دعا الغرب في نقد نفسه إلى إعادة قراءة العالم ووجوده -السابق والراهن- ضمن قراءة مركزيته، وإلى أن «النقد والأدب» بإمكانهما استيعاب الأزمات الأخلاقية والسياسية السائدة في يومنا هذا، وبذلك يمكن معهما صناعة الرأي الصائب والحلول الممكنة لها! والحق أنهم لم يبخلوا بالنقد والأدب فقط، وإنما وسّعوا نطاق دعوتهم هذه إلى جميع علومهم وتكنولوجياتهم!
إن الداعي إلى العجب والاشمئزاز من وراء هذه الدعوة -دعوة من لا يفقد يأسًا وهو يعلم أنها باطلة- أن الأمم تعلم علم اليقين بأن الغرب، منذ سقوط الأندلس -وقبله- وولادة أمريكا من رحم دهاليز كنائس بريطانيا وغيرها، وهو يفتعل الأزمات في جميع أركان الأرض الأربعة بعلومه، وهو اليوم نفسه من يقترح -بصيغة الآمر العارف- فكّها بعلومه أيضًا! تالله إنها مفارقة عجيبة وجاحدة لموقف الغرب من نفسه ومن العالم!
لا نحسب أن في الغرب اليوم من أهل علمهم ومعرفتهم من ينقصه الرشد بقدر ما يزيده الجحود؛ أَوَلَمْ يتصفّح أحد منهم نقدًا حقيقيًا صادقًا لتاريخ حياة الأمم السابقة؟ فيعلم حينها أن عظماء المفكرين والعلماء والنقاد والفلاسفة والعباقرة... لم يقدروا أن يفرغوا في أرواح الناس آراءهم ونظرياتهم وكتاباتهم، فيترجمونها إلى أعمال وأفعال إن دلّت كانت دلالة على أثر الحق المتروك، اللهم طلبة العلم، وهاتِ عددهم... لِمَ التنازع والاختلاف في الحق والتمادي في الجحود عبر الأزمنة، وقد مرّ سابقًا -وهو باقٍ- على نحو ليس لكائنٍ ما كان معه إلا أن يسلِّم أو يكتمه ويظل جاحدًا مدّعيًا؟
إن صنائع الغرب وتحركاته نجدها كلها تستند إلى آراء وكتابات مفكريه وفلاسفته، كما يقوم بقَوْلَبَتِها لصالحه إن كان فيهم من يسلك درب العلم والمعرفة على وجههما الحقيقيين، على الرغم من اختلاف عقيدته.
العلم الحق في مواجهة قصور المعرفة الإنسانية
إن الآلة التي يصنعها الإنسان، متى زاغت عن إرشادات استعمالها، اضطربت وتعطّبت وفسدت. ومتى أُريد بها الحركة والاشتغال بغير حقيقة علمها الذي أُنشئت به، تعطّلت ولم تؤدِّ الغرض الذي من أجله صُنعت. فليت شعري، لِمَ الغرب يعاند ويكابر، ويفعل كل ما يفعله؛ من أجل تحريك هذا «المصنع الدنيوي» واشتغاله، نزولًا عند رغبة هواه! مستندًا في ذلك إلى علومه العاجزة والناقصة؛ عجز الإنسان ونقصه، إذ هما من حقائق صفاته المسلّم بها، دون العلم الحق الذي أوجد هذا المصنع الدنيوي؟
فلا يستقيم أمر الناس وصلاحهم في هذا الوجود إلا بالعلم الحق الذي صار به الوجود وجودًا، وليس بعلوم من هم جزيئات في هذا الوجود لا حول لهم ولا طول سوى الادعاء والجحود.
أيها الإنسان، ما يجب لنا أن نغترّ بما وصلنا إليه اليوم من تطورات وإنجازات، ونحن أشرفنا على الصفحة الأخيرة من كتاب «حياة تاريخ الوجود»، ولم نفقه بعدُ فصوله السابقة، ولا اعتبرنا بها، إذ ما زال ثمّة بياض في الكتاب -تركه لنا المؤلف رأفةً بنا- بإمكاننا أن نخطّ فيه نهايةً محمودة يُسرّ لها القارئ وينشرح لها قلبه فيما بعدُ. ومع هذا الكتاب ليس بالقارئ طاقة بتعدد قراءاته ولا بتوليد معانٍ متعددة؛ إذ القراءة فيه واحدة والمعنى أوحد.
نجد كل التيارات الفكرية والنقدية والأدبية والفلسفية وغيرها تهتف بالوعي وإعادة قراءة المعنى والوجود؛ أن يعي الفرد ذاته ومجتمعه... وعلى المجتمع أن يعي ذاته بين المجتمعات الأخرى... كل هذا -في زعمهم- كي يعي إنسان اليوم الأزمات الأخلاقية والسياسية التي يعيشها.
في كل مرحلة من مراحل التاريخ، ولا سيما في مرحلتنا هذه، والغرب يدعو إلى الوعي، بآرائه وعلومه، فكانت الحصيلة كما نصّها التاريخ، وكما هي الآن، معتلية منصة العالم.
إن تكرار الخطأ والخطيئة والجهل والانغماس فيها، لا يؤوِّله سوى الجحود المعني. كونك إنسانًا، إذن فانظر إلى آثار العلم الذي صُنعت به، ومتى فعلت وجدت الوعي الذي يسوقك نحو الحقيقة.
أما النظر -أيها الإنسان- في علم أنت ظانٌّ بأنك من أوجده، وتسعى به نحو الوعي والحقيقة، فاعلم أنك، والله، واهم أو جاحد. ومصير الوهم والجحود، شماتة من نفسك وبك، بعد أن يطوي المؤلف صفحتك من كتاب «حياة تاريخ الوجود»، ليضعك مرة أخرى في كتاب «الخلود» ضمن شخصياته التي سبق عليها قول الشقاء والعذاب بما جحدت وادّعيت.
إذن دعونا نجرّب، فيم بقي لنا من صُفَيحاتٍ، النظر في آثار العلم الذي جئنا به، إذ العلم الذي لا يقودنا نحو حقيقة العلم الذي جئنا به، فلا يعدّ علمًا، وإنما هو سلاح يراد به ما نشهده اليوم.
نهضة الأمة بين الاقتباس من الغرب والرجوع إلى العلم الحق
بيد أن الطامة العظيمة تظهر في بني جلدتنا، ممن يسلكون درب الغرب في الادعاء بأن الرأي السديد في إصلاح الأمة إنما ينبعث من علوم الغرب وتكنولوجياته، دون العلم الحق. بالله عليكم، كم عقدٍ مرّ على هذا الزعم وما زال، وكم من فئة اعتنقت آراء الغرب وعلومه فتوهمت؛ أفبهذا تحقق لحاضرة العرب والإسلام اليوم ما تروم إليه الأمة من صلاحٍ وسؤددٍ؟
أفمن خلال التهافت والتمسك بأن الحق والصواب لا يعدوان أن يخرجا عن دائرة العلم الإنساني الناقص والعاجز، يمكن بلوغ الغاية؟ أم ينبغي السعي خلف العلم والعلوم التي استند إليها سلفنا، في فصل من فصول التاريخ السابقة -ونزيد فيها ما يصلح حاضرنا- فكان لهم بها سيادة العالم بأخلاقهم وعلومهم، التي شهد بها الجاحد والمنصف!
نحن لا نقول بدفع تلك العلوم والضرب عنها صفحًا، والاكتفاء فقط بالعلم الحق -وإن كان وحده غاية الغايات- وإنما نقول: متى قمنا بتنخيلها وأخذها بالشروط التي ينصّ عليها العلم الحق، كانت لنا لا علينا، ومتى جحدنا وأعرضنا كانت علينا لزامًا.
يا معشر العلم والمعرفة، يا أصحاب حرية الفكر والإبداع والتجديد، يا أرباب النظر والتجريب، يا أهل التسييس والتدبير... بالله، ما ضرّكم لو جرّبتم العلم الحق ووضعتموه موضع تجربة واختبار، من أجل «التجربة العلمية» في ذاتها، ثم من أجل الإصلاح والوعي المدّعى بهما؟ ما ضرّكم لو قاربتم العلم الحق منذ أن بزغ في عصر سابق -كبزوغ الشمس على الناس- ودقّقتم النظر في فعله وتأثيره على الإنسان في كل مرحلة، وما كان من أمر الناس الذين درسوه وعقلوه فعاشوا به، وما كان من أمرهم قبله، وما كان من أمر الأمم التي جحدته، ثم ما هو كائن اليوم من أمر الذين مدّوا في جحودهم وأصرّوا عليه، ومن أمر الذين تقهقروا عما كانوا عليه واستكانوا إلى هواهم، فضعفت نفوسهم ومالوا معها ميل الغرب؟
ولكن الأنا الجاحدة تأبى إلا إعراضًا ودفعًا للعلم الحق، وتنزع إلى التمسّك بهواها وعلومها التي ما تنتج سوى ما يعود على الإنسان بالمصلحة ظاهريًا، والمفسدة باطنيًا؛ حتى غدا إنسان اليوم لا يحب ولا يرى ولا يعيش إلا سطح السطح من الأشياء.
أعجب لتلك العقول الفريدة، كيف يغيب عنها درب العلم الحق؟ لولا معرفتنا أن منهم من سبق عليه القول، وإن كان قوي العقل. هذا سؤال إنما بعث بأخيه الذي طالما راودني: يقولون عن «نيتشه» إنه قد جنّ في أيامه الأخيرة... ولكنه مال بفكره نحو الإسلام فمدحه في كتاباته، وأُعجب بروحه التوحيدية والقوية، عكس ما ذمّ به المسيحية من ضعف وذل.
وسؤالي هو: ماذا لو تسنّى له ولغيره من الفلاسفة والمفكرين دراسة الإسلام بعقولهم تلك على الوجه الموضوعي دراسةً معمقة؟ ألم يكن الأجدر بهم أن يجدوا الحق ماثلًا أمامهم -بعد أن كانوا يبحثون عنه في مواطن بعيدة وملتوية، وهو قريب منهم على طريق مستقيم- فيتبعونه؟! عدا أن يكونوا في عداد الجاحدين... ولكنه جنّ في آخر حياته!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.