الفاجعة الكبرى


ساقني قدري أن أكون طبيباً مقاتلاً ضد أعنف عدو عرفته البشرية.... السرطان.

فلا شيء  في عنفه وقسوته، وغدره وخداعه، إنه ثورة داخلية قادتها خلايا تحورت، ثارت، أصابها الغرور، أرادت أن تبني جسداً آخر غير الذي تعيش فيه، ظنت لوهلة قدرتها الفائقة وإمكاناتها الهائلة، لا تبالي صنيعاً، ولا تعرف سوي الثورة والانطلاق وجموح الشهرة البراقة إنه ثوران غير محسوب، لم ينظر في شأنه ولم توضع له الخطط والترتيبات، ثوران همجي لا طائل منه سوي الخراب والتدمير، فلم يخطر ببال تلك الخلايا انتماءها لجسد يؤدي دوراً متكاملاً، فهي جزء من هذا التكامل وليس كل التكامل، وذاك غرور وجنون عظمة مآله الشر، وملاذه الضياع، فلم تعد تؤدي تلك الخلايا دورها المنوط بها، بل صارت عبئا تزداد طغيانا وشراسة، تمد أياديها بالسرقة من خير الجسد لتحصل على طعامها وشرابها وهوائها، سرقة عشوائية تفتقد الاحترافية والكفاءة، تمت بأياد خبيثة واهنة، يزداد خبثها على أقرانها، فلا تعير اهتماماً واحتراماً لأصحاب الأقدمية في التمرد، فتحجب عنهم الخير كلما اقتربوا من أنهاره ووديانه وأوعيته، فتصيبهم جوعا وعطشا، وكأنما نالوا جزاء التمرد وعقاب الثوران الخبيث.

ومع استمرار الالتهام والتمرد، تصطدم الخلايا الخبيثة بجدران أوعية الخير، تظن بداخلها أنها جدران تحجب الخير عنهم، يزداد نهمهم في اختراقها، فما لبثوا إلا أنهم وجدوا غنيمة كبرى، حملهم التيار المتدفق لغزو أراض أخرى، وفتح فروع لشراكة التمرد والعصيان، ومع كونها فروعاً تفتقد للإدارة المركزية، إلا أن تلك المرحلة صارت عصية علي الحل والمقاومة، وهو إعلان وشيك لبداية المستعمرات، ونهاية الجسد!!

إن السرطان فاجعة كبرى، تزلزل كيان المرء، تمحو كل أحلامه وتطلعاته، مأساة حقيقية لا تجيد الأقلام وصفها، ومستقبل غامض لا يضاهيه غموض، وألم عميق يدب جذوره في غياهب الحزن والمرار، وانكسار يعتري كيان المرء بلا مقاومة أو نزاع، وظلام يتبدى في الأفق دون مواربة، ولهذا كان هذا المرض حديث الطب الذي لا ينضب، عنوان دراساته وأفكار مشتغليه.

فتوالت أساليب وطرق الاكتشاف المبكر فرأينا المنظار العلوي الاستكشافي في اليابان وكيف ساهم في اكتشاف ورم المعدة سريعاً وكيف ساهم ذلك في تغيير نسب " الفترات التي يختفي فيها الورم DFS " ورأينا الماموجرام في سرطان الثدي حول العالم وقدرته في الاكتشاف المبكر، وتوالت طرق العلاج بدءاً بالتدخل الجراحي في أغلب الأورام في مراحلها الأولية، ثم العلاج الإشعاعي الذي أصبح مشابها للتدخل الجراحي في سرطانات البروستاتا وعنق الرحم والمثانة وغيرها، ورأينا العلاجات الهرمونية والموجهة والعلاج المناعي، وكذا العلاج التلطيفي في سرطانات الدرجة الرابعة وطرق علاج الألم  وغيرها من العلاجات التي أثرت مكافحة الأورام .. 

ولا يزال الطريق يحدوه الأمل نحو الانتصار، ولا تزال الأماني ممكنة في سبيل القضاء على هذا العدو، قضاءاً ليس بعده رجوع ....

بقلم الكاتب


طبيب علاج الأورام ، كاتب


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

طبيب علاج الأورام ، كاتب