في مطلع القرن السادس عشر، شهدت منطقة الخليج العربي وبحر العرب حدثًا مفصليًا غيَّر وجه التاريخ البحري والسياسي للمنطقة، وهو وصول الأسطول البرتغالي، وبدأت القوات البرتغالية في شن هجماتها على سواحل الخليج العربي، مهددة طرق التجارة الحيوية والمواقع الإستراتيجية، هذا الغزو لم يكن تهديدًا تجاريًّا، بل كان تحديًا وجوديًا للقوى الإسلامية الكبرى المتمثلة في الدولة الصفوية الفارسية، والدولة المملوكية في مصر والشام، والدولة العثمانية المتنامية. لكن السؤال الذي يطرحه المؤرخون هو: لماذا فشلت هذه القوى، على الرغم من عدائها المشترك للبرتغال، في تكوين جبهة موحدة لصد هذا الخطر؟
يستعرض هذا التحليل التاريخي المواقف المنفردة لكل من الدولة الصفوية في فارس، والدولة المملوكية في مصر والشام، والدولة العثمانية الصاعدة، ليكشف كيف أن الصراعات المذهبية، والأزمات الاقتصادية، والأولويات السياسية المتضاربة منعت قيام تحالف إسلامي، وتركت الباب مفتوحًا أمام قرن من الصراع البحري الدامي بين العثمانيين والبرتغاليين.
يتساءل فريق من المؤرخين العرب المعاصرين عن الجانب التحليلي في السياسات العالمية والإقليمية الممثلة في القوى السياسية الإسلامية التي لم تتخذ موقفًا موحدًا من عمليات الغزو البرتغالي على الرغم معاداتها الشديدة للبرتغال، وهو ما يقتضي وقفة للتفسير والتحليل والتعليل.
الدولة الصفوية الفارسية انشغال بالصراع المذهبي مع العثمانيين
انشغلت الدولة الفارسية بنشر المذهب الشيعي بعد نجاحها في جهودها لتوحيد الأجزاء الفارسية في إطار كيان سياسي واحد سنة 1501م، ونجاحها في ضم العراق سياسيًا ومذهبيًا لها في سنة 1508م.
وقد جاء هذا الإنجاز الفارسي في تأسيس الدولة وتوسعتها مواكبًا لنجاح البرتغال في السيطرة على مملكة هرمز في الخليج، غير أن الفرس كانوا حذرين في مواجهة البرتغاليين، سواء تعلق ذلك بإحباط مخططاتهم أو بالمواجهة العسكرية معهم قبل أن يشتد بأسهم. ويرى أحد المؤرخين العرب المعاصرين أن السبب في ذلك ربما يعزى إلى أنه عندما أخضع الصفويون العراق لسيادتهم في سنة 1508م أصبحوا على مشارف حدود الدولة العثمانية السنية في الأناضول، وهذه الأخيرة واجهت الخطر الشيعي بكل قوتها، حتى اضطرت لنقل نشاطها العسكري من الجبهة الأوروبية إلى الجبهة العربية المتاخمة، فقام الصراع المسلح بين العثمانيين والصفويين على الحدود العراقية الفارسية عند «جالديران» سنة 1514م، حيث انتهى بهزيمة الصفويين وتراجعهم نحو عاصمتهم «تبريز» التي لم تلبث هي الأخرى أن سقطت في أيدي العثمانيين.

وعمومًا، فقد شغل الصراع الصفوي-العثماني المذهبي الدولة الفارسية عن مواجهة البرتغال، وكان الضعف الذي حل بفارس عقب الهزائم المتلاحقة من جانب الدولة العثمانية سببًا جوهريًا في قبول فارس التنازل عن هرمز في اتفاقية 1515م، بل إن الدولة العثمانية قامت في سنة 1530م باحتلال العراق لما يمثله، كدولة مجاورة للخليج -فضلًا على الأسباب السابقة- من تأثير على سير الأحداث في منطقة الخليح، أما مدينة البصرة فقد سقطت في أيدي العثمانيين في سنة 1546م.
الدولة المملوكية في مصر والشام قوة منهكة في آخر أيامها
كانت الدولة المملوكية في مصر -وهي سنية المذهب- دولة منهكة القوى في مطلع القرن السادس عشر، يسودها الضعف والتفكك بسبب جهود المماليك ممثلة في السلطان قنصوه الغوري ومن سبقه لإنقاذ العالم الإسلامي من الخطرَين المغولي والصليبي. وقد زاد الطين بلة الخسارة الكبيرة التي لحقت بالدولة المملوكية نتيجة تحويل طريق التجارة إلى رأس الرجاء الصالح بدلًا من طرق التجارة المألوفة التي كانت تخضع لسيطرة المماليك والعثمانيين.
ولم تتخل الدولة المملوكية عن الوفاء بالتزاماتها بشأن محاولة إبعاد الخطر البرتغالي عن العالم الإسلامي، وجهَّز قنصوه الغوري أسطولًا يتكون من خمسين سفينة أبحرَ إلى جدة في أكتوبر سنة 1505م لحماية الأماكن المقدسة في الحجاز من البرتغاليين الذين كانوا يتواطؤون مع الأحباش للإطاحة بالقوى الإسلامية.

وقد نجحت الدولة المملوكية في بث الذعر في البرتغاليين الذين حاولوا عبثًا الزحف نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة، وعندما علموا بقوة الأسطول المملوكي لاذوا بالفرار نحو الهند، إذ تعقبتهم السفن المملوكية إلى ميناء «شول» على الساحل الغربي للهند، وحدثت مواجهة عسكرية بين الجانبين المملوكي والبرتغالي في صيف 1508م انتهت بانتصار المماليك.
غير أن الأسطول البرتغالي ما لبث أن استجمع قواه واشتبك مع الأسطول المملوكي للمرة الثانية وأوقع به الهزيمة في سنة 1509م، ومع ذلك فإن قنصوه الغوري بعث بسفنه مرة ثانية عبر البحر الأحمر إلى المياه الهندية، غير أنه فشل في هزيمة البرتغاليين وانسحب إلى جدة.
واضطر الغوري إلى عدم تكرار المحاولة بسبب مواجهته العثمانيين في معركة «مرج دابق» ببلاد الشام في سنة 1516م، إذ قُتل الغوري وانهزمت الدولة المملوكية وتساقطت مدن الشام في أيدي العثمانيين الذين واصلوا زحفهم نحو مصر فاستولوا عليها في يناير سنة 1517م، وكان على العثمانيين أن يواجهوا بأنفسهم -وفي إطار العقيدة الإسلامية- الخطر البرتغالي.
الصراع العثماني-البرتغالي.. حرب بحرية استمرت قرنًا
إن الدولة العثمانية بتمسكها بالعقيدة الإسلامية الغراء فور قيامها، قد واجهت مسؤولية مقاومة الخطر البرتغالي وتواطؤ البرتغاليين مع الأحباش لتحويل مجرى نهر النيل، بل إن التهديد البرتغالي قد وصل في خطورته ووقاحته إلى محاولة إظهار الدول الإسلامية بمظهر الدولة الضعيفة العاجزة عن حماية مقدساتها.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف فقد كان في نية البرتغاليين اقتحام طريق البحر الأحمر والنزول في ينبع والتوجه منها نحو المدينة المنورة لنبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فتنهار روح المقاومة الإسلامية للبرتغاليين. وتأسيسًا على هذه النية الخبيثة، فقد سارع العثمانيون بالاتصال بشريف مكة والقوى اليمنية للاتحاد معهم ومواجهة البرتغاليين في المياه الهندية.
المواجهات الأولى والسيطرة على البصرة (1538-1551)
استجاب السلطان العثماني لنداء استغاثة مسلمي الهند في سنة 1537م، وكلف والي مصر «سليمان باشا الخادم» بمنازلة البرتغاليين، وجهّز والي مصر أسطولًا من 80 سفينة بقيادته، وتمكن من فرض سيطرته على عدن، لكنه لم يتمكن من منازلة البرتغاليين في المياه الهندية بسبب حشد قواتهم لمواجهته، ومن ثم اتجه إلى الخليج العربي حيث استولى على مسقط وحاصر جزيرة هرمز، وحث أهل القطيف على الثورة ضد البرتغاليين، ونجح في جعل أهل القطيف يطيحون بالبرتغاليين ويسلمون المدينة للعثمانيين.

حملة بيري بك والصراع على هرمز (1552-1554)
وفي إطار الهجمات المضادة بين العثمانيين والبرتغاليين في سنة 1552م، تمكنت الحملة البحرية العثمانية بقيادة بيري بك من هزيمة البرتغاليين وإعادة الاستيلاء على مسقط وجزيرة قشم، ولكنها عجزت عن الاستيلاء على هرمز بسبب التحصينات البحرية البرتغالية. وقد شهدت الفترة من 1552 إلى 1554م عددًا من المواجهات البحرية بين الأسطولين البرتغالي والعثماني عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، إذ عهد السلطان العثماني إلى مراد بك، سنجقِ القطيف، بقيادة السفن المتبقية المتجمعة في البصرة، وأمره بإعداد سفن أخرى للانضمام إليها.

وتقدّم مراد بك بأسطوله لمنازلة الأسطول البرتغالي المتجه نحو جدة، غير أن الهزيمة لحقت به، واضطرت السفن التركية المتبقية إلى التوجه نحو البصرة التي أصبحت نواة لأسطولٍ جديدٍ، عهد السلطانُ العثماني قيادتَه إلى «علي بن حسين» الذي غادر البصرة في يوليو 1554م متوجهًا إلى البحرين، فاصطدم بالأسطول البرتغالي في مسقط في أغسطس من العام نفسه، ونشبت معركة انتهت بهزيمة العثمانيين.
تجدد المعارك والوصول إلى طريق مسدود (1557-1581)
شهدت المدة بين 1557 و1581م تجدد المعارك بين الجانبين العثماني والبرتغالي، وشملت هذه المعارك مسقط والبحرين، وكان النصر حليف العثمانيين في معظمها، غير أنه لم يُقدَّر لهم البقاء في أيٍّ من مناطق الخليج، فتركوا الخليج وشأنهُم بعد أن كان عرب الخليج قد أعلنوا ولاءهم الديني للدولة العثمانية.
تطور الأحداث منذ ظهور العثمانيين قوة مؤثرة في العلاقات الدولية
يمكن إجمال الأحداث المهمة خلال ظهور الأتراك العثمانيين قوة دولية مؤثرة في تاريخ الخليج منذ مطلع القرن السادس عشر فيما يلي:
أولًا: أقلع «سوارير» في سنة 1516م من «جوا» إلى البحر الأحمر للبحث عن الأسطول العثماني الذي قيل إنه كان يتأهب لمهاجمة الممتلكات البرتغالية في الهند. ولدى وصوله إلى ميناء عدن، رأى قائد المدينة نفسه غير قادر على مواجهة البرتغاليين، فعرض عليه مفاتيح القلعة، وقد رفض «سوايز» هذا العرض؛ لأنه كان يأمل أن يأخذ المدينة في وقت آخر أكثر ملاءمة، ومضى إلى مقربة من جدة دون أن يجد أثرًا لسفن السلطان العثماني.
ولدى عودته، استولى على زيلع، ثم أقلع ثانية، وكان في نيته أن يستولي على عدن، وكانت القلاع قد أُعيد إصلاحها وزُوِّدت السفن بالرجال، وغادر «سواريز» إلى بربره، غير أن هبوب العواصف الشديدة على سفنه أغرقَها، وانتهت الحملة بكارثة. وكان من الضروري إرسال تعزيزات إلى هرمز؛ إذ حدثت اضطرابات نتيجة محاولة البرتغاليين الاستيلاء على الجمارك.
إن موضوع الاستيلاء على جمارك هرمز أصبح أمرًا مهمًّا بناءً على تعليمات «عمانويل» ملك البرتغال، وانتهت الاضطرابات في هرمز بتوقيع معاهدة مع البرتغال، وهو ما قوّى قبضتَها على هرمز.

ثانيًا: واجه البرتغاليون عددًا من الثورات من جانب الأهالي في سنة 1526م في مسقط وقِلهات، وذلك نتيجة تعسُّفِ «دي ميللر» الذي كان يحكم هرمز والعنف الشديد الذي اتسم به، وقمع «لوبو فاز» هذه الثورات بأسطول استقدمه من الهند، كما أنه في الوقت نفسه حصّل متأخرات الجزية المستحقة على حاكم هرمز.
ثالثًا: أجرى «نونو دي كونو» -حاكم المستعمرات البرتغالية في الهند والذي خلف «لوبو فاز» كنائب لملك البرتغال في سنة 1529م- زيارة إلى هرمز، ونفى المستشار الأول لشيخ هرمز إلى البرتغال. وقد ثار الأهالي في البحرين على شيخ هرمز، فأرسل ملك البرتغال حملة لقمع هذه الثورة، غير أنها فشلت نتيجة نقص استعداداتها.
وفي أثناء وجوده في هرمز، وصل «تافاريز دي سوسا فارما» من البصرة. وتجدر الإشارة إلى أن اسم الدولة العثمانية كان قد بدأ يتردد في الخليج؛ فقد تعهّد حاكم البصرة -والأغلب أنه كان عربيًّا- بأن يحول بين العثمانيين والتجارة هناك إذا عاونه البرتغاليون ضد شيخ من جواره في العراق كان عدوًّا له.
وقد ساعد «تافاريز دي سوسا» حاكم البصرة، غير أن هذا الأخير لم يفِ بوعده بتعطيل التجارة التركية، ورفض أن يسلمه سبع سفن تركية، فقام «تافاريز» بإحراق مدينتين في طريق عودته إلى هرمز. وفي السنة نفسها أُرسلت إلى البحرين حملة لقمع الثورة التي قامت هناك ضد ملك هرمز، ولكن نتيجتها كانت في غير صالح البرتغاليين.
وقد جهَّز العثمانيون أسطولًا ضخمًا يقوده «سليمان باشا» والي مصر، وربما كان ذلك ردًّا على الحملات التي كانت ترسلها الحكومة البرتغالية في الهند بين حينٍ وآخر إلى البحر الأحمر والخليج. ووصل الأسطول التركي إلى شاطئ الهند في سنة 1538م، وبذل جهودًا يائسة استمرت بضعة أشهر للاستيلاء على «ديو» من البرتغاليين، غير أنه تعرَّض لفشلٍ ذريعٍ. واتسمت المرحلة التالية بتنافسٍ شديدٍ وصل إلى درجة الصراع المستمر بين البرتغاليين والأتراك العثمانيين في الخليج.
رابعًا: كان السلطان العثماني «سليمان القانوني» يسيطر على أكبر قوة عسكرية في العالم آنذاك، غير أنه لم ينقذ عرب الأندلس في نكبتهم، بل أرسل لهم السفن لنقلهم إلى إفريقيا بدلًا من تقديم المساعدة العسكرية. ويبدو أنه، بالنسبة للمحيط الهندي، أدرك السلطان العثماني فداحة الضرر الذي لحق بالتجارة العربية وتأثيره السلبي في الأحوال الاقتصادية، ولا سيّما في مصر التي فقدت دخلها من التجارة بعد تحوّل الطريق البحري حول إفريقيا.
غير أن السلطان العثماني، في مواجهته للبرتغاليين، أوعز إلى والي مصر بالتهيّؤ للقتال وطرد البرتغاليين من الخليج العربي، وبعث إليه برسالة يقول فيها: «عليك إعداد العُدَّة في السويس للجهاد في سبيل الله، حتى إذا تهيّأ لك إعداد أسطولٍ وتزويده بالعتاد والميرة والذخيرة، وجمعِ جيشٍ كافٍ، فعليك أن تخرج إلى الهند فتستولي عليها وتحافظ على تلك الأجزاء؛ فإنك إذا قطعت الطريق، وجاهدت السبيل المؤدية إلى مكة والمدينة، تجنبت سوء ما فعل البرتغاليون وأزلت رايتهم من البحر».
وقد وصل والي مصر إلى الهند سنة 1538م، وكان حلفاؤه من الزامورِيِّينَ قد هُزموا وتفرّقوا عندما فاجأهم القائد البرتغالي «مارتن دي سوزا» بسبب تفوّقه في التسلح وقوة النيران. وعلى الفور رجع والي مصر إلى بلاده بعد جولةٍ في الخليج العربي، وللمرة الثانية أصبحت البحرية البرتغالية صاحبة السيادة المطلقة في المحيط الهندي سنوات طويلة.
خامسًا: بدأ الصراع السافر بين الأتراك العثمانيين والبرتغاليين في الخليج في منتصف القرن السادس عشر، إذ سلّمَ عرب القطيف قلعتهم للأتراك وأعلنوا عدم ولائهم لملك هرمز، وأنهم يضعون أنفسهم تحت حماية الأتراك الذين كانوا قد احتلوا البصرة منذ مدة وجيزة؛ ما جعل ملك هرمز يشعر بالضيق والغضب لضياع القطيف. كذلك فقد طرد الأهالي حاكم البصرة من مدينته، ولما كان لدى هذا الأخير قوّة قوامها ثلاثون ألفًا من الرجال، دعا البرتغاليين لمساعدته ووعدهم بضمان امتيازاتهم هناك، ومنها السماح لهم ببناء قلعةٍ في ميناء البصرة.

وتأسيسًا على ذلك، فقد خرجت حملة برتغالية من الهند ضمن أسطول يتكوَّن من 19 سفينة وأكثر من ألفٍ ومائتي رجل، متوجِّهة إلى القطيف. وقد نجحت الحملة، بمؤازرة الموالين لشيخ هرمز، في طرد الأتراك العثمانيين من القطيف. وقد زارت الحملة البصرة، غير أن قائدها خشي الخيانة فلم يمكث فيها، ولم تحدث فيها أي عمليات قتالية.
وقد استنفر ذلك الأتراكَ العثمانيينَ، وكانت قوتهم المتصاعدة تتعاظم، فصمّموا على الثأر من البرتغاليين في القطيف والبصرة، فأرسلوا قائدًا محنّكًا مع ستة عشر ألف رجل، ضمن أسطول من السفن، ونفَّذ مظاهرة أمام مسقط نفسها، وهاجمها ونهب المدينة، واستسلم له قائد القلعة البرتغالي «جوا دي لزبوا» بعد أن قاسَوْا قصفًا بالقنابل نحو عشرين يومًا، وما لبث القائد العثماني أن أمر بنقل جميع المدافع إلى سفنه.
ويصف أحد الباحثين الغربيين نشاطات «بيربك» القائد العثماني قائلًا: «تقدّم أسطول العدو أمام مسقط التي صمدت، لكنها اضطرت في النهاية إلى الخضوع والاستسلام، وبعد هذا انطلق بيربك نحو هرمز. ولما وصل الأتراك إلى مكان الرسو وألقَوا المراسي ونزلوا إلى البرّ وخيّموا، ثم استحكموا ورفعوا بطاريات المدفعية وثبَّتوا مدافع كثيرة، وأخذوا يطلقونها بعنف كبير دون توقّف مدة شهر.
وحينما وجدوا أنفسهم تكبّدوا خسائر كبيرة ووجدوا جهدهم عبثًا، أقدم الترك -بناءً على أوامر قائدهم- على نهب المدينة، ثم ذهبوا إلى جزيرة قشم حيث كان كثير من رجال هرمز الهاربين قد التجأوا إليها، وهناك كسبوا الترك مغانم كثيرة وانسحبوا».
وبعد أن اشتدّ الخطر الذي يهدد مركز البرتغاليين في الخليج العربي في أعقاب نشاط «بيربك»، أعدَّ نائب الملك أسطولًا ضخمًا لينطلق به إلى هرمز، فأقلع في سبتمبر سنة 1551م، غير أن الخطر كان قد زال عن هرمز، فعاد القائد إلى «جوا».
وفي سنة 1552م أُعدم في القسطنطينية لعصيانه أوامر السلطان العثماني، أمّا خَلَفُه، فقد أقلع بأسطول واجه به الأسطول البرتغالي، وجرى اشتباك حادّ من دون نتائج حاسمة، وبعد سنة أوقع البرتغاليون هزيمة كبرى بالأسطول العثماني على مقربة من مسقط، فأعاد البرتغاليون فرض سيطرتهم على الخليج العربي.
غير أن العثمانيين رغبوا -فيما بعد- في امتلاك الموانئ العربية على الخليج، فأرسلوا أسطولهم لمهاجمة البحرين، ولما كان التفوّق البرتغالي لا يزال قائمًا، فضلًا على الإمدادات البرتغالية إلى المنطقة، فقد أخلى الأتراك العثمانيون هرمز وانسحبوا إلى البصرة. ثم احتلوا مسقط في سنة 1581م، ومرة أخرى واجهوا البرتغاليين الذين كانوا مستعدين هذه المرّة، ففرّوا مذعورين نحو الداخل.
وقد استمرّت المناوشات في الأعوام القليلة التالية بين كلٍّ من الأتراك العثمانيين والبرتغاليين من جهة، وملك هرمز من جهة أخرى، إذ استقطب البرتغاليين إلى جانبه واستولى على قلعة هرمز، ومن ثم سيطر عليها بعد تطويقها. وظلت هرمز نقطة إستراتيجية مهمّة في سياسة البرتغال البحرية؛ فكانت الأساطيل البرتغالية المتتالية، قبل توجّهها إلى المحيط الهندي، تقف في هرمز وتطمئن إلى استتباب الأوضاع فيها لمصلحة البرتغال، وكذلك في مسقط التي أقام البرتغاليون فيها قلعة وأثبتوا وجودهم على غرار هرمز.
نهاية نفوذ البرتغاليين في الخليج العربي ووصول قوى أوروبية جديدة
وقبيل نهاية القرن السادس عشر، حدث تغيير في ظروف البرتغاليين في الشرق، تمثَّل في وصول سفن أوروبية أخرى جاءت لتشارك في مغانم التجارة الشرقية؛ فمن ناحية، ظهر الهولنديون في المياه الشرقية، ومن ناحية أخرى اتجهت إنجلترا إلى الشرق. غير أنّ الاهتمامات الهولندية بالخليج العربي لم تبرز إلا في نهاية القرن السادس عشر، في حين إنّ إنجلترا لم يبرز اهتمامها رسميًّا بالخليج العربي إلا عبر حملة «لانكستر» سنة 1591م. وكان بضعة أفراد من الإنجليز قد أدركوا أهمية منطقة الخليج العربي، ومن بينهم «جون نيوبري» و«رالف فيتش» اللذان وصلا إلى هرمز سنة 1583م، وعادا إلى لندن سنة 1591م وقد أدركا مدى الإمكانات التجارية للمنطقة.
يكشف التحليل التاريخي أن فشل القوى الإسلامية الكبرى في تكوين جبهة موحدة ضد الغزو البرتغالي لم يكن نابعًا من ضعف عسكري محض، بل كان نتيجة مباشرة لشبكة معقدة من الصراعات الداخلية والأولويات المتباينة، فالصراع المذهبي بين الصفويين والعثمانيين كان أكثر إلحاحًا في حسابات الدولتين من الخطر القادم من البحار. والدولة المملوكية كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة اقتصاديًا وسياسيًا. هذا الانقسام الإستراتيجي أتاح للإمبراطورية البرتغالية، ومن بعدها القوى الأوروبية الأخرى، فرصة ذهبية لفرض هيمنتها على طرق التجارة البحرية وتأسيس نفوذ استعماري استمر قرونًا، وهو ما يمثل درسًا تاريخيًا عميقًا في أهمية الوحدة في مواجهة التحديات الخارجية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.