من الناحية العلمية، توجد فروق جوهرية بين الدجاج التجاري الذي نطلق عليه الدجاج الأبيض وبين الدجاج البلدي أو المحلي، وهو ما يعود إلى عوامل الوراثة وسرعة النمو وطبيعة التغذية. وبالتالي، تؤثر هذه الفروق على القيمة الغذائية وخصائص اللحم والنكهة وكمية الدهون والكوليسترول.
وفي هذا المقال نوضح لك الفرق بين الدجاج البلدي والأبيض، وهل حقًّا يتم استخدام الهرمونات لزيادة وزن الدجاج، ولماذا يفضل المستهلك العربي تاريخيًّا الدجاج البلدي رغم ارتفاع سعره وصعوبة طهيه.
ما الفروق العلمية الجوهرية بين الدجاج الأبيض والدجاج البلدي؟
يستند التمايز الجوهري بين الدجاج التجاري (الأبيض) والدجاج المحلي (البلدي) إلى حقائق علمية دقيقة، يمكن تلخيصها في 4 محاور أساسية:
الفروق الوراثية وسرعة النمو
- نتج الدجاج الأبيض عن سلالات مهجنة وراثيًّا بشكل مكثف لإنتاج سلالات سريعة النمو، ليصبح وزن الدجاجة الصالحة للتسويق نحو 2 كيلو تقريبًا في نحو 40 يومًا.
- أما الدجاج البلدي، فهي سلالات محلية أصيلة تحتاج إلى وقت طويل في النمو قد يصل إلى 4 أو 5 أشهر قبل أن تصل إلى الوزن المناسب، وهو ما يجعلها تتميز بمناعة أعلى وقدرة على التحمل والتكيف مع الظروف المختلفة.
طبيعة اللحم والقوام
- الدجاج الأبيض يتميز باللحم الطري ذي اللون الأبيض وقليل الألياف، وذلك بسبب تربيته في أماكن مغلقة، وبالتالي لا يتحرك الدجاج كثيرًا.
- الدجاج البلدي يتميز باللحم الأحمر أو الوردي الداكن ويمتلك أليافًا عضلية قوية بسبب التجوال والحركة والنشاط.
النكهة والطعم
- يتميز الدجاج الأبيض بنكهة خفيفة، وبالتالي فهو الأفضل في امتصاص التتبيلات والوصفات المختلفة.
- أما الدجاج البلدي فذو نكهة قوية وبريّة يمكن تمييزها، ولا يحتاج إلى استخدام التتبيلات والبهارات بكثرة لإظهار الطعم والنكهة.
القيمة الغذائية
- يحتوي الدجاج الأبيض على دهون مشبعة تحت الجلد بسبب الأعلاف التي يتناولها، أما الدجاج البلدي فيحتوي على دهون أقل، وهو ما يجعله يبدو أشد هزالاً من الدجاج الأبيض.
- بالنسبة للبروتين، فإن الدجاج البلدي يتفوق في نسبة البروتين لأنه ينمو ببطء، بالإضافة إلى زيادة في معادن الزنك والسيلينيوم.
العوامل البيئية والصحية
- يعتمد الدجاج الأبيض بشكل كلي على الأعلاف المركزة، وبالتالي يحتاج إلى طريقة معينة في التربية حيث البيئة محكومة بالحرارة والتهوية حتى لا يصاب بالأمراض التنفسية.
- بالنسبة للدجاج البلدي، فهو يُربى منزليًّا أو بشكل حر، وبالتالي يأكل المخلفات الطبيعية والحبوب، مما يجعل طعمه أكثر وضوحًا وجودة على مستوى النكهة.

ما الذي يمنع انتشار مزارع الدجاج البلدي؟
بالطبع لا تنتشر مزارع الدجاج البلدي كما هو الحال مع الدجاج الأبيض بسبب تحديات اقتصادية وبيولوجية تجعل عملية الاستثمار في الدجاج الأبيض صعبة للأسباب التالية:
- دورة رأس المال بطيئة: يحتاج الدجاج البلدي إلى نحو 150 يومًا ليصبح صالحًا للبيع، وهو ما يعد تكلفة كبيرة مقارنة بالدجاج الأبيض الذي يحتاج إلى 45 يومًا فقط.
- انخفاض كفاءة التحويل الغذائي: الدجاج البلدي يحرق كثيرًا من الطاقة نتيجة الجري والحركة والنشاط، وبالتالي يحتاج لكميات علف أكبر لينمو مقارنة بالدجاج الأبيض الذي يحول العلف إلى لحم بكفاءة أكبر.
- عدم تجانس الأوزان: عند تربية الدجاج البلدي، تخرج الطيور بأوزان مختلفة ومتفاوتة، وهو ما يعد عقبة اقتصادية مقارنة بالدجاج الأبيض الذي تخرج فيه كل الطيور تقريبًا بنفس الوزن.
- السلوك العدواني: يتميز الدجاج البلدي بسلوكه العدواني، وبالتالي يصعب وضع عدد كبير من الطيور في عنبر واحد، بينما الدجاج الأبيض يبدو مسالمًا ويسمح بالتربية المكثفة في عنابر صغيرة.
- غياب الشركات الأم: على المستوى العالمي، توجد شركات كبرى تدعم سلالات الدجاج الأبيض وتوفر الجينات المدروسة بدقة، أما الدجاج البلدي فيتم تربيته بشكل عشوائي دون برامج لتحسين الوراثة.
- سعر الاستهلاك: في النهاية، يفكر المستثمر في السعر الذي سيطرحه على المستهلك، ومع كل هذه العقبات يبدو السعر النهائي مضاعفًا بالنسبة للدجاج البلدي، حتى ولو كان المستهلك يفضله، إلا أن القوى الشرائية تحكم عملية الاستهلاك.

ما الخرافات المتداولة حول الدجاج الأبيض والبلدي؟
نسمع كثيرًا خرافات منتشرة حول الدجاج في منطقتنا العربية نتيجة دمج حقائق قديمة مع معلومات مغلوطة، ومن أبرز هذه الخرافات المتداولة ما يلي:
- حقن الهرمونات في الدجاج الأبيض: تقول الخرافة إنهم يحقنون الدجاج الأبيض بالهرمونات لينمو بسرعة، أما العلم فيقول إن حقن الهرمونات مكلف جدًّا لدرجة تجعله مستحيلاً في تربية وتجارة الدجاج.
- الدجاج البلدي لا يمرض: خرافة أخرى يصدقها كثير من الناس، أما العلم فيقول إن الدجاج البلدي أكثر تحملاً من الأبيض، إلا أنه يسبب نفس الأمراض التنفسية، والفرق بينهما أن موت الدجاج البلدي يكون أقل جماعيًّا مقارنة بما يحدث في مزارع الدجاج الأبيض.
- لحم الدجاج الأبيض غير مفيد: تنتشر بين الناس شائعة غريبة أن لحم الدجاج الأبيض عبارة عن تفل لا قيمة له، وهذا كلام غير سليم من الناحية العلمية، حيث يحتوي لحم الدجاج الأبيض على البروتين والأحماض الأمينية، إلا أن الدجاج البلدي يتفوق في تركيز بعض المعادن.
- غسل الدجاج بالخل يقتل البكتيريا: خرافة أخرى تجعل الناس ينقعون الدجاج في الخل والليمون، وهو ما يغير رائحة الدجاج، إلا أنه لا يقتل البكتيريا الموجودة داخل الأنسجة. أما العلم فيقول إن الطريقة الوحيدة لقتل البكتيريا هي الطهي في درجة حرارة لا تقل عن 75 درجة مئوية.
- الدجاج الأبيض يسبب البلوغ المبكر: معلومة غريبة وخاطئة تقول إن الدجاج الأبيض يسبب اضطرابات هرمونية وينعكس بالبلوغ المبكر على الأطفال، وهو أمر ينكره العلم، حيث إن البلوغ المبكر يخضع لقواعد السمنة والوراثة والتعرض للملوثات البيئية.
لماذا يفضل المستهلك العربي تاريخيًا الدجاج البلدي عن الأبيض؟
هل الدجاج البلدي أفضل؟ صراحة لا يسعني القول بوجود أسباب علمية لتفضيل المستهلك العربي للدجاج البلدي تاريخيًّا، حيث يبدو الأمر وكأنه مزيج من الاعتبارات الثقافية والطبيعية والصحية، والتي يمكن تفنيدها كالتالي:
- القيمة الحسية: نتيجة الطعم القوي الذي يتميز به الدجاج البلدي، وطبيعة المطبخ العربي الذي يميل إلى عمل أصناف تحتاج إلى لحوم ذات مرق ودسم مثل الشوربة والفتة والملوخية.
- الموروث الصحي: كما أوضحنا سابقًا، يعتقد العرب تاريخيًّا أن لحم الدجاج البلدي أكثر صحة، وهم واثقون كثيرًا في تربيتهم للدجاج بأنفسهم، خاصة عند تربيته في الهواء الطلق وتحت الشمس، أكثر من الدجاج المربى في المزارع المغلقة.
- القوام العضلي: يهتم المستهلك العربي كثيرًا بملمس اللحم المتماسك، الذي يظن أنه يدل على قوة الطائر وجودته، بينما يظهر اللحم الأبيض لينًا وأبيض، مما يوحي للمستهلك العربي بأنه ضعيف أو غير ناضج فسيولوجيًّا.
- الحالة الاجتماعية: ينظر المستهلك العربي إلى الدجاج البلدي باعتباره رمزًا للكرم والتقدير للضيوف، خاصة في العزائم والولائم الكبرى، نظرًا لارتفاع سعره وندرته مقارنة بالدجاج الأبيض.
في المحصلة، الفرق بين الدجاج الأبيض والبلدي لا يرتبط بالجودة المطلقة لأحدهما على حساب الآخر، بل باختلاف جينات السلالات، وطبيعة الحركة، والتحويل الغذائي. فبينما يتربع الدجاج الأبيض التجاري على عرش الوفرة الاقتصادية واللحم الطري سريع الطهي، يحتفظ الدجاج البلدي بتميزه الفسيولوجي المتمثل في تركيز البروتين العالي، والدهون الأقل، والنكهة البرية القوية التي تلائم أصالة المطبخ العربي.
يسعدنا الآن أن تشاركونا آراءكم في التعليقات: أيهما تفضلون على مائدتكم ولماذا؟ ولا تنسوا مشاركة المقال على منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.