الفرق بين الراوي العليم والراوي المحدود في السرد الروائي والقصصي

معرفة الفرق بين الراوي العليم والراوي المحدود في كتابة القصة أو الرواية يتطلب معرفة أنواع الراوي بشكل عام وأهمية استخدام الطريقة المناسبة في عملية السرد، إذ إن كلًا منها يحكي من منظور مختلف، وبالتالي يحدد شكل العمل وكيفية صناعة الأحداث وظهور العواطف والأفكار. ويعد من عوامل نجاح الرواية أو فشلها، وبالتالي يعد اختيار الراوي المناسب إحدى المهارات الأساسية في الكتابة.

ما هو الراوي في القصة والرواية؟

يطلق مصطلح الراوي ليعبر عن الصوت الذي يسرد ويحكي القصة أو الرواية. قد يكون الراوي أحد أبطال العمل أو صوتًا خفيًا غير موجود في الأحداث. ومن خلال هذا الصوت، نتعرف على الشخصيات والعلاقات بينها، كما يمكن التعرف على ما يدور بداخلها وما هو غير موجود في المشهد القصصي أو الروائي.

وهنا يقوم الكاتب باستخدام الراوي المناسب لنوع الرواية والحبكة التي يستخدمها وطبيعة الشخصيات والأثر الذي يرغب في تركه لدى القراء؛ وقد يشارك الراوي في الأحداث، وبالتالي تتولى إحدى الشخصيات مهمة الراوي. ومن الممكن أن يكون الراوي مجرد معلق على هذه الأحداث، مثلما يحدث في مباريات كرة القدم حين يقوم المعلق بوصف الأحداث.

كذلك، يمكن للكاتب من خلال صوت الراوي أن يظهر بعض الأمور ويخفي بعضها بغرض فني. وقد ينحاز الراوي لإحدى الشخصيات في الرواية، كما يمكن أن يكون راويًا محايدًا أو حتى صاحب قناعات محددة. وبالتالي، لا بد أن نفرق بين الراوي الذي يعد جزءًا من العمل وبين الكاتب الذي يقوم ببناء العمل بالكامل.

أنواع الراوي في القصة والرواية

يوجد 3 أنواع مشهورة للرواة في القصة والرواية، ومن خلالهم يتعرف القارئ على الشخصيات وسلوكياتها وطبائعها، وربما يتعرف على معلومات سابقة وقديمة وأفكار وأحلام وانطباعات تدور في أذهان وقلوب هذه الشخصيات، وهذه الأنواع الثلاثة هي كالتالي:

أسلوب الراوي الأول

الراوي الأول من أشهر أنواع الرواة في كتابة القصة والرواية، ويتم استخدامه عن طريق استخدام ضمير المتكلم من خلال إحدى الشخصيات الموجودة في العمل الروائي. نتحدث عن سيرته ويصف الشخصيات الأخرى من وجهة نظره، ودائمًا يكون الحديث باستخدام ضمير المتكلم سواء كان للمفرد أو المثنى أو الجمع.

مثلًا، يقول الراوي الأول: (لقد فزنا بالمباراة على الفريق المنافس لأننا قمنا بالتحضير لها وكنا في غاية الحماس، وفي النهاية استطعنا الحصول على ما سعينا له طوال الفترة السابقة). أو أن يقول: (لقد عدت إلى المنزل وأنا أشعر بالإرهاق والتعب، فلم أتناول طعام العشاء وذهبت مباشرة إلى غرفتي لأحصل على قسط من النوم والراحة).

مميزات أسلوب الراوي الأول

غالبًا ما يلجأ الكتاب والمؤلفون إلى استخدام استراتيجية الراوي الأول لكي يجعل القراء يندمجون مع الشخصية ويتبنون مواقفها ويعيشون معها نفس التجربة. فعندما يقوم القارئ بقراءة الأفعال بصيغة المتكلم، يشعر وكأنه هو من يقوم بهذه الأحداث ويشارك فيها، وبالتالي يتأثر بشخصية الراوي بشكل كبير.

يعد استخدام أسلوب الراوي الأول من أكثر الأساليب التي تظهر الجوانب الداخلية في الشخصيات، وتجعل القارئ يصل إلى مناطق بعيدة في التركيبة النفسية، ويعرف ما يدور داخل بطل الحدث من صراعات وأحاسيس ومشاعر ومخاوف، ولا يكتفي فقط بما يحدث في العالم الخارجي من حوارات وأحداث وتداخلات مع الشخصيات الأخرى.

عيوب أسلوب الراوي الأول

كما أن الراوي الأول أداة مهمة يمكن استخدامها بكفاءة عالية، فهي أيضًا تحمل قدرًا من المخاطرة والعيوب؛ حيث يصبح الكاتب حبيسًا في الشخصية التي اختارها لتؤدي دور الراوي، وبالتالي يكون من الصعب عرض الشخصيات الأخرى بنفس العمق. كذلك، قد يكون الراوي الأول سببًا في فشل العمل الروائي إذا لم يكن شخصية جذابة ومثيرة للقارئ، وبالتالي يشعر القارئ بأنه غير قادر على إكمال العمل لأنه لا يشعر بالمتعة نتيجة توحده مع هذه الشخصية.

الأمر الآخر أن الراوي الأول يتبنى وجهات نظره الشخصية، وبالتالي قد يكون هذا الراوي غير موثوق فيعرض الأمور بشكل غير نزيه، وهو ما قد يرفضه القارئ إذا لم يتوافق مع أفكاره ولم يستطع الكاتب أن يجعله يتبنى نفس الحالة ونفس وجهات النظر.

أسلوب الراوي الثاني

تعد استراتيجية الراوي الثاني من الاستراتيجيات الموجودة والمتاحة في عالم الكتابة الروائية والقصصية، لكنها أقل الاستراتيجيات استخدامًا نظرًا لصعوبتها، كما أنها لا تتحمل استخدامها في عمل طويل، وبالتالي يمكن استخدامها في القصص القصيرة أو في بعض مناطق الرواية.

يتم استخدام استراتيجية الراوي الثاني باستخدام ضمير المخاطب سواء كان هذا الخطاب للمفرد أو المثنى أو الجمع، مثل أن يقول المؤلف: (أنت شخص غير مسؤول ولا تستحق هذه الثقة التي حصلت عليها، وعليك تعديل سلوكك، وإلا فستواجه مصيرًا لا تتحمله) أو أن يقول: (لماذا تراجع مستواكم في الفترة الأخيرة بعد أن كنتم أفضل مجموعة موجودة على الساحة؟ هل بدأتم تشعرون بالملل أم أنه الكسل الذي تسلل إلى نفوسكم؟)

مميزات أسلوب الراوي الثاني

يتم استخدام استراتيجية الراوي من النوع الثاني في الرواية لكي يجعل الكاتب من القارئ إحدى شخصيات العمل والتي تشارك في الأحداث، وهو ما يشعر القارئ بأنه يعرف الكثير ويؤثر في سير الرواية. كذلك، تمكن هذه الاستراتيجية الكاتب من نقد الشخصية الرئيسية وبناء وجهة نظر مختلفة، وهو ما يسمح بعمل الصراع والدراما داخل الرواية ويزيد المشاهد قوة وسخونة ويجعلها تتصاعد.

عيوب أسلوب الراوي الثاني

استراتيجية الراوي الثاني من الاستراتيجيات المحدودة جدًا على مستوى الإمكانيات والحلول داخل الرواية، وبالتالي فهي أقل أنواع الرواة استخدامًا. وقد يلجأ إليها بعض الكتاب لأسباب فنية في القصة أو في أجزاء من الروايات. وإذا لم يكن الراوي الثاني لديه بعض الأسرار أو الأمور المفاجئة، فسيشعر القارئ بالملل والضيق من طريقة السرد والحكي في الرواية، وهو ما يصب بشكل سلبي في تقييم العمل الروائي.

كذلك، فإن وجهة نظر الراوي الثاني تعد وجهة نظر محدودة بالنسبة لصوت الراوي الأول، وبالتالي يضع الكاتب نفسه في إطار مغلق لا يستطيع من خلاله الخروج والتنقل بين الشخصيات وعرض وجهات النظر الأخرى ومعرفة ما يدور بداخلها.

أسلوب الراوي الثالث

تعد استراتيجية الراوي الثالث من أكثر الاستراتيجيات استخدامًا في القصة والرواية، وهي تعتمد على السرد بطريقة ضمير الغائب سواء كان للمفرد أو المثنى أو الجمع. فعلى سبيل المثال، يقول الكاتب: (بدأ الناس في القرية يجمعون المال لبناء مدرسة صغيرة، حتى العائلة الفقيرة باعت جزءًا من مخزونها للمشاركة، والعائلة التي تعيش على أطراف القرية جاء أبناؤها ووضعوا جزءًا من رصيدهم في الصندوق) أو أن يقول: (تردد الرجل في أن يقبل بهذا العمل نظرًا لقلة الراتب، إلا أنه فكر في أبنائه الذين يحتاجون إلى الطعام والشراب والملبس وقرر أن يقبل به).

تسمح استراتيجية الراوي الثالث بالتنقل بين الشخصيات، وسرد الأحداث التي تدور في الخارج، وكذلك سرد ما يدور بداخل هذه الشخصيات من انفعالات وعواطف ومشاعر وأفكار ووجهات نظر ورغبات خفية.

مميزات أسلوب الراوي الثالث

تمتلئ استراتيجية الراوي الثالث بالمميزات التي تغري الكتاب باستخدامها، مثل القدرة على الدخول إلى الشخصيات والتنقل بينها بحرية، بالإضافة إلى الحبكات التي يستطيع الكاتب استخدامها اعتمادًا على الأحداث أو الحوار أو حتى على الجانب النفسي، كما تمكن استراتيجية الراوي الثالث من رفع مستوى الأحداث وسقف التوتر والإثارة في المشاهد بشكل منفصل وفي العمل بشكل كامل.

كذلك، تسمح هذه الاستراتيجية بنقل المشاهد إلى أماكن أخرى لا توجد فيها الشخصيات التي تتولى السرد في الطرق السردية الأخرى.

عيوب أسلوب الراوي الثالث

إذا لم يكن الكاتب متمكنًا من استخدام هذه الاستراتيجية، فإنها قد تتسبب في سقوط العمل الفني لأنها تحتاج إلى كثير من الحبكة والمعرفة والبناء القوي للشخصيات وتعد هذه الاستراتيجية أكثر تشعبًا على مستوى عرض الشخصيات وما يدور بداخلها، وكذلك على مستوى تشعب الأحداث والأماكن التي تشهد هذه الأحداث.

قد لا يتعاطف أو ينحاز القارئ لإحدى الشخصيات في هذه الاستراتيجية؛ حيث يشاهد من الخارج دون أن يتوحد مع أحد الأبطال، وهو ما قد يكون عيبًا في بعض الروايات.

الفرق بين الراوي العليم والراوي المحدود

في استراتيجية الراوي الثالث، يلجأ الكاتب إلى إحدى طريقتين رئيسيتين، وهما طريقة الراوي المحدود أو طريقة الراوي العليم، وكلاهما ينتمي إلى استراتيجية الراوي الثالث.

تعتمد طريقة الراوي المحدود على استخدام راوٍ ثالث يصف الأحداث دون الدخول إلى عمق الشخصيات ومعرفة ما يدور خارج المشهد، ولا يمتلك المعلومات التي يستطيع أن يضيفها إلى الصورة أو الكاميرا التي تصف هذا المشهد. أما الراوي العليم، فهو يقدم المعلومات سواء كانت تاريخية سابقة أو حاضرة، أو حتى معلومات غير موجودة في المشهد. كما أنه يعرف ما يدور داخل الشخصيات ويستطيع أن يصفه للقارئ، فيتجاوز دور الكاميرا ويستخدم اللغة في التصوير لكي ينتقل من الداخل إلى الخارج والعكس.

بالنسبة للراوي المحدود، يستطيع أن يطرح الأسئلة مثل أن يقول: (نظرت الفتاة إلى أمها المريضة، وفي عينيها كانت الدموع تتلألأ ويدها ترتعش، ولكنها لم تقل كلمة واحدة. فماذا كان يدور في عقلها وماذا كان يحمل قلبها في هذه اللحظة؟) وهنا وصف الراوي المشهد وطرح سؤالًا عن مشاعر الفتاة، ولكنه لم يستطع الإجابة.

أما الراوي العليم، فيستطيع وصف المشهد ثم التعليق عليه من خلال وصف ما يدور داخل الشخصيات الموجودة في المشهد، مثل أن يقول: (نظرت الفتاة إلى أمها المريضة، وفي قلبها كانت مئات السكاكين تقطع أحشاءها، وكان عقلها يتصور كيف تكون حياتها بدون هذه الأم الحنون. فلم تتمالك نفسها حين لمعت دموعها وارتعشت يداها).

كيف يختار الكاتب نوع الراوي المناسب؟

بعد أن تعرفنا على أنواع الرواة الثلاثة وفهمنا كيف يمكن للراوي أن يؤثر بدرجة كبيرة في جودة العمل الروائي وقدرته على تحقيق أغراضه الفنية، فإن اختيار نوع الراوي المناسب هو إحدى المهارات الأساسية في عملية كتابة الرواية.

  1. قبل أن يحدد الكاتب أي نوع من الرواة هو الأنسب، يجب أن يدرس شخصيات العمل جيدًا وينظر إليها بعين القارئ ليرى أي الشخصيات أحق بأن يتولى دور الراوي، وما هي الفكرة العامة التي يرغب في توصيلها للقارئ.
  2. يجب ألا يقع الكاتب في غرام أو حب إحدى الشخصيات في العمل الفني دون الآخر، حتى الشخصيات التي تتبنى أفكارًا وسلوكيات يرفضها الكاتب، لكن هذه الشخصية من صناعته، وبالتالي لا بد أن يكون محايدًا في التعامل مع الشخصيات لكي تكون لديه القدرة على اختيار نوع الراوي المناسب.
  3. كثير من الأعمال الروائية اعتمدت على راوٍ ثانوي وليس بطلاً رئيسيًا في العمل، واستطاع أن يتنقل بين الأحداث والشخصيات ويروي العمل بشكل ممتع. كذلك كانت هناك روايات رائعة انتقل فيها الكاتب بين أنواع الرواة الثلاثة.

بالتالي، يجب أن نفهم أن مسألة اختيار الراوي تخضع للمهارة والخبرة والثقافة والتجربة لدى الكاتب، والتي يكتسبها مع الوقت. كما أنها قابلة للتجريب؛ حيث يستطيع الكاتب أن يغير وجهة نظره ويعود إلى كتابة الرواية بعد المضي في كتابة بعض صفحاتها إذا شعر أن اختيار الراوي كان خطأ من البداية.

في الختام، يتبين لنا أن اختيار وجهة النظر السردية هو الحجر الأساس الذي يشكل وعي القارئ بالقصة وعلاقته بأبطالها. ويمثل الفرق بين الراوي العليم والراوي المحدود الفرق بين كاميرا طائرة تكشف الوجدان والتاريخ وصراعات النفوس الخفية، وبين عدسة محددة تلتزم بحدود الرؤية البشرية لتصنع الغموض والتشويق، ويكمن الإبداع الحقيقي في قدرة الكاتب على اختيار الصوت الذي يخدم حبكته، ويمنح شخوصه المساحة الأكثر تعبيرًا وعمقًا.

أي نوع من الرواة ينجح في جذبكم واختطاف انتباهكم أكثر؛ الراوي العليم بكل الخبايا أم الراوي المحدود الذي تكتشفون الأسرار معه خطوة بخطوة؟ شاركونا تجربتكم في التعليقات، ولا تترددوا في مشاركة هذا المقال مع أصدقائكم المهتمين بفنون الكتابة والأدب على منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.