كثيرًا ما يُستخدم مصطلحًا (المعرفة) و(العلم) كأنهما مصطلح واحد، لكنهما في الحقيقة يمثلان مفهومين مختلفين وإن كانا متداخلين. ويتناول هذا المقال بعمق الفروق الجوهرية بين المعرفة والعلم، مستعرضًا الخاصية المميزة للعلم وهي المنهجية والتنظيم، وموضحًا كيف أن العلم يسعى لإدراك الكليات والكشف عن العلاقات الضرورية بين الظواهر، في حين المعرفة أوسع وأكثر شمولية.
الفرق الجوهري بين العلم والمعرفة
وليست المعرفة مرادفة للعلم، بل هي أوسع منه مدلولًا، فكل علم معرفة، وليس كل معرفة علمًا، ومعيار التمييز بينهما هو المنهج المتتبع في تحصيلهما، فإن كان علميًّا كانت نتيجته علمًا، وإلا فمعرفة غير علمية، وبناء على هذا قد تكون المعرفة حقيقية وقد تكون غير حقيقية، ولا يكون العلم إلا حقيقيًّا.
معيار التمييز.. المنهج العلمي هو الفيصل بين العلم والمعرفة
يُعد المنهج العلمي، بكل ما يتضمنه من خطوات منظمة وقواعد صارمة للتحقق من الفرضيات والنظريات، هو الحجر الأساس الذي يميز العلم عن غيره من أنواع المعرفة.

أرسطو: لا علم بلا كليات وعلاقات ضرورية
وثمة فرق آخر، مرده إلى غايتيهما، فالعلم عند الفيلسوف أرسطو لا يكون علمًا إلا بإدراك الكليات، والكشف عن العلاقات الضرورية بين ظواهر الأشياء.
فشرط العلم أن يتضمن قدرًا من الوحدة والتعميم، وأن يكون بحيث يستطيع الناس أن يتفقوا على الحكم في مسائله، لا بالاستناد إلى أذواقهم ومصالحهم، بل بالاستناد إلى ما بين مسائله من علاقات موضوعية، يمكن كشفها وإثباتها بطرق محددة.
الجرجاني: المعرفة حادثة والعلم أزلي
الظاهر من بعض تعريفات القدامى للعلم والمعرفة أن العلم يتعلق باليقين الجازم، كما يبدو من قول علي بن محمد الجرجاني: «الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وأن المعرفة علم حادث بعد أن لم يكن، وهي مسبوقة بجهل، بخلاف العلم، ولذلك يسمى الحق تعالى العالم دون العارف».
والتفريق بينهما في الاستعمال في حق الله يدل على أن بينهما فرقًا في الدلالة اللغوية، وإن لم يسطع العلماء الإبانة عنه بدقة، فالعلم يخص التصديق، والمعرفة تخص التصور، وهو رأي مستمد من رأي الفيلسوف أرسطو.
التصور والتصديق أساس التفريق اللغوي
والتصور إدراك صورة الشيء مفردًا، كإدراك صورة زيد، وإدراك صورة الحديقة بارتسامهما في الذهن، والتصديق هو إدراك نسبة، أي إدراك نسبة بين شيئين، كإدراك النسبة بين زيد والطول، وبين عمرو والعلم، حين يقال: زيد طويل، وعمرو عالم، فهاتان الجملتان تدلان على إدراك زيد وإدراك الطول، وإدراك عمرو وإدراك العلم، ثم إدراك النسبة بين كل اثنين منهما التي هي اتصاف زيد بالطول وعمرو بالعلم.
وبعض الباحثين لم يميز دلالة المعرفة هذه من دلالة العلم، فلذلك فرق بينهما تفريقًا فيه اضطراب، يدل على عدم وضوح معناهما في ذهنه، فجعل «العلم هو المعرفة المصنفة التي تتسق في نظام من الأفكار، له مفاهيمه وله مقاييسه الخاصة، أما المعرفة فهي التي يمكن أن يشار إليها الحقيقة العلمية، أو المعرفة المحققة بالبحث والتمحيص».
ولا يخفى أن ما وصف به المعرفة هو صفات العلم، وأنه لا فرق بين العلم والمعرفة في هذا التفريق، سوى أن المعرفة هي الحقيقة المقطوع بها من العلم، في حين أن العلم في هذا التعريف أقرب إلى تعريف المنهج العلمي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.