الفرحة.. المفهوم والجذور والملابسات

الفرحة يا لها من إحساس هائل يسعى الإنسان إليه بكل قوّته! والفرحة إحساس مكثّف بالسعادة دائماً ما نسعى إليه في جميع محطات حياتنا، حيث تتجمّع حول لحظة الفرحة كثير من لحظات حياتنا، وربما كان أول خبرتنا بالفرحة في مقتبل العمر هي فرحة الاحتفال بالأعياد، فيوم العيد هو يوم غير عادي، حيث نستعد له بأفضل الملابس الجديدة، وبأشهى الطعام والشراب، هذا غير التزاور المجتمعي ورؤية من لا يسمح لنا جو الحياة الروتينيّ برؤيتهم، ثم يرتبط أيضاً يوم العيدبالنزهات والتحرُّر من القيود اليومية...

اقرأ أيضاً رهاب السعادة.. هل الخوف من الفرح شعور طبيعي؟

ما هي حالة الفرح؟

إذن هذا اليوم الذي نفرح فيه تجتمع فيه كثير من العوامل التي تجعلنا نحسّ بوجودنا وتميّزنا في الحياة عن غيرنا وعن حياتنا الاعتيادية، وأول هذه العوامل هو الابتهاج بالملبس الجديد الذي حيث يشير ذلك إلى رغبتنا الدفينة في التغيير، وفي وضع أنفسنا في صورة جميلة تلفت أنظار الآخرين إلى وجودنا ممّا يعزّز إحساسنا به.. 

العامل الثاني ربما يكون هو الإحساس بالحرية من ربقة وروتين الحياة اليومية وربما ينمو هذا الإحساس عندما ننضج قليلاً ونتعرّض لملل الحياة اليومية المتكررة.. وترتبط فرحة العيد بوجود الآخرين ممّا يعني أنها إحساس متميّز بالوجود لا يتحقق إلّا في وجود الآخرين، ولا يكتفي الإنسان بهذه العناصر لكنه يضفي عليها وسائل أخرى تحقق لنا الإحساس بالسعادة الفائقة مثل: أفضل الطعام، والشراب، والنزهات، والتعبير عن الفرحة بالغناء والرقص أحياناً.. 

إذن عوامل الفرحة الرئيسية هي: التجديد، والحرية، ووجود الآخرين، والإحساس بالقوة، والنصر على عوامل الضعف، والوهن، والتكرار في الحياة، وتتضافر هذه العناصر جميعاً لتعطينا إحساساً قوياً بوجودنا في الحياة بوجودنا المميّز في الحياة كما تولّد فينا أمالاً قوية في حياة أفضل وأجمل وأبقى.

اقرأ أيضاً سبع استراتيجيات للثروة والسعادة

محطات الفرحة في حياة الإنسان

رغم أن الأعياد تمثّل محطة رئيسية كبرى لقطار الفرحة في حياة الإنسان، لكن هناك محطّات رئيسة أخرى مثل: النجاح في المراحل الدراسية الرئيسية، وخاصّة تلك التي تنقل الإنسان من مرحلة لمرحلة مختلفة في الحياة مثل: النجاح الذي يؤدّي لدخول الجامعة، حيث تمثل هذه المرحلة خطوة رئيسية في حياة الإنسان تحدد وضعه ومصيره في المجتمع لفترات طويلة ثم التخرُّج من الجامعة والانطلاق لسوق العمل.. 

يحسّ الإنسان بالفرحة خلال هذه المراحل؛ لأنه يتأكد من ضمان وجوده ربما بالصورة التي يتمناها.. إذن ترتبط الفرحة بتأكيد الوجود العملي في الحياة واعتراف وتقدير الآخرين لهذا الوجود، ورغم أهمية هذه المراحل في الوجود المعنوي للإنسان إلّا أن الفرحة الأكبر ربما تتمثّل في النجاح في الحبّ، والزواج، وتكوين أسرة.. 

فتعتبر لحظة الزواج من أهم فترات حياة الإنسان المعنوية، ويطلق أحياناً على ليلة الزفاف ليلة العمر إشارة لأهميتها القصوى. إذن النجاح في الدراسة والعمل يؤكدان الوجود العملي للإنسان، أمّا النجاح في الزواج فيؤكّد الوجود الوجداني وهو وجود خاصّ جداً، يتم من خلال علاقة خاصّة تشبع في الإنسان الإحساس بوجوده وقيمته، وتعطيه شعوراً إضافياً بامتداد وجوده وتأمينه من خلال أسرة تنمو وذرية في الطريق، وتتوالى محطّات الفرحة الوجدانية بعد الزواج في شكل إنجاب الأطفال وتنشئتهم ثم زواجهم وتكرار دورة الحياة، كما أن مظاهر الفرجة العملية بعد التوظيف تتمثل في النجاح في العمل، وفي تحقيق مكاسب مادية، وفي الترقي من منصب لآخر، ولا تختلف عوامل الفرحة كثيراً من نمط لآخر عن الفرحة الأولى في حياة الإنسان وهي فرحة العيد..

اقرأ أيضاً أفضل 6 خطوات لتحقيق النجاح

نواتج ومخرجات الفرحة

الفرحة تنتج شعوراً طاغياً بالسعادة، والقوّة، وتأمين، وترسيخ الإحساس الوجودي بالحياة، وهي العامل الغريزي الأقوى في مفهوم ومظاهر الفرحة الشعورية.. هذا الشعور القوي بالسعادة والإحساس الغني بالوجود يولّد في الإنسان طاقات إيجابية هائلة تجعله أقوى رغبةً ودافعية في تطوير حياته وحياة المجتمع الذي يعيش فيه.. 

وإذا تمّ استثمار مشاعر الفرحة الإيجابية على مستوى الجماعات الصغيرة والكبيرة لكان المجتمع في مجمله مفعماً بالطاقات الإيجابية وانطلق وتقدّم على المستوى الوجداني والعملي.. 

إذن الفرحة حدثٌ هامٌ في حياة الإنسان، وله مخرجات إيجابية على مستوى الفرد والمجتمع، ولتنسيق وإدارة الفرحة الفردية لكي تصب في إطار المجتمع يجب أن تكون هناك إدارة واعية للفرحة في المجتمع..

اقرأ أيضاً طرق تنظيم الوقت لتحقيق النجاح والثروة

الفرحة الفردية والفرحة الجماعية أو المجتمعية

ربما تكلّمت الأمثلة السابقة عن أشكال الفرحة الفردية، لكن هناك أيضاً فرحة جماعية يشارك فيها أفراد مجموعة من المجتمع أو أفراد المجتمع كله، وإذا كانت الفرحة الفردية تمثّل التغيير والحرية والنصر في حياة الفرد، فهناك فرحة جماعية يشترك فيها مجموعة من البشر أو كل المجتمع، فقديماً مثلاً كان انتصار أمة على أمة أخرى يمثل مناسبة للفرحة العارمة التي يشترك فيها كل أفراد الأمة نتيجة إحساسهم بالقوّة وتعزيز الوجود من هذا النصر، حتى إن هذا اليوم يمكن أن يعتبر عيداً سنوياً، ومع قرب اختفاء ظاهرة الحروب حلّت مظاهر النصر الرياضي محلّ الحروب لتعطي فرحة جماعية هائلة..

وهذه الظاهرة تشارك فيها جميع الأمم بصرف النظر عن المستوى الثقافي، فيوم النصر في بطولة رياضية على مستوى عالمي أو قاري يمنح الأمة التي انتصر فريقها شعوراً عارماً بالفرحة.. 

ويتجلّى هذا في مظاهر الاحتفال التي نعقب هذا النصر، هذه الفرحة الجماعية تولّد شعوراً إيجابياً في المجتمع، كما تقوي الروابط والمشاعر الإنسانية بين أفراد المجتمع وتزيد من ثقة أفراد المجتمع بأنفسهم، ولهذا نجد حرص السياسيين الكبار على حضور نهائيات هذه المناسبات حتى يستثمرون الفرحة لأنفسهم ولمجتمعاتهم.

اقرأ أيضاً أسس النجاح في مقابلات العمل

من هم سارقو الفرحة؟

على الجانب الآخر هناك من يتربصون من فرحة الآخرين، فلا يألون جهداً عن منعها أو وأدها منذ البداية، لكن ما الدافع لوجود وسلوك هؤلاء؟ ربما يكون الصراع الوجودي الذي نعيش في كنفه طوال حياتنا، فهؤلاء المتربصون يعلمون أن الفرحة تعزّز وجود الآخرين وهم يعلمون أن الطاقة والقوّة المتولّدة عن الفرحة يمكن أن تؤثّر على ميزان القوي مع الآخرين، ممّا قد يمثل تهديداً لوجودهم فيسعون بكل رغباتهم وقواهم لمنعها أو وأدها أو سرقتها.. 

وكان الأحرى بهؤلاء أن يفكّروا في صناعة الفرحة لأنفسهم بدلاً من بذل طاقتهم في قمع فرحة الآخرين، لكن ربما يكون عجزهم عن صناعة الفرحة لأنفسهم هو الذي لم يترك لهم فرصة أخرى غير هذا التصرّف المعطوب، والذي قد نصفه بسلوك غير أخلاقي ولكنه على الأخرى سلوك مرضي. 

فالإحساس بعدم القدرة على فعل شيء هي مرض، وليس في حد ذاته شرًّا، لذا فإن علاج الأمراض النفسية والتربوية منذ البداية سوف يوفر علينا مشقة علاج سلوكيات انحرافيه في الكبر، كما أن علاج الانحراف بعد حدوثه ربما يدخلنا في متوالية مفزعة من الأحداث النفسية الكئيبة، فيجب أن يكون من ضمن أهداف التربية هي تمكين الفرد على فهم الفرحة وصناعتها لنفسه وللآخرين..

أمثلة على ظاهرة سرقة الفرحة:

وهناك أمثلة كثيرة لأفعال انحرافية لسرقة الفرحة، وقد تأتي أحياناً ممن بيدهم سلطة أعلى من الآخرين، فيسيئون استخدام هذه السلطة لمصلحتهم الشخصية أو تحت تأثير أمراضهم النفسية، وذلك على حساب مصالح الآخرين، فمثلاً: الشخص الذي يعبث بنتائج أي امتحانات لمجاملة شخص ذو حظوة فيعطيه أفضل الدرجات، إنما يسرق فرحة شخص آخر ذو كفاءة وكد واجتهاد، فيكسر حلمه ويعسر واقعه. 

كما أن القاضي المرتشي الذي يصدر حكمه لصالح الراشي، إنما يرتكب جريمة سرقة فرحة صاحب الحق، وحكم المباريات الرياضية الذي تتأثّر قراراته بأهوائه وميوله إنما يسرق فرحة الفريق المظلوم وجميع محبيه ومشجعيه، كل هذه الأفعال الاحترافية التي تسرق الفرحة لا تؤثر فقط على من تعرّض مباشرة للظلم إنما تؤثّر على المناخ العام والرأي العام الذي ربما يفقد ثقته في ميزان العدالة المهزوز، ويفقد حلمه في تحقيق الفرحة والأفراح التي يستحقها، مما يضع المناخ النفسي للمجتمع تحت كنف سحابة سوداء من الشكّ وعدم الأمان، فلا يحلم بالفرحة ولا يصنعها.

اقرأ أيضاً استعيدي شبابكِ وحققي النجاح ببساطة للرجال والنساء

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

صباح السعادة
من نجاح الى نجاح ان شاء الله
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تسلم ايد حضرتك ي دكتور المقاله جميله ♥️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تحفه يدكتور 🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال جميل لكن الفرحة مش بس مرتبطة بالأحداث والنجاحات وممكن نلاقيها ف ابسط تفاصيل الحياه♥️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال جميل و لطيف مليان بالتفاؤل 💞
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تسلم ايدك حضرتك ي دكتور تحفة والله ❤❤
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

تحفه ي دكتور وأسلوب حضرتك جميل ماشاء الله❤️❤️❤️❤️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

اللهم بارك تحفه يدكتور جميل جداً واسلوب حضرتك جميل ❤❤
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

اللهم مبارك تحفه يدكتور ربنا يجعله في ميزان حسناتك وينفع بيك دائماً يارب♥️♥️♥️♥️♥️✨
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

حبيت المقال جدا 💗💗💗
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

رائعه💗💗💗💗
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

المقال وضح لي إن الفرح مش مجرد شعور عابر بل أعمق من كده ، وكمان فتح لي آفاق أكثر لمفهوم الفرح🥰🥰
مقالات حضرتك دايما مميزة يا دكتور🤍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

المقال جيد جدا ربنا يخلي حضرتك يا دكتور ويزيدك من علمه❤🥰
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

المقال مميز وجميل جدا ☺️
الفرحه إحساس جميل
وشيء مهم جدا ف حياة الانسان،
تأتي الفرحه عندما يبذل الانسان أقصي جهده ويواجه تحديات حياته ويغلبها بالنجاح والتفوق
الفرحه طاقتها مبتخلصش بل العكس انها تشجع الانسان أن يبذل جهد أكثر لكي يحصل علي الفرح ( السعاده)
تزداد السعاده بمشاركة من نحب.
☺️🤍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة