ألفريد دي موسيه: شاعر الليالي الذي أحرقته نيران الرومانسية

في عصر تسيّد فيه فيكتور هوجو المشهد الأدبي الفرنسي، بزغ نجم شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، ليصبح «الطفل المدلل» للرومانسية وواحدًا من أرقّ أصواتها الغنائية.

إنه ألفريد دي موسيه (1810-1857م)، الشاعر الذي لم يعش طويلاً، لكنه عاش بعمقٍ يكفي لملء مجلدات من الآلام والروائع، فكانت حياته ملحمة من الشغف والتمرد، ارتبطت خيوطها بشكل لا ينفصم باسم الكاتبة «جورج ساند».

في هذا المقال، نرحل مع «ليالي» موسيه الحزينة، ونستكشف كيف تحول مثلث الحب في «فينيسيا» إلى وقود لأجمل اعترافات الأدب العالمي.

ألفريد دي موسيه: العبقري الذي نزف شعراً في محراب الحب

 يكاد يكون من المتعذّر أن نتحدث عن ألفريد دي موسيه، دون أن نتناول بالحديث الكاتبة الفرنسية التي سمت نفسها «جورج ساند».

بل لعل الحديث عن دي موسييه، يستدرجنا إلى الحديث عن أولئك الذين عاشوا تلك المرحلة الرائعة من انتعاش الرومانسية في الأدب الفرنسي، وفي مقدمتهم فيكتور هوجو، الذي كانت تنظر إليه فرنسا وأوروبا كلها على أنه العبقرية الفذّة، التي تميز بها الأدب الفرنسي، وتمنت كل أوروبا أن تدّعيها أو أن تلد مثلها.

من هو ألفريد دي موسيه؟

وتاريخ الأدب العالمي، يقول لنا إن ألفريد دي موسيه، وُلد في عام 1810، وتوفي في عام 1857، فهو لم يعش أكثر من 46 سنة.. وهذا يجعلنا نفترض أن هذا الشاعر الرومانسي، الذي احتفل به النقاد كما لا يزال يحتفل به تاريخ الأدب العالمي، قد بدأ عطاؤه في سن مبكرة جدًا.. أو أنه كان غزير الإنتاج وقويًّا إلى الحد الذي أتاح له أن يوطّد لنفسه هذه الشهرة والصيت الذائع، في هذه المدة القصيرة من الزمن.

من هو ألفريد دي موسيه؟

والنقاد يضعون ألفريد دي موسيه في صفوف الشعراء الرومانسيين، ويذكرون له بعض المسرحيات التي يقلّ الاحتفال بها وتقديرها بالنسبة لشعره، كما يذكرون له قصة بعنوان «اعترافات طفل العصر»، ولكنهم يُجمعون على الإعجاب بشعره الغنائي العاطفي، أو الغرامي، الذي جمعه تحت عنوان «الليالي».

الحب في حياة ألفريد دي موسيه: صراع العمالقة

هل كانت هناك علاقة بين جورج ساند وألفريد دي موسيه؟ نعم. جمعت بين جورج ساند والشاعـر ألفريد دي موسيه واحدة من أكثر العلاقات العاطفية صخباً وتدميراً في تاريخ الأدب الفرنسي؛ حيث بدأت الشرارة الأولى في باريس عام 1833م، وسرعان ما تحولت إلى عشق رومانسي جارف جمع بين نقيضين: ساند بشخصيتها القوية والمستقلة، وموسيه بعبقريته الهشة وميله للاكتئاب والمجون.

كان أول لقاء بين ألفريد دي موسيه، وجورج صاند، وهو في الثالثة والعشرين من سنيّ حياته.. ولا شك في أن العلاقة بينه وبينها قد بلورت طاقاته وعبقريته الفنية.

ولكن كما يقول أندريه موروا في آخر كتاب صدر له عنها بعنوان «ليليا» في عام 1953م، «ولكن ما عُرفت به من تقلّب المشاعر وعدم الوفاء والإخلاص، وما استتبع ذلك من مواقف عنيفة بينه وبينها بلغت حد الشجار الصاخب يتوالى، ويعقبه التراضي والتوافق، ثم يعود أكثر صخبًا وعنفًا، إلى أن انتهى بالفراق والانفصال النهائي، الذي يقول المؤرخون إنه دمّر وقضى إلى الأبد على روحه المرحة، وعلى توثّبه الفني الطموح، في حين اجتازت هي التجربة دون أن تترك في نفسها أثرًا ذا بال».

المثلث العاطفي الذي كسر روح الشاعر

بلغت الدراما ذروتها خلال رحلتهما الشهيرة إلى مدينة «فينيسيا» (البندقية)، حيث تدهورت صحة موسيه الجسدية والنفسية، وفي خضم مرضه، نشأت علاقة إعجاب بين ساند وطبيبه الإيطالي «باجيللو». هذا المثلث العاطفي فجّر صراعاً مريرًا من الغيرة والاتهامات المتبادلة، مما أدى إلى قطيعة تركت جرحاً غائراً في روح موسيه لم يبرأ منه أبداً.

اعترافات فتى العصر

لم تنتهِ هذه العلاقة عند حدود الفراق، بل تحولت إلى وقود إبداعي خلدته الكتب؛ فكتب موسيه روايته الشهيرة «اعترافات فتى العصر» ليعبر عن ضياعه وألمه، بينما استمرت ساند في حياتها الأدبية والسياسية، تاركةً وراءها مئات الرسائل المتبادلة التي تُعد اليوم من أروع ما كُتب في أدب المراسلات الغرامية، شاهداً على حب لم يستطع العيش بسلام، ولم يقبل الموت بهدوء.

عكف موسيه على وصف معاني الفقد في مجموعة قصائد أسماها «الليالي» وكانت مسرحيته «لا تهزأ بالحب» مستوحاة من خطاباتهما، بينما قامت هي برواية قصتهما في كتابها «هي وهو».

وصف موسيه معاني الفقد في مجموعة قصائد باسم «الليالي»

ومع ذلك، فإن هذه التجربة، بما تخللها من عنف في الحب، وعنف في الصراع، قد تمخضت عن كتابه الذي يدخل فيما يُسمى «أوتوبيوغرافي» أو قصة ذاتية، أو فيما أفضل أن أسميه «أدب الاعتراف».. وقد سبق أن ذكرناه، وهو «اعترافات فتى العصر».

أشهر أعمال ألفريد دي موسيه

جاءت شهرة هذا الشعر باسم «ليالي ألفريد دي موسيه»، وقد اقتبس هذا العنوان في اللغة العربية الدكتور إبراهيم ناجي، ونجد في ديوانه ما يشبه رباعيات بعنوان «الليالي».. كما نجد بعد ذلك مجموعته الأخرى التي سماها «ليالي القاهرة».

وليس مما يُؤخذ على ناجي أن يقتبس أو أن يتأثر بالرومانسية الفرنسية، إذ كانت اللغة الفرنسية هي لغته الثانية.. كما كانت لغة عبد الرحمن شكري اللغة الإنجليزية.. ولذلك يمكن القول إن ناجي قد تأثر بالرومانسية الفرنسية، في حين تأثر عبد الرحمن شكري بالرومانسية الإنجليزية.

ليالي ألفريد دي موسيه

هي ليال حدّد لها أزمنةً معينة هي مايو، وديسمبر، وأغسطس، وأكتوبر، وفيها بدأ الشاعر وكأنه يُغرق نفسه ومشاعره كلها في هذا الشعر، في محاولة للنسيان، وللتخلص من نهش الذكريات المريرة التي عاشها في حبه لجورج ساند.

سمات شعر ألفريد دي موسيه

وليالي ألفريد دي موسيه، تُعد في تقدير النقاد نموذجًا للشعر العاطفي الذي يزدحم بمشاعر اليأس والحزن العميق، الذي يتدفق من قلب مزقه الهجر والجفاء، وقد دخل ألفريد دي موسيه المجتمع الفرنسي المترف كفلتة أو عبقرية نادرة، كثيرة التألق والإشعاع، ومن هنا كان يُنظر إليه كطفل مدلل، يحنو عليه ويُغدق عليه كبار الرومانسيين الحب والإعجاب في عصره، ولم يكن هذا دون مبررات من واقع الطاقة التي كان يتمتع بها موسييه.

حيث نشر قبل أن يبلغ العشرين من العمر، وهي سن المراهقة والصبا الباكر، ديوانًا من الشعر باسم «حكايات إسبانيا وإيطاليا»، وكانت القصائد في هذا الديوان تتوهج بما يشبه تلك الانفعالات العاطفية المتأججة، التي نجدها في شعر بايرون، بكل ما فيها من جموح وسخرية وذكاء ولمّاحية.

اعترافات فتى العصر

ثم لم يمضِ وقت طويل، حتى أصدر بعض الأعمال الكوميدية، وقصيدة أو تمثيلية شعرية طويلة بعنوان «رولا»، ثم أتبع ذلك بكتابه «الليلة الأخيرة في حياة فاجر»، وهو دفق بايروني آخر، كان الأسى فيه، وروح التشاؤم والحزن، في مواجهة أسلوب تميّز بخلفيات غير مألوفة أو غريبة، بالنسبة للروح الشائعة يومذاك في الرومانسية الفرنسية.

عبقرية موسيه في المسرح والأمثال الفرنسية

ومع أن موسيه سطع في تاريخ الأدب الفرنسي بصفته شاعرًا في القمة، فإن شهرته بصفته كاتبًا مسرحيًّا لا تقل عن شهرته بصفته شاعرًا، بل قد نجد بين النقاد والمؤرخين من يُرجّح أدبه المسرحي على شعره.

فقد كتب بين المدة من عام 1833م إلى عام 1845م سلسلة من المسرحيات التراجيدية والكوميدية، امتازت جميعها بخفّة الظل، ورقّة العاطفة، وباللغة التي تجمع بين المفردات القوية إلى جانب رشاقة اللمسة في التعبير.. والكثير من هذه المسرحيات حفل بالأمثال، بل كانت عناوين الكثير منها أمثالًا معروفة في الحياة الفرنسية في ذلك العصر، ومن هنا، كان لبعض مؤرخي أدبه وسيرة حياته أن يسمّوا مسرحياته «أمثال ألفريد دي موسيه».

قضى ألفريد دي موسيه السنوات العشر الأخيرة من عمره، يحفر في أعماق نفسه قبورًا يدفن فيها ذكريات حبه.. وكم كانت كلمة سينت بيف رائعة عندما رثاه بعد موته، فقال عنه: «أي ضوء ذلك الذي سطع بحياة موسيه.. وأي خسوف هذا الذي نعيشه بموته».

مقتطفات من ليالي ألفريد دي موسيه

من ليلة ديسمبر:

من أنت إذن.. يا شبح شبابي؟

أيّها الزائر الذي لا يكلّ

لم أرك دون انقطاع

هناك تجلس.. في الظل الذي أمرّ به

من؟ من أنت؟ أيّها الزائر المنعزل

ضيف آلامي المقيم

ماذا فعلت لتلاحقني في هذه الأرض؟

من أنت؟

ولِم لا أراك إلا في يوم البكاء؟

أينما ذهبت أنت.. سأكون أنا دائمًا

إلى أن تنتهي أيامك

وسأجلس على قبرك

وعندما تشعر بالألم

أقبل.. أقبل إليَّ بلا قلق

لأصحبك على الطريق

دون أن أمس يدك

لأني.. لأني الفراق..

ومن ليلة أغسطس نسمع الفرد دي موسييه يقول:

سيّان الموت.. والحياة

يكفيني أني أحب.. وهذا الشحوب في ملامحي.. ما أشدّ ما أحبه؟

إرث موسيه.. الحب الذي لا يموت بموت صاحبه

رحل ألفريد دي موسيه عام 1857م، وهو بعد في الـ47 من العمر، تاركاً خلفه ثروة أدبية قوامها الدموع والصدق المطلق. فقد كان حالة إنسانية فريدة، جسدت كيف يمكن للحب أن يكون أسمى درجات الخلق وأفتك أدوات القتل في آن واحد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة