الطاعة العمياء أم التربية الواعية؟ كيف تبني عقل طفلك لا خوفه؟

الطاعة العمياء ليست دليلًا على حسن التربية، بل هي غالبًا استجابة شرطية قائمة على الخوف من العقاب، ما يقتل استقلالية الطفل وقدرته على التفكير النقدي. في المقابل، تهدف التربية الواعية إلى بناء الضمير الداخلي فيطيع الطفل عن قناعة وفهم، وليس خوفًا من العصا.

هل الطاعة العمياء دائمًا علامة على حسن التربية؟ أما أنها أحيانًا دليل على خوف الطفل من العقاب أو الحرمان من الامتيازات؟ في هذا المقال سوف نغوص داخل عقل الطفل، لنعرف كيف يفكر، وليس فقط ماذا يفعل.

في الوقت الذي ركزت فيه التربية الإيجابية الحديثة على الأخلاق والحركية لدى الطفل، نجد إغفالًا وربما إهمالًا للجانب العقلي للطفل.

كيف يفكر الطفل؟

في كتابه «تأسيس عقلية الطفل» لا يركز الدكتور عبد الكريم بكار على تعديل سلوكيات الطفل فحسب، بل يغوص في «تأسيس العقل» ومعرفة كيف يفكر الطفل، فيكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر والتدفق الهائل للمعلومات.

لتحقيق ذلك يجب على المربي التالي:

  • تشجيع الطفل على التساؤل وطرح الأسئلة وعدم الاكتفاء بالتلقي السلبي، فالسؤال هو مفتاح المعرفة.
  • تدريب الطفل منذ نعومة أظفاره على التفكير العلمي بربط النتائج بالأسباب «مبدأ السببية».
  • تدريب الطفل على الفصل بين العاطفة والحقيقة «مبدأ التجرد».
  • تعليم الطفل النظرة الشاملة أو الكلية للأمور لرؤية الصورة كاملة، أو بمعنى آخر ألا ينظر للمشكلة من زاوية واحدة.
  • تنشئة الطفل على قبول الآخر واحترام ثقافة الاختلاف، وأن الحقيقة قد يكون لها أكثر من وجه.

تشجيع الطفل على السؤال

الطاعة العمياء: حين يختفي العقل خلف الأوامر

إذا كنا نتحدث عن التربية الفكرية والعقلية للطفل، وتأسيس عقليته، وتدريبه وتشجيعه على طرح التساؤلات وعدم التسليم بكل ما يسمع أو يرى في ظل تدفق هائل للمعلومات، فإنه لا يمكن تحقيق ذلك بتربية الطفل على الطاعة العمياء القائمة على الخوف من العقاب؛ لأن طاعة الخوف لا يمكنها أن تنشئ طفلًا مستقلًا في تفكيره، مبادرًا لطرح التساؤلات، وراغبًا في معرفة حقائق الأمور، وليس كما تبدو على ظاهرها.

في الواقع، يُسر كثير من الآباء والأمهات عندما يطيع الطفل الأوامر وينفذ التعليمات دون نقاش أو حوار، وقد يكون في ذلك تعديل مؤقت للسلوك، لكنه بالتأكيد غير دائم، وفي أول فرصة ومع بلوغ الطفل سن المراهقة والبحث عن الذات، تظهر المشكلات والخلافات مع المراهق.

الفرق بين الطفل المطيع والطفل الواعي

هناك فروق جوهرية بين الطفل المطيع وبين الطفل الواعي. فالأول ينفذ الأوامر والتعليمات خوفًا من العقاب دون فهم الأسباب أو المبررات، في حين أن الطفل الواعي يسمع الكلام بعد فهم الأسباب وشرحها، وبعد نقاش وحوار مع المربي.

كذلك نجد أن طاعة الطفل المطيع تكون في حضور الوالدين، وبمجرد أن يشعر بغياب الرقابة تصدر عنه سلوكيات مختلفة تمامًا، على عكس الطفل الواعي الذي يتمتع بنوع من الضبط الذاتي.

في الوقت الذي ينشغل الطفل المطيع عند ارتكابه سلوكًا خاطئًا بالتساؤل :هل سيُعاقب؟ نجد أن الطفل الواعي يسأل: هل هذا صواب؟

ماذا نُنشئ فعليًا؟ سلوكًا ظاهرًا أم ضميرًا داخليًا؟

هذا التساؤل هو جوهر العملية التربوية، نربي طفلًا لكي يطيع خوفًا من العقاب أو الحرمان، ونكتفي هنا بضبط السلوك الخارجي فقط، أم ننشئ طفلًا يقتنع فيطيع، فتنمو لديه الرقابة الداخلية والضمير الحي، والهدف هنا أن يكون لدى الطفل «شرطي داخلي».

لتحقيق الغاية الحقيقية من التربية، ينبغي اعتماد آلية الحوار والنقاش بدلًا من فرض الأوامر بالقوة، وشرح مبدأ السببية وربطها بالنتائج، مع التأكيد على أهمية ربط السلوك بالقيم كالصدق والأمانة والمسؤولية وغيرها.

يمكننا الانطلاق من ضبط السلوك الخارجي لنصل في النهاية إلى تنمية الوعي والضمير لدى الطفل. على سبيل المثال، الشجار بين الإخوة، يمكننا ضبط السلوك الخارجي من خلال ركن الهدوء، ثم نتوجه إلى الطفل المعتدي بالسؤال: بماذا يشعر أخوك الآن بعد أن ضربته؟ وكيف يمكنك ترضيته؟

 لماذا يفشل العقاب وحده في بناء إنسان سوي؟

العقاب وحده لا يمكن أن ينشئ طفلًا سويًا؛ لأن الطاعة ليست نابعة عن قناعة، وإنما نتيجة خوف من العقاب أو حرمان من الامتيازات يترتب عليها  كثير من المشكلات، منها ازدواجية السلوك، الكذب، وضعف اتخاذ القرار.

العقاب وحده لا يمكن أن ينشئ طفلًا سويًا

كيف ننتقل من الطاعة إلى الفهم؟ (خطوات عملية)

عزيزي المربي، لكي تنتقل من الطاعة العمياء إلى الفهم، لا بد من خطوات عملية أهمها:

  • انتهاج سياسة الحوار والنقاش بدلًا من فرض الأوامر.
  • شرح السبب والنتيجة وعدم الاكتفاء بالنهي أو الزجر.
  • تجنب معاقبة الطفل على الخطأ والحث على التعلم منه.
  • كن قدوة لطفلك بالأفعال قبل التعليمات.

متى يبدأ بناء العقل؟

عزيزي المربي، يبدأ بناء العقل لدى الطفل من مرحلة الطفولة المبكرة، عبر الأسئلة المفتوحة على غرار: بماذا تشعر؟ ما رأيك ؟ كيف ترى ما حدث ؟ بالإضافة إلى أهمية اللعب في هذه السن المبكرة التي يتفتح فيها عقل الطفل ومداركه.

أخطاء تربوية شائعة

من الأخطاء التربوية الشائعة بين الآباء والأمهات في تربية الأبناء أن يطالبا الطفل بالتنفيذ فقط دون نقاش أو حوار أو فهم أسباب ذلك، وإن تساءل الطفل عن الأسباب يكون الجواب: «وأنت مالك؟»، أو «نفذ وبس»، و«أنا قلت كده».

هل يجوز للطفل أن يقول «لا»؟

في التربية الواعية، نعد أن قول الطفل «لا» بأدب هو علامة صحية تدل على بزوغ الشخصية المستقلة. دورك ليس قمع هذه الـ«لا»، بل تهذيبها وتحويلها إلى نقاش. الطفل الذي لا يستطيع قول «لا» لوالديه اليوم، لن يستطيع قول «لا» لأصدقاء السوء أو للمخدرات غدًا. شجع طفلك على التعبير عن رفضه بمبررات منطقية.

هل الطاعة العمياء مفيدة للأطفال؟

لا، لأنها وإن نجحت في ضبط سلوك الطفل الخارجي لكنه ضبط مؤقت سرعان ما يثور الطفل عليه عندما يكبر، فضلًا عن أنها لا تبني ضميرًا داخليًا وهو جوهر عملية التربية.

كيف أربي طفلي على الفهم لا الخوف؟

بالحوار والنقاش واحترام عقل الطفل والاستماع الفعال والإنصات الجيد لما يقول.

تفاهم مع طفلك بالحوار الهادئ والنقاش واحترام عقله

هل كثرة النقاش تُضعف هيبة الأب؟

لا، بل العكس صحيح، النقاش والحوار مع الطفل يزيده قربًا من والده.

ختامًا، عزيز المربي، تربية الطفل ليست سهلة، لكنها أيضًا ليست مستحيلة، كونها تتطلب أبًا حكيمًا وأمًا متفهمة، يعتمدان أسلوب الحوار والنقاش، ويتجنبان العقاب والضرب، يحترمان آراء الطفل مهما كانت خاطئة، ويشجعان التفكير المنطقي وطرح الأسئلة؛ لأن الغاية في النهاية إحياء ضمير الطفل وتنمية وعيه. فالطفل الذي يفهم، لن يحتاج من يراقبه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة