سيكولوجية الألم: الفرق بين الفقد والحرمان.. أيهما أشد قسوة على النفس؟

يكمن الفرق الجوهري بين الفقد والحرمان في عنصر الذاكرة والامتلاك؛ فالفقد هو زوال النعمة بعد التمتع بها، ما يورث ألمًا ناتجًا عن المقارنة بين الماضي والحاضر وصعوبة التكيف. أما الحرمان، فهو عدم الحصول على الشيء من الأساس، وهو ألم غياب قد يكون أخف وطأة بسبب اعتياد النفس عليه وعدم وجود ذاكرة حسية لما حُرم منه. وتشير الدراسات النفسية إلى أن الفقد أشد إيلامًا لأنه يكسر حالة الاستقرار والأمان المكتسبة.

الفقد والحرمان كلمتان قد تحملان المعنى نفسه تقريبًا، غير أن لكل كلمة منهما دلالة خاصة وأثرًا نفسيًا يختلف في عمقه وانعكاسه على صاحبه. ولإدراك مدى هذا الأثر، ومعرفة أيهما أشد ألمًا ووجعًا، نستعرض معًا الفرق بين الكلمتين.

يمكن القول إن الفقد هو حرمان بعد الامتلاك، أو خسران قد لا يمكن تعويضه أو امتلاكه مرة أخرى، يصحبه ألم نفسي ناتج عن الفراغ الذي يحدثه هذا الفقد؛ فهو ألمٌ يلازمه سعيٌ مضنٍ للتكيف مع الواقع الجديد الذي طرأ على الفاقد.

أما الحرمان فهو المنع دون امتلاك، كأمنية مرغوبة تسكن الأحلام، وفي الغالب أمنيات قد لا تتحقق؛ فإذا تحققت فقد امتلك، وإذا حُرم، فقد حُرم.

الذاكرة البصرية: بين "الضرير" و"الأكمه"

توجد أمثلة كثيرة للفرق بين الكلمتين، ومنها على سبيل المثال: الضرير، وهو من أضره العمى أو مرض في بصره بعدما كان يبصر؛ فهو فقد الرؤية وأصبح لا يرى، ما يؤدي إلى أثر نفسي بالغ قد لا يستطيع صاحبه التكيف معه، وخاصة إن لم يكن لفقده دواء، فيغدو كالسجين بين القضبان.

أما الأكمه، فهو الأعمى منذ الولادة، ولم يبصر قط، ولا يمتلك ذاكرة بصرية؛ فهو قد حُرم من نعمة الإبصار، وهذا الحرمان الفطري يجعله أكثر قدرة على التكيف مع وضعه وحالته، وقد يمتزج هذا التكيف ببصيص أمل أن يمتلك نعمة الإبصار كمن حوله.

يتمُ الروح: تصنيفات الفقد الأسري

واليتيم هو من مات أبوه وهو صغير ولم يبلغ الحلم، ويوصف باليتيم حتى يبلغ سن الرشد «الاحتلام». فإن مات الأب قبل الولادة ولم يره الابن قط، أصبح يتيمًا حُرم من أبيه، أما إذا عاصره مدة من الزمن ونعم بحنوه وعطفه، أصبح يتيمًا فاقدًا لأبيه.

وكذلك العجي، وهو من ماتت أمه؛ فإن ماتت أثناء الولادة، فقد حُرم منها، أما إذا احتضنته وشعر بدفء أحضانها، فقد فقدها. وجدير بالذكر أيضًا اللطيم، وهو من ماتت أمه ومات أبوه معًا؛ فقد لا يراهما ويُحرم منهما قبل احتضانهما له، وقد يفقدهما بعد أن عرف معنى القرب والامتلاك.

تتنوع النماذج التي توضح معنى الفقد، كالزوجة التي مات زوجها، والزوج الذي ماتت زوجته، أو العائلة التي مات أحد أفرادها. ولا يقتصر الفقد على الموت، بل منهم من خسر ثروته مثلًا، وتظهر بعض حالات الطلاق التي يندم فيها أحد الطرفين أو كلاهما على إنهاء العلاقة بينهما، فيفقد كلاهما الآخر.

نماذج للفقد

وتوجد حالات الإصابة بمرض قد تؤدي إلى البتر، فيفقد الشخص أحد أطرافه نتيجة مرض كالسكري مثلًا، أو نتيجة حادث، أو إصابة حرب، أو ما شابه ذلك. فالشخص المبتور يتعرض لصدمة نفسية هائلة قد تدفعه إلى الحكم على نفسه بالموت المعنوي.

ويقابل ذلك، في باب الحرمان، ما يكون من تشوهات عند الولادة، كالمولود بلا أحد الأطراف؛ فقد يتأقلم منذ الصغر على وضعه، مع الشعور أحيانًا بالنقص مقارنة بمن حوله من الأصحاء.

وهناك من يعيش أجمل قصة حب قد لا تكتمل، ويفقد فيها الحبيب حبيبه. وكذلك الصداقة الحميمة التي انقطعت لأسبابها، فيذكر كلا الطرفين حُسن صداقة الآخر رغم الفقد والبعد وإنهاء العلاقة.

وغيرها من الأمثلة التي توضح أن الفقد يأتي بعد الامتلاك، في حين أن الحرمان هو المنع دون امتلاك، كمن يتطلع إلى ثروة كبيرة كغيره من الأثرياء، ولكنه اعتاد حالته البسيطة، أو كمن يحلم بشريكة دربه مع اعتياده الوحدة، أو كمن يحلم بولد له بعد وهن العظم واشتعل الرأس شيبًا.

الفقد والحرمان لهما تأثير سلبي على النفس؛ فكلاهما يحمل وجعًا عميقًا، ولكن الفقد أشد وجعًا من الحرمان. فمن فقد، وليس بيده الامتلاك مرة أخرى، أشد ألمًا ممن يمكنه الامتلاك مرة أخرى، أو ممن أصابه الحرمان منذ البداية.

فخاسر ثروته قد يعوض خسارته بالتعب، في حين أن فاقد عزيز لا يستطيع عودته.

والأم التي فقدت طفلها قد يهون عليها إنجاب طفل آخر، على الرغم من حزنها على فقدها الأول، ولكن إن لم يرد الله لها ذلك، عاشت على وجع الفقد وأمل العوض من الله.

جميعنا يمتلك، وجميعنا يفقد، فلا شيء دائم؛ فمن امتلك حمد الله وشكره، ومن مُنع فقدًا أو حرمانًا، حمد الله وصبر، فما الدنيا إلا دار ابتلاء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رائع كالعادة فى اختيارك للمواضع ✍️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة