في صعيد مصر، وعلى أنوال خشبية قديمة، تُنسج حكايات من حرير وألوان، وتُحفظ ذاكرة وهوية منطقة بِرُمَّتها، إنها حرفة «الفركة»، فن النسيج اليدوي الذي تتوارثه الأجيال الذي لا يمثل مجرد قطعة قماش، بل هو رمز ثقافي واجتماعي عميق. يتميز هذا النسيج بخطوطه وأشكاله الهندسية النمطية، ويحمل في طياته تاريخًا يمتد من الفن القبطي القديم إلى العصر الفاطمي، ومن نقادة إلى سيوه، ومن ليبيا إلى السودان، حاملةً بين ألوانها وزخارفها رموزًا ثقافية وروحًا قبطية خالدة.
يستكشف هذا المقال أسرار هذه حرفة الفركة التراثية، ويتتبع أنواعها المختلفة في مصر وخارجها، ويغوص في جماليات تصميماتها، ودور المرأة المحوري في الحفاظ عليها.
الفَرْكَة هي حرفة يدوية مصرية نسيجية من خيوط الحرير الطبيعي، ذات خطوط وأشكال هندسية نمطية.

أنواع الفركة
تتنوع أنواع الفركة، ولكل فركة سماتها حسب التاريخ والنمط الذي تحمله.
الفركة السوداني
تُنتج في محافظة قنا بمركز نقادة، تُصدَّر على نحو أساسي إلى السودان، وعُرفت بـ«الفركة السوداني». ولها حضور في الموروث الشعبي، وتحرص السودانيات على لفّها حول أجسادهن في المناسبات السعيدة. ازدهرت هذه الصناعة وشهدت عصرها في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

فركة سيوه ومطروح
تُستخدم في لفّها على بطن المرأة في سيوه، عند وبعد الولادة.

الفركة الحجازية
تُستخدم في ليبيا، وتُعرف باسم «الملاية الحجازية»، ولها موروث ثقافي. تُستخدم في سبوع المولود، وترتبط بجلب حياة جديدة، وتُلفّ على الطفل عند ختانه.
تصميمات الفركة
بداية ووسط ونهاية؛ تُسمى النهاية «الأطراف»، والوسط «الباطنة»، وظهر الفركة يُسمى «الخلفية».
ألوان الفركة
- الفركة السوداني تتميز باللون الأحمر والأصفر.
- الملاية السيوي تتميز باللونين الكحلي والأبيض.
زخرفة النسيج وجماليات التصميم من الزخارف الهلنستية إلى الرموز القبطية
لا تخلو من الاقتباس من الفن الهلينستي، فالفنان القبطي تأثر بالفن المصري القديم، والفن الهلينستي، والموضوعات الدينية. وظهر على المنسوجات القبطية موضوعات استمدها الفنان القبطي من الحياة الاجتماعية، كمناظر الموسيقى، والشرب، والصيد، والحمالين، والجالسين، والواقفين، ومناظر الصراع.
وظهرت الوحدات الهندسية متمثلة في الدوائر وأنصافها، والمربعات، والمعينات، والجامات، والمستطيلات، وأشكال خماسية وسداسية.

وقد استخدم الفنان القبطي، من كتابات الكتاب المقدس، عنصرًا زخرفيًّا.
وقد تمتع الفنان القبطي بأسلوب امتاز به دون غيره؛ إذ كان يقسم موضوعه إلى ثلاث مناطق:
1. تمثل السماء، أو دائرة تمثل السماوات العُليا.
2. تحوي القصة المراد تصويرها.
3. تُعبّر عن الأرض، ويُرسم عليها الأشخاص.
دور المرأة في حرفة النسيج
نظر المصري القديم للمرأة بوصفها شريكة الرجل، وهذا واضح في الآثار التي وُجدت، إذ يظهر فيها جلوس الملكة بجوار الملك، شامخة عظيمة معتزة بجنسها.
إن النسيج حرفة نسائية عريقة؛ إذ تتناول فنًا من أرقى الفنون التراثية في العالم كله، وانشغلت به المرأة المصرية لرفع اقتصاد أسرتها.
موقف العرب من النسيج القباطي
مع دخول العرب مصر، أُعجبوا بهذا الفن، وأطلقوا عليه اسم «القباطي» نسبة إلى أقباط مصر. كان الأسلوب القباطي في حرفة النسيج أقرب إلى التطريز منه إلى النسيج؛ إذ أتاح هذا الأسلوب تصويرًا شبه مجسّم للأيقونات، لتحاكي الرسوم الكلاسيكية القديمة.
ونرى التأثير القبطي في الحضارة الإسلامية في استخدام الأثاث، كالكراسي، والموائد، والدواليب، والمنابر؛ فهي مأخوذة من قطع الأثاث القبطية التي كانت، ولا تزال، مستعملة في الكنائس وأماكن العبادة المسيحية.
موقف الفاطميين من النسيج القباطي
ازدهرت صناعة الحرير بعد ذلك في عصر الخليفة الفاطمي المنتصر بالله، وكانت الفسطاط من مراكز القَزّازة المهمة. ولم تلبث مدينة القاهرة، بعد تأسيسها، أن راجت فيها صناعة المنسوجات الحريرية، فأنشأ الوزير الفاطمي «يعقوب بن كلس» بيتًا لصناعة الحرير والديباج، سُمّيت «دار طراز».

في النهاية، تظل حرفة الفركة أكثر من نسيج يدوي، إنها خيط من ذهب يربط الحاضر بالماضي، ويمتد عبر العصور ليحكي قصة التراث المصري الغني. من نقوشها التي تحمل أصداء الفن القبطي والهلنستي، إلى عاداتها الاجتماعية التي لا تزال حية في السودان وسيوه وليبيا، وتجسد الفركة عبقرية الصانع المصري، ودور المرأة المحوري في الحفاظ على الهوية الثقافية، إن حماية هذه الحرفة ودعمها هو حفاظ على ذاكرة فنية وإنسانية لا تقدر بثمن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.