الغناء في السينما المصرية.. وكيف أدت الأغنية دورًا في الفيلم؟

يعد الغناء في السينما المصرية ظاهرة فنية تستحق الدراسة، ففي حين اشتهرت الأفلام الغنائية المصرية بوجود مطربين كبار، ظهر اتجاه آخر يعتمد على الممثل المؤدي.

في هذا المقال نجيب على سؤال: لماذا يغني الممثل في الأفلام؟ ونستعرض أغاني الأفلام المصرية التي أداها ممثلون محترفون، مع تسليط الضوء على دور الغناء في الأفلام بتحليل نماذج مثل أغاني أحمد زكي في الأفلام ومونولوج إسماعيل ياسين.

لماذا يغني الممثل في الأفلام؟

هل سألت نفسك يومًا لماذا يختار بعض المخرجين أن يؤدي الممثل أغنية بصوته هو، ولا يكتفي بأن يُؤدِّي فقط الأداء التمثيلي مع صوت مطرب يشدو في خلفية المشهد؟! فما فائدة ذلك في سياق الدراما الغنائية؟ وهل تمثل الأغنية أو التوظيف الدرامي للأغنية دورًا محوريًّا في الأعمال التي تُقَدَّمُ بها، أم تكون لمجرد التسلية والترفيه؟!

الإجابة: نعم، فبعيدًا عن أن للغناء دورًا محوريًا في تاريخ السينما المصرية وتاريخ أغاني الأفلام المصرية، حتى إنه في عصور معينة كان «الفيلم الغنائي» هو القوة الضاربة في الإيرادات، فإنه لم يكن وسيلة للترفيه، بل قدَّم فوائد إستراتيجية وفنية للممثلين وللصناعة كلها؛ لأنَّ في الأفلام القديمة كانت وسيلة المطرب الوحيدة لتقديم أغنيته على نحو مستمر.

وهو ما يضمن لها أن تعيش عمرًا طويلًا، ويشاهدها الجمهور بعيدًا عن الراديو، مثل أغاني محمد فوزي السينمائية، وأغاني عبد الحليم حافظ في السينما، ووأغاني شادية في الأفلام، وغيرهم.

التعبير عن المشاعر: «ما لا يدركه الحوار»

توجد لحظات درامية «كالحب الشديد، والحزن العميق، وثورة الغضب» قد يعجز فيها الحوار التقليدي عن توصيل المشاعر بنفس قوة اللحن والكلمة. يمنح الغناء الممثل وسيلة تعبير إضافية تصل إلى قلب المشاهد مباشرة، إذ يُخْتَصَر الزمن الدرامي عبر أغنية تلخص حالة البطل.

الممثل المؤدي.. والفرق بين المطرب والمؤدي في السينما

الذي تخدم أغانيه الأحداث، ويكون صوته مقبولًا نوعًا ما، وهنا يكمن الفرق بين المطرب والمؤدي في السينما، مثل: أغاني أحمد زكي في الأفلام وتحديدًا في أحمد زكي كابوريا، أو (هيستيريا)، و(مستر كاراتيه)، و(4 في مهمة رسمية)، وهو ما يضيف إلى صورته الذهنية لدى الجمهور أبعادًا من الموهبة تجعله يبدو أكثر تميزًا واختلافًا عن زملائه. وغناء عبد المنعم مدبولي المميز في فيلم (الحفيد) وفيلم (مولد يا دنيا) وغيرهم.

وأغاني سعاد حسني وفؤاد المهندس اللذين يمتلكان صوتًا عذبًا جعلهما يتميزان عن غيرهما بعض الشيء، في كونهما بدآ بالغناء قبل التمثيل، وكانت سعاد حسني تحديدًا قد بدأت بالغناء قبل التمثيل، مثل شقيقتها نجاة الصغيرة. وبعد ذلك، في منتصف السبعينيات، كانت أغاني سعيد صالح ويونس شلبي فقد فعلا الأمر نفسه.

المونولوج السينمائي والتقرب من الطبقات الشعبية

الغناء خاصة «المونولوج» أو المونولوج السينمائي أو «الأغنية الشعبية» كان وسيلة الممثلين للوصول إلى قلب الشارع المصري. فإسماعيل ياسين، مثلًا، لم يكن كوميديانًا فقط، بل كانت مونولوجات إسماعيل ياسين وسيلة لنقد المجتمع وإيصال رسائل تعليمية بأسلوب ساخر أحبه الناس، وبعد ذلك: كان نجاح الموجي ويوسف عيد؛ ما أدى إلى ظهور أغاني شعبية في السينما المصرية.

كانت مونولوجات إسماعيل ياسين وسيلة لنقد المجتمع

أغاني نجاح الموجي في الأفلام

يمثل نجاح الموجي حالة فريدة في السينما المصرية خاصة أغاني نجاح الموجي في الأفلام؛ فهو «الشرير الظريف» أو «الفهلوي» الذي استخدم الغناء، ليس بوصفه طربًا، بل أداة سخرية اجتماعية لاذعة.

أشهر وأهم أغنية قدمها في مسيرته هي أغنية (اتفضل من غير مطرود) من فيلم (أيام الغضب) في عام 1989، وهي من أبرز أغاني نجاح الموجي في مسيرته الفنية.

أغنية اتفضل من غير مطرود

  • سياق الأغنية: ظهرت الأغنية ضمن أحداث فيلم "أيام الغضب" (1989)، الذي قام ببطولته نور الشريف، يسرا، وإلهام شاهين، وأخرجه منير راضي.
  • فكرة الأغنية: كان الفنان نجاح الموجي هو صاحب اقتراح تقديم أغنية داخل الفيلم لتخفيف حدة الدراما وقتامة الأحداث، وقد لاقى الاقتراح قبولاً من المخرج والمؤلف بشير الديك.
  • صناع العمل: كتب كلمات الأغنية الشاعر الكبير سيد حجاب، وألحان: سامي الحفناوي، وتميزت بموسيقاها الفريدة التي اعتمدت على أصوات المجموعة البشرية "بابابابا" بدلًا من الآلات التقليدية.
  • نجاحها الجماهيري: حققت الأغنية نجاحًا مرعبًا لدرجة أن الجمهور بدأ يعد نجاح الموجي مطربًا، وغناها في العديد من المناسبات وفي النادي الأهلي، رغم تأكيده أنه لم يجنِ ثروة منها.
  • رسالة الكلمات: تعبر الكلمات عن حال الشخص الخارج من "مستشفى المجانين" ليواجه "مجانين" آخرين في الحياة الخارجية، وتسلط الضوء على الصراع الطبقي ومعاناة "الحرافيش" في السعي وراء لقمة العيش.
  • قصة الفيلم: يدور الفيلم حول شخص (إبراهيم) يعود من الخارج ليجد زوجته استولت على شقته وأدخلته المصحة النفسية ظلماً للتخلص منه.

الأغنية لم تكن مجرد مونولوج فكاهي، بل كانت تعبيرًا ساخرًا عن واقع اجتماعي مرير، مما جعلها تعيش في ذاكرة الجمهور المصري لعقود.

كلمات أغنية اتفضل من غير مطرود

اتفضل من غير مطرود

وإياك تتجنن وتعود

ده الداخل عندنا مفقود

والخارج من هنا مولود

وسلملنا بقى على التورماي..

حتسيب مستشفى المجانين

وتعيش مع مجانين تانيي

نما هي دنيا تجن العاقلين

إوعى تروح بقى في الباي باي..

دنيا بتدي للهبيش

وياعيني علينا يا حرافيش

نشقى عشان حبة ملاطيش

ما يكفوش العيش والشاي..

دنيا ودايرة خلف خلاف

والمجانين فيها أصناف

كله لازم له قميص الأكتاف

من أوطى ما فيهم للهاي

وقد تحولت الأغنية إلى «إيفيه» يردده الناس في الشوارع حتى يومنا هذا.

حققت «اتفضل من غير مطرود» لنجاح الموجي نجاحًا مرعبًا

أغنية حنكورة حكالنا حكاية والتنوع الفني

امتلك نجاح الموجي قدرة عجيبة على تلوين غنائه حسب طبيعة الفيلم، وهذان المثالان أغنية حنكورة حكالنا حكاية وفيلم (من يطفئ النار) يوضحان التباين الشديد في موهبته:

كلمات أغنية (حنكورة حكالنا حكاية) (فيلم شوارع من نار) – 1984:

حنكورة حكالنا حكاية حتقلب حالنا حوشونا حرام

خدوجة خليفة خطبها خليل ابن أخت خفاجة إمام

والمهر بحتة نتفة ستة سبعة تمانية تمام

وبنسأل صالح فالح قال بصراحة أنا معرفهومش

شولح شم شبانة شبندر شد شناب شعبان

شوال شمر شمروخ شريف شعيلة شريط شنوان

شافهم شمعون شرفنطح ابن شفيقة شندي شومان

وبنسأل صالح فالح قال بصراحة أنا معرفهومش

الست سكينة الساكنة في السكاكيني سرقها سليم

وجليلة جارتنا جابوها جماعة جبابرة حالتهم جيم

وشافونا ساعتها ساعتها ساعتها سقونا ستيم

وبنسأل صالح فالح قال بصراحة أنا معرفهومش

فيلم (من يطفئ النار) في عام 1982

التوظيف الغنائي: على الرغم أن الفيلم يتناول حالة الحرب في لبنان، فإن وجود نجاح الموجي هنا جاء لكسر حدة الدراما، وإضافة «نكهة مصرية» خفيفة الظل.

في هذا الفيلم، نرى نجاح الموجي وهو «يسند» بطل الفيلم، المطرب (وليد توفيق)، في بعض المواقف، أو يُقدِّم أداءً غنائيًا بسيطًا يخدم الجانب الكوميدي للشخصية.

المفارقة هنا أنه، على الرغم أن الفيلم يضم صوتًا طربيًا قويًا مثل (وليد توفيق)، فإن حضور نجاح الموجي «التمثيلي» في أثناء الغناء كان يخطف الأنظار، لأنه يغني بـ«روحه» قبل صوته.

وبهذا، لم يكن الغناء ترفيهًا أو تسلية للمشاهد، بل كان جزءًا أصيلًا من السينما المصرية، بل كان له حضور قوي يخدم الأحداث، ويخفف من حدتها، خاصة إذا كان الفيلم دراميًا أو أكشن، ما يُحوِّلُه في بعض الأحيان إلى بطلٍ في حد ذاته، وبذلك تبرز عبقرية المؤلف والمخرج في استغلال الممثل المؤدي أداة نجاح.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.