الفايكنج أو الوِيكنجار الشعب الذي أعاد مسلسل درامي شهيرة (Vikings) إحياء الاهتمام العالمي بهم، لكنها في الوقت نفسه رسمت صورة نمطية قد لا تكون دقيقة بالكامل. فهل يستحقون حقًا لقب ملوك البحار؟ وهل تبالغ الأعمال السينمائية في وصفهم؟ في هذا المقال، سنفصل بين الحقيقة التاريخية والأسطورة الدرامية، مستندين إلى المصادر الأثرية والتاريخية، لنعرف من هم الفايكنج حقًا.
سنصحبك في جولة تاريخية ممتعة، لنتعرف على الفايكنج وأصولهم، وكيف كانت حياتهم الاجتماعية والسياسية، وكيف كانت علاقاتهم بالدول الأخرى، وهل يستحقون حقًا لقب ملوك البحار، وهل تبالغ الأعمال السينمائية والدرامية في وصف قبائل الفايكنج.
هذه السمعة السيئة التي اكتسبها محاربو الفايكنج في الأعمال الأدبية وأفلام السينما لم تأتِ من فراغ، إذ شنت شعوب الفايكنج غارات وخاضت حروبًا عنيفة على مدى أكثر من 400 عام في معظم المدن الساحلية في أوروبا، وعُرفوا بالوحشية والسلوكيات التي جعلت معظم شعوب أوروبا تعدهم خطرًا كبيرًا.
شعب الفايكنج أصل التسمية والجذور التاريخية
الفايكنج مجموعة من القبائل والشعوب المحاربة التي عاشت في شمال أوروبا من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر الميلادي، وكلمة (فايكنج) نفسها مشتقة من الكلمة النوردية القديمة (víkingr) التي كانت تشير في الأصل إلى القرصان أو المغامر البحري، ولم تكن وصفًا لشعب برمته، وفقًا لما تذكره موسوعة بريتانيكا، وكانوا يعتمدون في معظم الأحوال على الملاحة وكل ما يخص البحر، نظرًا لنقص الموارد وطبيعة المناخ، فكانوا يتمتعون بالقدرة العالية على تحمّل البرودة والعمل في ظروف قاسية، وهو ما منحهم البنية الجسمانية القوية والشجاعة الهائلة.

ومع نقص الموارد المتاحة، كانت شعوب وقبائل الفايكنج في نزاع مستمر من أجل السيطرة على الموارد المحدودة، وهو ما دفعهم إلى غزو المناطق الأخرى من أجل السيطرة على الموارد. ومع الوقت، اكتشفوا أنها الوسيلة الأفضل والأسرع، وتطوَّرت مع هذا الاكتشاف أساليب عدة للقتال والسيطرة، تميز معظمها بالوحشية تجاه الشعوب الأوروبية الأخرى.
ويمكن الإشارة إلى كل من الدنمارك والنرويج والسويد بعدِّها الدول التي انتمى إليها شعوب وقبائل الفايكنج الأوائل، فشعوب الفايكنج لم تكن فقط غزاةً ومحاربين، وإنما كانت لهم علاقات عميقة مع عدد من البلدان والمناطق البعيدة في العالم، إذ تشير المصادر التاريخية إلى وصول الفايكنج إلى شمال إفريقيا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط بغرض التجارة وإقامة العلاقات، فقد كشفت الأدلة الأثرية عن وصول الفايكنج إلى أمريكا الشمالية قبل كولومبوس بنحو 500 عام، وتحديدًا إلى منطقة (نيوفاوندلاند) في كندا حاليًّا، وهو ما سنفصل فيه لاحقًا.
حياة الفايكنج الاجتماعية والسياسية
يتساءل كثيرون: كيف كان مجتمع الفايكنج؟ على الرغم من قلة المصادر التاريخية التي تحدثت عن مجتمع الفايكنج في فتراته الأولى؛ فإن هذه المصادر اشتركت في الحديث عن النسيج الاجتماعي لهذه الشعوب الذي وُصف بأنه قوي وممتد ومترابط بين العائلات وبعضها. ومع وجود النزاعات الكبيرة التي كانت تصل إلى حد الدموية في بعض الأوقات؛ فإن العلاج كان في الزواج بين العائلات وبعضها، وهو ما يمكن أن نسميه زواجًا دبلوماسيًّا.
كان الهيكل الاجتماعي في شعوب الفايكنج يتكوَّن من المزارعين والصيادين الذين كانوا يتمتعون بالحرية، لكنهم كانوا فقراء؛ لذا كانوا يدينون بالولاء للسادة ويدفعون الضرائب، وهو ما خلق مجموعة من النبلاء أصحاب الثروات.
النساء في شعب الفايكنج
تمتعت النساء في مجتمع الفايكنج بحرية كبيرة ومسؤوليات عدة على المستوى الاقتصادي، مثل مشاركة الرجل في الأعمال وإعالة الأسرة، لا سيما في الأوقات التي كان يخرج فيها الرجال للغزوات والحروب.

وتميزت نساء الفايكنج بحرية غير مسبوقة مقارنة بمجتمعات أوروبية أخرى في ذلك الوقت، فقد كن يمتلكن الحق في الطلاق ووراثة الممتلكات وإدارة شؤون الأسرة في غياب الرجل، وفقًا لما أشارت إليه كتابات المؤرخة جوديث جيس.
دين ومعتقدات الفايكنج
قبل اعتناق المسيحية، كانت قبائل الفايكنج تتبع الأساطير النوردية التي تتبع عددًا من الآلهة المنتشرة في شمال أوروبا في ذلك الوقت، وتشابهت معتقداتهم مع معتقدات القبائل الألمانية؟ فقد آمنوا بآلهة مثل أودين (Odin)، كبير الآلهة، وثور (Thor)، إله الرعد، وكان المحاربون الشجعان يطمحون للموت في المعركة لدخول فالهالا (Valhalla)، وهي قاعة أودين للمحاربين المختارين.
وكانوا يعتقدون أنهم سيدخلون الجنة في عالم الآلهة، إضافة إلى امتلاكهم عددًا من الأساطير المتعلقة بالوحوش التي تسكن في بحر الشمال، وهو ما ظهر في قصصهم وصورهم والنقوش والتماثيل المتبقية من عصر الفايكنج.
حياة شعب الفايكنج بين الزراعة والبحر
كانت معيشة وحياة مجتمع الفايكنج تعتمد على الزراعة، وعلى الرغم من صعوبة المناخ وقِصر الموسم الزراعي، فإنه كان يحاول الاستفادة منه بأقصى قدر ممكن لزراعة الحبوب. وفي باقي أيام العام، كان الاعتماد على البحر يمنحهم القدرة على الاستمرار، عبر الصيد والتجارة، وذلك قبل أن تتجه شعوب وقبائل الفايكنج لغزو المدن الساحلية في أوروبا.

غزوات الفايكنج الوحشية من السرقة إلى تأسيس المستوطنات
قبل عام 800 ميلادية، كانت قبائل وشعوب الفايكنج تشنّ غزوات متفرقة على جيرانهم الجنوبيين، وبعد ذلك بدأت الهجمات تصبح أكثر جدية وشراسة، إذ هاجموا الجزر البريطانية وما حولها، واتسعت الهجمات لتشمل الإمبراطورية الكارولنجية والأندلس. وهو ما تطوّر إلى إنشاء قواعد يمضي فيها المهاجمون فصل الشتاء استعدادًا للغزوات.

وعلى الرغم من أن الفايكنج كانوا في البداية يغزون المدن والسواحل بصفتهم لصوصًا يسرقون كل ما يستطيعون؛ فإن الأمر تطور بعد ذلك إلى الإقامة والاحتلال، فقد جلبوا عائلاتهم مع الوقت.
ثم اعتنق معظمهم المسيحية واختلطوا بالسكان المحليين وتزاوجوا معهم، وأصبحوا جزءًا من مناطق عدة مثل الساحل الشمالي لفرنسا وشمال إنجلترا. وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور عرقيات جديدة ولغات جديدة نتيجة الامتزاج الثقافي بين الفايكنج وهذه المجتمعات. وأسسوا مدنًا جديدة مثل مدينة يورك في إنجلترا ومدينة إيرلندا.
ويعد رولو (Rollo) -أحد قادة الفايكنج- مثالًا بارزًا على هذا التحول، فأصبح أول حاكم لدوقية نورماندي بعد معاهدة مع ملك فرنسا، وأحفاده هم من غزوا إنجلترا لاحقًا بقيادة ويليام الفاتح.
سفن الفايكنج سر الهيمنة على البحار
خلافاً لما هو متداول في بعض المصادر، فإن الفايكنج لم يعتمدوا على قوارب بدائية مصنوعة من الجلود، بل كانوا سادةً في صناعة السفن، وهو ما منحهم تفوقاً كبيراً. كانت سفنهم، المعروفة بالسفن الطويلة (Longships) مثالًا للهندسة المتقدمة في ذلك العصر.
وقد صُنعوا هذه السفن من خشب البلوط، وكانت تتميز بتصميمها المرن، وسرعتها العالية، وقدرتها على الإبحار في المحيطات الواسعة وفي المياه الضحلة للأنهار. هذا الابتكار سمح لهم ليس فقط بشن الغارات، بل أيضاً بالوصول إلى مناطق لم يسبق لأحد من الأوروبيين أن وصل إليها، مثل آيسلندا (Iceland) وغرينلاند (Greenland)، حتى أمريكا الشمالية (North America)، قبل رحلة كريستوفر كولومبوس بقرون.
عصر الفايكنج صعود وسقوط ملوك البحار
عادةً ما يُشار إلى الحقبة الممتدة من القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر الميلادي باسم «عصر الفايكنج»، وهو العصر الذي ازدهرت فيه حضارة الفايكنج وتطورت بالسيطرة على أجزاء كبيرة من أوروبا والتجارة مع أجزاء أخرى في إفريقيا والشرق الأوسط وروسيا، وتأسيس المستوطنات في أماكن بعيدة مثل جرينلاند، وآيسلندا، وشمال أمريكا.
ونتيجة لاندماج شعوب الفايكنج مع شعوب المستوطنات الجديدة، ظهر منهم تجار ومزارعون وموظفون وفنانون وأدباء، وتركوا كثير من الآثار والنصوص التي تمجد ماضي الفايكنج وانتصاراتهم وتحكي عن تقاليدهم، على الرغم من أن اسم «الفايكنج» نفسه يعني القرصان.
وغالبًا ما يُشار إلى بداية عصر الفايكنج بدخولهم إنجلترا ومهاجمتهم الرهبان في دير ليندسفارن والاستيلاء على المقتنيات عام 793 ميلادية. ثم توالت الغارات والجيوش على إنجلترا، فأسست لاحقًا مجتمع الفايكنج في مدينة يورك، فاستقر عدد كبير من المزارعين والحرفيين، في حين لم تستطع أيٌّ من الممالك الإنجليزية مواجهة الفايكنج في ذلك الوقت.
ويعد كثير من المؤرخين أن عصر الفايكنج انتهى بعد معركة «جسر ستامفورد» عام 1066 ميلادية، وهي المعركة التي هُزمت فيها جيوش الفايكنج وأنهت حقبتهم في إنجلترا على يد الملك هارولد الذي لم يعش طويلًا بعد هذا الانتصار، فقد قُتل في معركة أمام ويليام الفاتح، دوق نورماندي، بعد قضائه على الفايكنج بأيام قليلة.
هل وصل الفايكنج إلى أمريكا؟
نعم، تشير الأدلة التاريخية والأثرية القاطعة إلى أنهم سبقوا كريستوفر كولومبوس بقرون. فقد قاد المستكشف ليف إريكسون (Leif Erikson) رحلة استكشافية نحو عام 1000 ميلادي، وأسس مستوطنة صغيرة في منطقة أطلق عليها اسم (فينلاند) التي يُعتقد أنها موقع لانس أو ميدوز (L'Anse aux Meadows) الأثري في نيوفاوندلاند بكندا، وهو موقع معترف به من قبل اليونسكو.
علاقة الفايكنج بالعرب تجارة واحترام
على الرغم من السمعة السيئة التي حظي بها الفايكنج في كتب التاريخ الأوروبية؛ فإن التاريخ أيضًا سجل علاقات واتصالات قوية بينهم وبين شعوب عدة، ومنها الشعوب العربية التي تاجر أهلها مع الفايكنج مدة نحو 150 عامًا.
وتُعد كتابات الرحالة والدبلوماسي العباسي أحمد بن فضلان الذي التقى بالفايكنج (المعروفين بالروس) في القرن العاشر، من أروع المصادر التاريخية المباشرة التي تصف عاداتهم وشعائرهم بالتفصيل، وقد قدم صورة أكثر تعقيدًا من كونهم لصوصًا. وعُثر على عدد كبير من الدراهم والقطع النقدية الإسلامية في المواقع الأثرية في شبه الجزيرة الإسكندنافية، ما يؤكد حجم التبادل التجاري بينهم.

أشهر ملوك الفايكنج
من الشخصيات التاريخية الموثقة هارالد ذو الشعر الفاتح (أول ملك للنرويج)، وكنوت العظيم (ملك الدنمارك وإنجلترا والنرويج). أما شخصيات مثل راغنار لوثبروك وأبنائه فوجودهم يقع بين الحقيقة التاريخية والأسطورة الأدبية.
أسباب غزوات الفايكنج
يعتقد المؤرخون أنها مزيج من عوامل عدة، منها:
- نقص الأراضي الصالحة للزراعة في إسكندنافيا.
- الزيادة السكانية.
- الرغبة في الثروة والمغامرة.
- الضعف السياسي للدول المجاورة مثل إنجلترا وفرنسا.
تاريخ الفايكنح في الثقافة الشعبية يتجاوز القرصنة
مما سبق، يتضح أن تاريخ الفايكنج أكثر ثراءً وتعقيدًا من صورة المحارب الهمجي، لقد كانوا غزاة قساة، لكنهم كانوا أيضًا تجارًا ومستكشفين ومستوطنين تركوا بصمات ثقافية وجينية لا تُمحى على خريطة أوروبا وروسيا حتى أمريكا الشمالية. إن إرثهم ليس حكاية عن السلب والنهب، بل هو شهادة على قدرة الإنسان على التكيف مع أصعب الظروف، وعبور أعتى البحار بحثًا عن مستقبل أفضل.
وفي نهاية حديثنا عن شعوب الفايكنج ملوك البحر وأصحاب السمعة السيئة في الغزو والسلب والنهب، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.