ظلت الفراشة مسار خيال الإنسان منذ آلاف السنين كرمز للجمال والرقّة, فُتن الناس بجمال أجنحتها الرقيقة ذات الألوان الجذابة، حباها الله بطبيعةٍ رقيقةٍ وساحرة، وألوانٍ زاهية، استحوذت الفراشة على مساحة واسعة من المعتقدات الدينية عند بعض الشعوب القديمة، حيث كان قدماء الإغريق يعتقدون أن الروح تغادر الجسد بعد الموت، على شكل فراشة. ويعد جمال هذه الفراشة مصدرًا من مصادر إلهام الفنانين والشعراء. وعلى الرغم من أن هذه الكائنات دقيقة في شكلها إلا أنها حشرات يكتنفها الغموض ولديها أنماط سلوكية معقدة تنظم علاقاتها وأساليب تكاثرها وتمنحها قدرة التكيف مع بيئتها.
لو نظرنا بدقة إلى أجنحة الفراشة نرى أمامنا أجنحة متناظرة الشكل تماماً، فهذه الأجنحة الشفافة مخلوقة كاللوحة المرسومة، وهي تمثل شيئاً فوق العادة في صناعتها، فجناحا الفراشة متشابهان في رسوماتهما وانتظام نقاطهما وألوانها، فلا توجد اختلاط في ألوانها الموجودة، وهذه الألوان تتكون من أقراص صغيرة جداً مرتبة واحدة بجانب الآخر، فإذا ما لمسنا هذه الأقراص الصغيرة فإنها تتشتت و تتفرق ولو تغير مكان أي قرص من هذه الأقراص الصغيرة فإنها تظهر في الأجنحة، فليس هناك على وجه الأرض فراشة أجنحتها بدون نظام، كأنها من صنع رسام واحد أو صانع واحد وخالق واحد عظيم لا مثيل لخلقه يبين لنا صفاته في أجنحة فراشة. قال تعالي:" هُوَ اللهُ الخَالَقُ البَارِئُ المُصَوِرُ لَهُ الأسماء الحُسنى يُسَبّحُ لَهُ مَا في السَّموَاتِ والأرض وَهُوَ العَزيُز الحَكيمُ" سورةالحشر24.
ملهمة الشعراء والفنانين
وقد أوحت هذه الفراشات للعديد من الشعراء والفنانين والرسامين في إبداعاتهم المختلفة، كل في مجال تخصصه فنظمت قصائد جميلة حولها، ورسمت لوحات ورسومات رائعة لها ولمحيطها ولطقوس عيشها وتكاثرها، وقد ترجم هؤلاء الفنانون ما كان يدور في خلدهم عند مشاهدتهم لهذه المخلوقات النورانية الشفافة وما أثارته فيهم من تساؤلات وحيرة وإعجاب، كما كتب العديد من الكتاب والشعراء عن هذه الظاهرة، سواء في وصف جمالها، أو عن محاولة حل ألغازها، أو التنبيه لبعض الأخطار التي تحدق بها.
يقول الشاعر المكسيكي أرتيغيز عن هذه الفراشات: «تنتقل في سرية ولطف، من غصن إلى غصن آخر، ومن شجرة إلى شجرة أخرى تتدفق كالبراعم النباتية المتلألئة، تنتشر كسجاد مزركش على بساط الثرى، وتنجد الأشجار، وتختلط بأوراقها، فيصعب على الناظر إليها التمييز بين هذه وتلك» .
تتميز ألوان أجنحة الفراشات عن ألوان أجسام بقية أنواع الكائنات الحية نباتاتها وحيواناتها بعدة ميزات أولها: العدد الهائل للألوان المختلفة التي تظهر على أجنحة مختلف أنواع الفراشات بحيث يعجز البشر على إطلاق أسماء على هذه الألوان. أما ثانيها فهي وجود عدد كبير من الألوان المختلفة على جناح الفراشة الواحدة وهي مرسومة على شكل لوحات فنية عجيبة يعجز أعظم رسامي البشر من تقليدها خاصة أنها مرسومة على لوحات بالغة الصغر إذا ما قورنت بلوحات الرسامين. أما ثالثها فهي أن ألوان أجنحة معظم أنواع الفراشات تتغير مع تغير زاوية نظر مشاهدها وأن لها بريق لا يوجد في ألوان الأشياء الأخرى.
ما أبسطها من فراشة تنهض مع الشمس تطير بجناحيها الناعمين إلى أجواء حلم فاتن تتلـو صلواتها على منابر الأغصان، يقف الزهر والزنبق في الحدائق سعيداً أمامها، تشارك العصافير غناها والورد ضحكه والنسيم همسه والنور مظهره وصفاه، تفتن الطبيعة بألوانها الزاهية كي تحيا وتسعد في بساتين الحياة ، تعيش بألوان الفرح وتطلق الحب الكامن من حناياها وترسم السعادة بابتسامات الجمال.
د. محمد السقا عيد
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.