعلم من الفشل أكثر مما نتعلم من النجاح؟

الفشل يمثل الخطأ والنجاح يمثل الصواب في أي أمر.. ولو حسبنا نسبة الفشل للنجاح في أي أمر لوجدنا نسبة الفشل كبيرة جدا ونسبة النجاح ضئيلة... فمثلا إذا صوبت نحو عشر طلقات نحو هدف تصويب فربما تنجح في طلقتين وتفشل في ثمان طلقات.. فلو نجحت من المرة الأولى في التصويب نحو الهدف فلن تعرف أبدا لماذا نجحت وربما يكون النجاح ضربة حظ.. أما لو فشلت ثمان مرات فإنك في كل مرة سوف تفهم لماذا فشلت وستتعلم درسا يجعلك تحسن التصويب في المحاولات القادمة.. حتى إذا تعلمت ثمان دروس ثم صوبت بناء على ما تعلمته ونجحت فسيكون النجاح هذه المرة مبنيا على ما إكتسبته من فهم ومعرفة وليس ضربة حظ.. فالنجاح دون فشل أي دون تعلم هو نجاح هش غير مؤسس على خبرة أو علم وسرعان ما يتلاشى..
السبب الثاني أن الفشل يجعلنا نرى الجزء الأكبر من ميدان المسألة أو المعضلة بينما النجاح يجعلنا نرى فقط نقطة واحدة.. فلو تخيلنا هدف التصويب في المثال السابق لوجدنا نقطة النجاح هي مركز التصويب الضيق بينما باقي هدف التصويب هو مساحة كبيرة من النقاط التي تمثل حالة فشل وخطأ.. النجاح إذن يجعلنا نرى نقطة واحدة والفشل يتيح لنا رؤية العديد من النقاط فنرى المسألة بصورة أكبر شمولا.. فالفشل أو الخطأ متعدد الوجوه ومتعدد الزوايا وواسع الرؤى والنجاح والصواب ليس له إلا وجه واحد ومحدود الرؤية.
السبب الثالث لتعلمنا من الفشل هو إرتباط الفشل بذكرى مريرة وبتحدي وألم يجعله يخط في ذاكرتنا ليس فقط خبرة مريرة ولكن حافزا نفسيا كي نتجاوزة ونعبره إلى النجاح.. أي أن الفشل يخلق فينا التحدي والدأب والمثابرة والقدرة التحليلة والتفكير.. فبقدر ما هو ذكرى مريرة بقدر ماهو حافزا قويا لنا على العمل والتطوير والتحدي والإبداع.. أي أن الفشل يزيد وعينا بالأمر الذي نحن بصدده ويخرجنا من مصيدة الأحلام إلى أرض الواقع إذا تعاملنا معه بالواقعية الواجبة وليس بالنفي الإجتماعي الكاذب.. أو الإنزواء الإنهزامي..
وعلى الجانب الآخر يمثل النجاح لحظة سعادة وفرح ونشوة وبقدر ما يعطينا النجاح من دعم نفسي بقدر ما ينسينا ما تعلمناه فهذا الإحساس بالنشوة قد يغيب وعينا قليلا فنظل تحت تأثير النشوة التي قد تغيب أو تقلل وعينا فلا تكتمل فكرتنا ولا تتبلور رؤيتنا.. وسرعان ما تتلاشى فرحة النجاح دون أن تعطي الكثير من فرص التعلم.
إذن الفشل يدخلنا أرض الواقع والنجاح يطير بنا إلى سماء الأحلام.. ومهما كانت سماء الأحلام جميلة مبهجة مسكرة إلا أننا لن نتعلم إلا على أرض الواقع مهما كانت حادة وقاسية..
عودة الإعتبار للفشل والخطأ

إذا أردنا حقا التعلم والتطور علينا أن نبدا من إحترام الفشل وتبيان كيف يمكن أن نتعلم منه دون خجل أو حياء أو إنزواء.. نحتاج أن نتعلم ونعلم كيف نعرج من الفشل إلى النجاح بداية من النظر لأوجه الفشل جليا حتى نتعلم منها أو نتعلم درسا من كل وجه فشل.. فإذا تعلمنا أصبحنا مؤهلين للوصل للنجاح وإذا وصلنا للنجاح فلنستمتع به لكن دون أن نستسلم للنشوة والسكرة وعلينا أن نعود سريعا لآرض الواقع كي نتعلم من جديد وكي نبحث عن نجاح آخر.. هكذا هي دورة الحياة خطوات من الفشل العنيد يعقبها خطوة من النجاح الأكيد..
أ. د. محمود سطوحي
26 أبريل 2021

بقلم الكاتب


الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..