الفاشوش

"الفاشوش في حكم قراقوش" هو كتاب ظريف وعجيب، الفه القبطي المصري الأسعد ابن مماتي، الذي كان وزير له مكانة كبيرة في دولة صلاح الدين الايوبي رحمه الله، الف هذا الكتاب في الاستهزاء بزميل له بالوزارة الأيوبية، وملئه بالقصص المضحكات، والنوادر الطريفات، والتي تبين مدى حماقة وغباء القائد العسكري الكبير عند صلاح الدين، ونقصد هنا القائد بهاء الدين قراقوش.

كما قال في مقدمته لأجل تقديم النصح لصلاح الدين، لعله يقيل قراقوش من منصبه الرفيع، لأن حمقه وتعديه على الناس كما يقول، سيكونان سبب في هز اركان الدولة ونفور الناس منها، وعبر عن ذلك بقوله:"صنفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح منه المسلمين".

والفاشوش في اللغة تعني الأحمق، فابن مماتي يرى أن عقل قراقوش ليس فيه الا الحمق والخبل، وقد وصفه في كتابه فقال أنه " لا يقتدي بعالم، ولا يعرف المظلوم من الظالم ، والشكية عنده لمن سبق، فلا يهتدي لمن صدق"، وقراقوش كان ذا حظوة كبيرة عند صلاح الدين الأيوبي، فكان بمثابة وزير حربه، ورجل المهام الصعبة بين رجاله، والشيء الغريب أن ابن مماتي نشر الكتاب في عهد صلاح الدين، وقراقوش حينها كان بيده كل السلطة التي يمكنه بها من منع نشر الكتاب أو معاقبة صاحبه أو استرضاءه بالمال حتى، ولكنه لم يفعل، بالرغم من الألفاظ الفاحشة التي كانت في أكثر قصصه والتي نالت من شرف قراقوش. وقد طار الركبان بالكتاب فذاع صيته بين الناس في مصر وخارج مصر، وساهم في صنع صورة قراقوش عند الناس، صورة الرجل الظالم الأحمق و الغبي الأبله، ولكن هل كان قراقوش فعلاً كذلك أم أن في الأمر سر.

الحقيقة أن حقيقة قراقوش تختلف تماماً عما يصور لنا صاحب الفاشوش. قراقوش لقب تركي، يعني (النسر الأسود) أو (العُقاب)، وقد كان قراقوش كذلك فعلاً، وقراقوش شاب من أصل رومي، اشتراه القائد الكبير أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين، ثم أعتقه وأسماه بهاء الدين الأسدي، نسبة لسيده أسد الدين. أبان بهاء الدين قوة وشجاعة، ومهارة وبراعة، جعلت منه يترقى في صف جيش أسد الدين شيركوه، وكان برفقته مع صلاح الدين عند دخوله مصر، عندما تمكن من هزيمة الصليبيين، وظل هناك وأصبح من أبرز قادة صلاح الدين بعد وفاة أسد الدين، وعند ما تولى صلاح الدين الوزارة في الدولة الفاطمية، عين صلاح الدين الامير قراقوش حارساً على القصر الفاطمي، وبعد موت الحاكم الفاطمي، وتولي صلاح الدين امور الدولة، وإعلان دخول مصر تحت حكم الزنكيين، وتبعيتها بالتالي للخلافة العباسية ولو اسميا، عُين قراقوش مسؤولاً على حماية ممتلكات القصر الفاطمي، ومنع الفاطميين فيه من الخروج أو التصرف في شيء من ممتلكاته، وطلب منه ضبط الأمور، ومراقبة الأمراء الفاطميين، حتى تستقر أمور الدولة الجديدة، وهي مَهمة خطيرة ومُهمة، و الأكيد أن صلاح الدين لن يوكلها إلى رجل أحمق. وكم كانت كنوز الفاطميين التي أصبحت تحت يد قراقوش كبيرة، والتي سلمها بأمانة إلى سيده صلاح الدين، دون أن يضيع منها شيء.  

لا يعلم الكثيرين أن قراقوش هو من قام ببناء قلعة الجبل الشهيرة على جبل المقطم، بأمر من صلاح الدين طبعاً، والتي أتخذها مقر له، يخطط منها لحروبه، وهو من أشرف كذلك على بناء سور القاهرة، الدي أصبح يحيط بها ويحميها، وهو من بنى القناطر الشهيرة التي بالجيزة على طريق الاهرام، وفي عكا قاد قراقوش رجاله للدفاع عنها في وجه الصليبيين أثناء غياب صلاح الدين حتى وقع في الأسر، وتم إطلاق سراحه بعد عقد الصلح بين صلاح الدين والصليبيين، وقيل أن صلاح الدين إفتداه بعشرة آلاف دينار، وكم كان فرح صلاح الدين كبيراً بفك أسره.

وفي ليبيا في مدينة طرابلس، توجد منطقة تسمى اليوم (قرقارش)، نسبة إلى قراقوش، الذي غزا شمال إفريقيا، وسيطر على طرابلس، وبنى قصراً فيها، في المنطقة التي تسمى الآن (قرقارش)، وبعد وفاة صلاح الدين، قام قراقوش بحماية عرش ابنه العزيز، حتى أن العزيز جعله نائباً له في حكم مصر، بعد أن توجه إلى الشام.

هذه بعضٌ من الصورة الحقيقة لقراقوش، لذلك نجد أن مؤرخاً كبير مثل ابن خلكان، يقول أن ما ذكر في الفاشوش يبدو أنه مصطنع و موضوع، لأنه مستبعد أن يحصل من رجل اعتمد عليه صلاح الدين اعتمادا كبيرا، وهنا يبرز سؤال مهم، لماذا تجنى ابن مماتي على قراقوش في فاشوشه، ولماذا انتشرت الصورة السيئة التي رسمها عنه ببن الناس؟! الأمر يبدو غريباً!! واعتقد انه لا يعدوا أن يكون إما حقد دفين من ابن مماتي تجاه قراقوش أو غيرة منه أو لأمر ما حصل بين الرجلين، لم تذكره المصادر التاريخية، فأصبح سراً لا نعلمه، أم هو حب الأدباء -وابن مماتي منهم-إلى كتابة ما فيه غرابة، حتى تقبل عليه الناس، فكان ذلك على حساب شخصية النسر قراقوش. إن كتاب ابن مماتي في الحقيقة، لا يغدو أن يكون إلا فاشوش.

 

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب