قصة الفتح العالي الجزء الثاني: نهاية الصراع وظهور الحقيقة

في الجزء الأول من «قصة الفتح العالي» رأينا كيف انطلقت الرحلة في صيف 1939 لتسلق جبل «كانغشينغونغا» بقيادة المتسلق الشاب إدوارد واينتر وبمشاركة الجيولوجي الخبير مالكولم نيسبت وزوجته إيفلين والمتسلقين ليوبولد وبراون وفونس والدليل باسانغ.

وخلال الصعود، ظهر تعالي نيسبت ورغبته الهستيرية في النصر والسيطرة، وتسببت تصرفاته المريبة وحقده على واينتر في تعريض حياة زملائه للخطر؛ بداية من إهماله في تثبيت الخطاف وسقوط ليوبولد في الهاوية، مرورًا بصراخه الذي تسبب في انهيار ثلجي كاد يودي بحياة الدليل باسانغ. وبعد تجاوز العاصفة الثلجية ووصول الفريق إلى الجدار الجليدي الأخير قرب القمة، استلقى نيسبت خلفهم في الخيمة، ووقت تثبيت واينتر للحبل على الهاوية، وجَّه بندقيته نحو ظهره وضغط على الزناد.

وتدور أحداث الجزء الثاني حول الصراع النفسي والأناني للمتسلق مالكولم نيسبت في أثناء رحلة تسلق جبلية؛ حيث حاول إخفاء جبنه وتاريخه المظلم بإطلاق النار على زميله واينتر لقتله وسد الثغرة عن سره، ما تسبب في انهيار جليدي أودى بحياته تحت الثلج، ليموت وحيدًا مواجهًا مصيره في القمة.

تحلّق الصمت المحمّل بالعداوة والبغضاء في الحجرة الجليدية الصغيرة. ثم تكلم براون مرة أخرى بتصميم وقوة حادة:

«أنا أعتقد بأن الشخص الذي يقول بأنه لا يخاف أبدًا من الجبال هو كاذب حتى على نفسه. أنا أعتقد بأن الشخص الذي يتقدم ليتسلق الجبال ليس بدافع الحب ولكن برغبة التسلط هو الأكثر خوفًا على الإطلاق».

استعدل نيسبت في وضعه بعد أن كان منبطحًا على وجهه وحاول الكلام، ولكن واينتر تكلم أولًا: 

«أنا أعتقد أنك على حق. فمثل هذا الرجل يحاول الانتصار ليس على الجبل ولكن على نفسه. على خوفه الشخصي».

تحول غضب نيسبت الآن نحو المتحدث الجديد ثم ابتدأ كلامه:

«انظر هنا، واينتر».

لكن واينتر قاطعه:

«لهذا السبب فإنه يستحق الشفقة والمساعدة».

للحظة توازن نيسبت على موفق يده. كان وجهه أبيض وقسمات وجهه مثنية. ثم بشيء من التشنج انفجر:

«عليك اللعنة، واينتر. أنا لن أهان ولن أعامل باستعلاء. سوف تعتذر، عليك اللعنة».

ثم حاول أن يندفع بقوة عبر ليوبولد باتجاه واينتر. بيد واحدة طرحه الأمريكي أرضًا وهو يقول:

«عليك اللعنة، عليكم اللعنة جميعا».

قال واينتر وبدون أي شعور أو أثر للمرارة:

«أنا مسرور أنها ظهرت أخيرًا. نحن لا نستطيع الاستمرار طويلًا هكذا يا نيسبت. سوف نعود إلى المخيم السادس للتزود بتجهيزات جديدة. وبإمكانك البقاء هناك».

كان هناك صمت طويل عميق في الكهف. ثم تكلم نيسبت بصوت مخنوق:

«هذه خطتك لنزع ثقة إيفلين بي. أليس كذلك؟ أنت تعتقد بأنك حين تجعل مني جبانًا فإنها سوف تتركني وتذهب إليك. أليس كذلك؟».

«رجاءً، هذا ليس الوقت المناسب».

«هل تنكر بأنكما متحابان؟».

ثم كان هناك لحظة صمت:

«هذا موضوع يخصني أنا وحدي نيسبت. أنا احتفظت بهذا الموضوع بهذا الشكل وسيبقى كذلك. أنا آسف أن هذا الشيء قد حدث ولكني أعدك بأنه لن يطرح ثانية للنقاش».

عند حلول الليل كانت العاصفة قد وصلت نهايتها. بعدها وعندما كان الظلام يغلف الكهف الصغير وكان ليوبولد يغالب النعاس تحدث نيسبت مرة أخرى:

«واينتر هل أنت مستيقظ؟».

«نعم».

لم يستطع ليوبولد الذي كان مضطجعًا بينهما أن يمنع نفسه من الاستماع إلى حديثهما.

«اسمع إدوارد. إذا قلت لك إن هذه هي أعظم نقطة تحول في حياتي. إذا قلت لك إنني يجب أن أستمر أو أموت...».

«مالكولم. ربما إن كنت لوحدي. ولكنني مسؤول عن أرواح الباقين».

«حسنًا».

كانت هناك نبرة حزن في صوت نيسبت:

«هل بإمكانك أن تترك لي أحد الحمالين على الأقل. هل بإمكانك السماح لي بأن أبقى هنا. يجب أن يبقى أحدنا في هذا المخيم».

صمت واينتر مقلبًا الموضوع في ذهنه وأخيرًا قال:
«حسنًا».

وسكن الكهف الصغير.

في الصباح التالي كانت السماء معتمة وملبدة بالغيوم. ولكن المجموعة استعدت للعودة إلى المعسكر السادس.

كان توجيه واينتر:

«سيبقى نيسبت وفونس هنا».

لم يكن هناك أي تعبير بالدهشة لأن فونس هو الاختيار المنطقي لسرعة شعوره بالتعب أكثر من البقية.

انطلقت المجموعة بعد الفجر عائدة في الطريق الذي أصبح معروفًا بالنسبة لهم. فأتموا مهمتهم في وقت جيد ثم عادوا بسلام إلى مكان المخيم ووصلوا عندما كان الظلام يقترب. كان الكهف الجليدي خاويًا ووجدوا رسالة من فونس مثبتة بدبوس بحقيبة نومه:

«خرج نيسبت بقراره الشخصي. سأخرج للبحث عنه».

كان وجه واينتر أبيض وهو يقرأ الرسالة:

«كان يجب أن أتوقع... كان يجب ألا أسمح له بأن يخدعني».

«لا يمكنك أن تلوم نفسك لأجل هذا. يا إلهي. لقد جن الرجل»، قال ليوبولد.

مع هبوط الظلام الكثيف لم يكن هناك أمل في بحث ناجح قبل الصباح. وبدلًا من ذلك تناوبوا بالصياح وإشعال الضوء كمنارة. بعد مرور ساعتين من هبوط الليل، دخل فونس متعثرًا إلى داخل المخيم وكان مجهدًا تمامًا وغير قادر على المشي على رجليه المشلولتين من البرد.

وفي الكهف وعندما كان ليوبولد يقطع حذاءه وبراون يضغط على يديه المتجمدتين، أخبرهم فونس بما حدث:

«غادر نيسبت حالما غادرتم أنتم. قال إنه سوف يتقدم للاستكشاف. لم أكن قادرًا على إيقافه. لو كنت قد رأيته. ثم في منتصف النهار. وعندما لم يرجع ذهبت للبحث عنه. لم أقصد أن أذهب بعيدًا. لاحقته خطواته انطلاقًا نحو الحافة المرتفعة متوقعًا أن أجده بعد تلك الربوة القادمة. ثم حل الظلام ولم أكن قد ابتعدت أكثر من نصف ميل نحو الحافة ولكن الظلام جاء بسرعة وأحاط بي. حاولت تتبع خطواتي بالحبو على يدي وركبتي ثم رأيت نوركم».

«شكرًا لله»، قال واينتر ونظر إلى وجه فونس: «لا بد من معالجتها بأسرع ما يمكن».

كان وجه فونس منهكًا ولكنه ضابط النفس:

«أنا منسحب»، قال ببساطة.

«أجل يا بيير، مع الأسف».

استغرقت إعادة بيير إلى المخيم السادس يومًا كاملًا ومن هناك تم توجيه الحمالين لحمله إلى المستشفى في دارجلينغ. لم يفكر أحد في نيسبت. كان من المؤكد أنه قد مات ومع ذلك كان عليهم أن يبحثوا عنه.

لذلك وبعد فجر اليوم الثالث بعد العاصفة كانوا قد انطلقوا إلى الحافة المرتفعة حيث فقدوا نيسبت. كانت آثار فونس لا تزال واضحة ولكن آثار نيسبت وبعد يومين من هبوب الرياح فإنها زالت وانمحت تقريبًا. وكان بإمكانهم أن يروا آثاره عندما رجع وبدأ في طريق جديد يمتد ابتداءً من منحدر عائدًا إلى الحافة. وعندما رجعوا مرة أخرى إلى الحافة علموا ماذا حمل نيسبت على الرجوع والتحرك بهذه التحويلة المؤقتة. فقد كانت الحافة خلفهم تنشق في هوة عميقة من المستحيل عبورها. بعد خمسمائة ياردة وجدوا دلائل أول مخيم لنيسبت محفور في الثلج. وفي اليوم التالي استمروا في رؤية إشارات متفرقة لمرور نيسبت وفي نهاية اليوم مروا بمخيمه الثاني.

هز واينتر رأسه متعجبًا:

«ما زال حيًا ومستكشفًا في التقدم».

«يقودنا نحو الأعلى»، لم يستطع ليوبولد أن يمنع الإعجاب عندما قالها.

أقاموا معسكرهم الجديد التاسع عند مستوى خمسة وعشرين ألف قدم. في اليوم التالي استمروا في طريقهم.

أصبح تقدمهم صعبًا وحركتهم أبطأ. وهذا سيأخذ وقتًا أطول للوصول إلى هذا الارتفاع. ولكن كل رجل منهم أصبح متلهفًا ليس للوصول إلى القمة فقط، ولكن للحاق بنيسبت. بعد الظهر رأوه.

«انظر»، صاح براون مؤشرًا بيده.

وهناك فوقهم في الأعلى كانت نقطة سوداء على الشوكة الجليدية المدببة. راقبه واينتر بمنظاره:

«ما زال مستمرًا في التقدم على ركبتيه وهو يحدث ثقوبًا في الجليد».

«الأحمق. الأحمق الرائع».

«هيا بنا سنلحق به عند نهاية النهار».

شاهدوه ثانية عند قاعدة الحائط الجليدي. تقدمهم نيسبت بنحو ألف ياردة. لا بد أنه رآهم خلفه لكنه استمر في التقدم ثم وصل إلى الحائط الجليدي وتوقف. لم يعد هناك شيء آخر يستطيع عمله. رجل واحد ليس له أمل في التقدم أكثر من ذلك أبدًا. كان هناك ألف قدم من الثلج العمودي أو أكثر وفي بعض الأماكن فإنه ينحني عائدًا إلى الخلف مشكلًا منحنى مقعرًا.

كان نيسبت قد بدأ بحفر ثقب في الثلج عندما وصلوا إليه. وقف بمواجهتهم بدون أي تعبير على وجهه.

وقف واينتر ونظر إليه ثم ابتسم:

«عليك اللعنة. لقد قمت بعمل جيد، مالكولم. لم أعتقد أن بإمكانك أن تحقق هذا».

حدق نيسبت نحو واينتر بكبرياء. واستمر واينتر:

«مع ذلك وعلى الرغم من روعة ما فعلته فما كان يجب عليك أن تفعل ذلك. إنه تهور».

«إنها حياتي أنا»، أجاب نيسبت بحدة.

«لقد كانت حياة فونس أيضًا. لقد كاد أن يفقدها في البحث عنك. ربما وجب عليهم أن يبتروا...».

انهار دفاع نيسبت وأخفض عينيه وقال كما لو كان غاضبًا:

«لم يكن عليه أن يفعل ذلك. لقد أخبرته بأن لا يفعل».

ثم قال بقليل من الانكسار:

«أنا أسف لما حصل».

أصبح صوت واينتر ناعمًا:

«من الأفضل نسيان ذلك الآن. فمن الحماقة عدم اعتبار ذلك تعادلًا ونستمر في محاولتنا معًا. نحن على مرمى من الانتصار وهو انتصارك أيضًا».

ومد يده نحو نيسبت.

حدق نيسبت فيه فقط ثم أجاب في النهاية:

«لا أعتقد أنني أستطيع ذلك معك».

«لكنك ليس بإمكانك تسلق الجدار وحدك. إنه مستحيل».

«إنها حياتي وأنا حر بها».

«طبعًا. ليس لي سلطة عليك الآن»، أجاب واينتر.

بعدها أخذ ليوبولد طعام نيسبت إليه في خيمته حيث جلس على الفراش المطوي بلا حركة.

بعد فترة صمت جاء الصوت بشكل مهذب:

«شكرًا لك ليوبولد».

كانت نبرة صوته تكشف إحساسه نحو ليوبولد.

«هل يمكنني أن أجلس؟»، سأله ليوبولد. وعندما جلس على طرف الفراش انفتحت حقيبة نيسبت وبرز شيء من الحقيبة.

«ما هذا، عليك اللعنة»، تساءل ليوبولد.

اندهش نيسبت ثم استفاق بسرعة:

«كما ترى، بندقية»، أجاب مع ابتسامة صغيرة.

سأله الأمريكي بدهشة واضحة:

«لماذا؟».

صورة 5

 

ابتسم نيسبت مرة أخرى:

«يمكنك تسميتها اعتقادًا بالخرافات. أنا أحملها دائمًا معي عند التسلق. إنها نوع من القطع التي تجلب الحظ السعيد».

«لكن وزنها والتسلق لهذا الارتفاع...».

هز نيسبت كتفيه:

«إنها خفيفة جدًا لأنها مصنوعة خصيصًا. إنها ذات قدرة مذهلة ودقتها لحد أربعمائة ياردة».

هز ليوبولد رأسه مبتسمًا ولكن بشك:

«انظر، نيسبت»، قالها وهو يدخل في الموضوع: «نحن نريدك أن تعلم، براون وأنا متفقان تمامًا مع واينتر ونحن نريدك معنا».

«شكرًا لك ليوبولد».

«ونحن بحاجة إليك فغدًا لدينا عمل شاق. وكل ذراع جيدة مطلوبة للمساعدة».

أومأ نيسبت برأسه بصمت ثم تساءل بنظرة غريبة:

«وهل باسانغ شيتا يريدني أيضًا؟».

رمش ليوبولد بعينيه بدهشة.

«ألم يقل شيئًا عني على الإطلاق؟».

«كلا. ولماذا يفعل ذلك؟».

هز نيسبت كتفيه. ثم تذكر ليوبولد:

«أوه. ذلك الحادث في الأسفل. لقد نسينا الأمر. أنا متأكد».

ابتسم نيسبت لوهلة:

«سأفكر بالموضوع ليوبولد. شكرًا لقدومك».

كان الصباح صحوًا لهذه المحاولة النهائية الرائعة لتسلق القمة. الطقس الذي يصلي المتسلق للحصول على مثله. لقد كان حظًا جيدًا غير قابل للتصديق في ذلك اليوم.

ابتسم باسانغ شيتا وهو ينظر إلى الأعلى.

قال ليوبولد وهو ينظر إليه:

«يبدو أن آلهة الجبال تبتسم لنا اليوم. تدعونا إلى القمة».

التفت باسانغ والبسمة على وجهه وأجاب بهدوء:

«نعم، صاحب. لكن ابتسامة الآلهة مليئة بالخديعة والغدر».

ثم ألقى نظرة مرة أخرى. هذه المرة إلى الجدار الجليدي أمامهم وهو يتلألأ بجمال مع الانعكاس الذهبي لضوء الصباح.

عندما ذهب ليوبولد إلى الخيمة كان نيسبت ما زال مستلقيًا في حقيبة نومه. نظر إليه ثم ابتسم بضعف:

«يبدو أن قرار مشاركتي قد تم بالنسبة لي»، قال نيسبت: «إنه مرض الجبل».

كان وجهه منهكًا وهو يعبر عن معاناته.

«ربما ستتحسن صحتك»، هتف ليوبولد: «بإمكاننا الانتصار».

هز نيسبت رأسه:

«مع طقس مثل هذا... كلا يجب عليكم اغتنام الفرصة الآن. خطر جدًا تركها تمر، لأنها لن تدوم».

واينتر أيضًا اقترح الانتظار. لكن نيسبت كان عنيدًا:

«الحظ معكم. اذهبوا إلى الأعلى. سأنتظر هنا عندما تعودون. حظًا سعيدًا».

لم يكن هناك أي شعور بالحزن في نبرة صوته. فقط باسانغ شيتا وقف على جانب يراقب نيسبت بتمعن وهو مقطب حاجبيه.

بدأ الرجال الأربعة تسلق الجدار الجليدي في الساعة السابعة صباحًا، وكان الوقت ظهرًا عندما وصلوا إلى مستوى الثمانمائة قدم ولاقوا المنحنى الخطر الذي عليهم عبوره. كان نيسبت مستلقيًا ونصف جسمه خارج الخيمة يراقبهم طوال النهار. تضطرب المشاعر داخله. كانوا ينتصرون. كان ذلك يمزقه بشكل واضح للعيان.

أوه، نعم. كان بإمكانه أن يكون هناك. لقد عرضوا أن ينتظروه. لكن الانتظار يمكن أن يكون عديم الفائدة. خفَّ أثر مرض الجبل عليه. لكن رجله أصبحت متجمدة منذ أن اضطر إلى أن يقيم معسكره الثالث المنعزل في مكان مكشوف للريح الباردة. كان يعرف ثمن حماقته. يعرفه جيدًا جدًا. هزته المشاعر التي توقعها. غمره شعور معرفة. توقع عادي لأولئك الذين يتسلقون الجبال، الدخول إلى معركة – لكل الرجال الذين ينسلون بهدوء لملاقاة الموت. وطالما أنه سيلاقيه قريبًا، كان ذلك مؤكدًا لليومين الماضيين. ملاقاته هنا في أعلى منحدر لواحد من أعظم جبال العالم، لكنه لن يلاقيه لوحده...

شاهد واينتر يضع خطافًا وحبلًا. ركز شاهد البندقية على ظهر واينتر وعندما دفع المتسلق جسمه إلى حد التوازن ضغط نيسبت على الزناد.

صورة 6

أحس برد فعل البندقية. سمع أصداء ثاقبة لارتداد التصدع للجدران المتحطمة للقمة. ثم نظر إلى الأعلى ورأى الجبل الجليدي، الآلاف من أطنان الجليد تتساقط إلى الأسفل عليه.

إن قصة إنقاذ واينتر هي واحدة من أشهر ما سجل لمحاولات تسلق الجبال. لقد كانت معجزة ومن البداية. فمثلًا ما الذي جعل الجليد ينهار كما حدث؟! هل يمكن أن يكون ما تمتم به باسانغ شيتا وهو يبتسم، نحن ترعانا أعين آلهة الجبال؟!

لقد انشق الجدار الجليدي على بعد أقدام على جانبي المتسلقين. أقدام قليلة من آخر ثلاثة منهم. فوقهم تمامًا انحرف الشق بحدة. وعندما نظر ليوبولد إلى الأعلى ورأى واينتر معلقًا بلا حول ولا قوة على حافة هاوية ثم شهد اللون المنتشر على سترته الجلدية.

وصل ليوبولد إلى واينتر قبل أن يفقد تمسكه بالجليد ثم ساعده بطريقة ما حتى استطاع براون تثبيت الحبل الذي يحمل جسم واينتر.

حمل باسانغ شيتا الجسم إلى أسفل الجدار بينما كان الآخرون يرخون الحبال من الأعلى.

حالما وصلوا إلى أسفل الجدار وجدوا جرح واينتر ليس بالخطورة الكبيرة. ولكن هنا وبدرجة الانجماد في النهار وتحت الصفر في الليل فإنه يمكن أن يكون جرحًا مميتًا. وقع واينتر في صدمة اعتياديًا وقدموا له الإسعافات الأولية ودلكوا جسمه ليدفأ مستعملين كل ما كان لديهم في حقائبهم، وأسهم كل رجل بجزء من ملابسه من الحقائب.

كانت عملية الهبوط عملًا جيدًا وشجاعًا لا يجارى. انطلقوا ليلًا ونهارًا ولا يتوقفون إلا لإذابة قليل من الثلج حيث يذيبون أقراص الفيتامينات ولإدخال المزيج في فم الجريح.

كانوا لثمانية وأربعين ساعة بدون طعام، واقترب ليوبولد وبراون من حافة الانهيار. وعند آخر جرف صخري رهيب كان باسانغ شيتا الدليل هو من حمل واينتر بقوة على ظهره وحمله إلى أسفل الكتلة المنهارة المنحدرة.

وصل واينتر إلى المستشفى في دارجيلنغ في الليلة الثالثة. بعد تسعة وخمسين ساعة من إصابته بالطلق الناري وكان أقرب للموت منه للحياة.

خلفهم عند قاعدة الجدار الجليدي تقبع بقايا متناثرة متكسرة ضخمة من الثلج الخشن. ملايين الأطنان منه بنظام جبلي شاذ التشكيل يتلألأ ببرود في ضوء القمر الساكن. تحتها جسم مهشم، لم يكن هناك أي أمل في الوصول إليه. ولا حاجة لمحاولة ذلك. حتى إنه لم ينظر أي واحد منهم خلفه ناحية الجبل. تسجى مالكولم نيسبت في القبر الذي صنعه بنفسه.

كان هناك يومان من الانتظار اليائس قبل أن يطمئنهم الأطباء بأن واينتر سيتعافى وكان بإمكانهم لأول مرة أن يستريحوا.

وقوفًا في الصالة خارج غرفة واينتر تكلم ليوبولد بتشديد بطيء على الكلمات:

«لقد كان خطئي. كنت أعلم أنه يحمل بندقية. كان عليَّ أن...».

«إذا كان خطأ أحد...»، جاء صوت باسانغ الهادئ: «فإنه خطئي. كان هناك شيء لا بد أن أخبرك به».

كانت عيونه تحدق في الماضي البعيد:

«كنا على ارتفاع اثنين وعشرين ألف قدم في ك2 هو وأنا وصلنا إلى قمة جرف عمودي. جاء الآخرون بعدنا على أبعاد متساوية على طول حافة صخرية بارزة ضيقة. بشكل ما سقط الرجل الأخير وواحدًا بعد الآخر تساقط الآخرون خلفه. لكنهم جميعًا كانوا مربوطين معًا بالحبل».

توقف لبرهة:

«حدث ذلك بسرعة كبيرة. طبعًا وعندما وصلتني صدمة شد الحبل كانت عظيمة جدًا. كنت قد انجررت إلى الحافة. ربما كان بإمكاننا أن نصمد. ربما لا».

«أنت تعني...»، قال براون ببطء غير مصدق لما يسمع: «إنه قطع الحبل».

أومأ باسانغ برأسه.

لم يتكلم أحد منهم لعدة دقائق.

ثم قال براون:

«يمكن لحياة إنسان أن تتحطم خلال لحظة واحدة من الرعب. كان الأفضل له أن يموت حينها».

قال ليوبولد وهو يحاول أن يسترجع نفسه:

«كاد أن ينجح. إنها شجاعة منه أن يقوم بالرحلة منذ البداية».

«ولكن في النهاية، ما قولك فيما حصل».

«نعم. لماذا فعل ذلك؟ بعد أن حقق انتصاره على نفسه. هل يمكن أنه لم يستطع أن يرى رجالًا أصغر منه عمرًا يتفوقون عليه؟».

«ربما»، أجاب براون بقلة صبر: «لكن يبدو أنه عرف بأننا كشفنا سره بكونه جبانًا حقًا. ولم يتحمل ذلك وكان عليه أن يسكتنا إلى الأبد».

«لقد واجه الموت هناك وحيدًا. هذا يتطلب شجاعة منه».

«ذلك يتطلب جنونًا. ربما هذا هو الجواب الوحيد».

قال باسانغ شيتا بهدوء:

«إن انتقام آلهة الجبال جاء بطريقة غريبة».

قبل أن يتركوا المستشفى نظروا إلى واينتر مرة أخرى.

جلست إيفلين نيسبت ساكنة بجانب الفراش ووجهها يائس مليء بالإجهاد والمعاناة. لكنها ابتسمت بلطف وهزت رأسها مودعة لهم، وفي الخارج توقف براون فجأة وتساءل:

«أو ربما أنه أحب فعلًا شخصًا ما أكثر من نفسه».

عاد ليوبولد إلى الهند بعد عدة سنوات وبحث عن باسانغ شيتا في دارجلنغ. الحمال أصبح في الأربعين من العمر ولم يعد يشترك في محاولات التسلق. معًا ارتقيا المربع السياحي الشهير المسمى تل النمر المقام على جرف صخري صغير. ومن ذلك الموقع راقبا شروق الشمس على كانغشينغونغا على بُعد أربعين ميلًا.

في تلك اللحظة سقطت أول حزمة من أشعة الشمس على برج جليدي صغير. كان ارتداد الشعاع من على الجبل أشبه بإطلاقة من الفولاذ منطلقة بانبهار مفاجئ في السماء الداكنة وينساب بسرعة إلى الأسفل مثل حمم ذهبية أشعلت القمة وأنارتها بالكامل. ثم تفرقت عبر الحافة المركزية الطويلة حتى اشتعل كل الجبل بلمعان ذهبي فوق الوادي الداكن في أسفل الجبل. هنا. هنا هو المجد.

عند تل النمر توجد لوحة تذكارية سياحية من المعدن تحكي قصة الجبل البعيد. لكن لاحظ ليوبولد لوحة جديدة ذات طوق وإكليل برونزي، كتب عليها:

«في ذكرى مالكولم نيسبت الذي واجه الموت قرب قمة كانغشينغونغا. 7 حزيران 1939».

صورة 7

عاد ليوبولد في ذكرياته وهو ينظر إلى اللوحة وإلى الجدار الجليدي متذكرًا ما حدث والرجال. نيسبت. فونس. واينتر. متذكرًا واينتر المتقدم في السن الذي رآه عند مروره بلندن. واينتر السعيد مع زوجته إيفلين وطفليهما. وفونس الذي وجده في غرينوبل يمشي بقليل من العرج بقدمه الصناعية لكنه ما زال مرحًا كعادته. وبراون الذي عاد مرة أخرى إلى جباله النمساوية الأصيلة.

وماذا بالنسبة لليوبولد؟ ماذا جلبت التجربة له؟!

لقد شاهد الشجاعة والمجد – لقد فهم أهمية الشخص الواحد ومخاطر الآخرين. إنه الآن يبدو أكبر عمرًا وأكثر هدوءًا وحكمة. ربما. لكن ما زال الشباب يهيج داخله، التحدي والمغامرة ما زالت هناك في الجبل.

«باسانغ»، تساءل ليوبولد: «هل أعطت آلهة الجبل فرصة ثانية في السابق؟!».

حدق باسانغ تجاهه بتساؤل. ثم نظر في اللوحة المعدنية:

«ربما. لشخص شاب مثلك حضرة الرائد. من يستطيع القول؟ لكن بالنسبة لي...».

وعادت نظراته إلى الجبل:

«بالنسبة لي في هذه الحياة. ربما بعد...».

ثم ابتسم بابتسامة متصلة روحيًا بآلهته.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة