العولمة الواتسابية في المرصاد

لقد أصبح العالم سفينة واحدة تتقاذفها الأمواج من هنا وهناك، وكأن سكان البسيطة سكنوا منزلًا واحداً، وأباً واحداً وأمّاً واحدة بسبب تطورات هذا العصر المذهلة الَّتي تظهر كل يوم، إما بدقيقة أو سويعات، ولو أراد المرء أن يدرك هذه التّطوّرات والاكتشافات العلميّة لعجز في ذلك تماماً، وكل هذا حدث في التسعينات من القرن الماضي. 

وقد يطرح البعض التّساؤل عن هذه التّطوّرات الَّتي شهدتها العيون وصدّقتها العقول، ونفذتها الرّغبات العارمة الَّتي لا تعرف الطّريق، تأخذ كل ما يأتي من البلاد المتقدّمة، ولا تمعّن النّظرة النّقديّة الواعية ما تحمله هذه التّطوّرات في طياتها من الضّمائر الغائبة الَّتي لا تدل على المخاطب في شيء، وهي الَّتي جعلت العالم ثالثًا يتجسد في الأقوياء أصحاب المخابرات ومنجزات هذا العصر، وأمامنا نحن واقع جديد لا مجال للإنكار بأن هذه المستجدّات صارت تحاصر الإنسان المعاصر في كل مكان من الجهات الأربع الأصليّة، إنها سيل جارف لن يجدي معه أسلوب الرفض أن ينساب إلى المستنقعات الواعرة، هي ظاهرة وقتيّة ومكانيّة، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، لهي واقعة بينة ماثلة أمامنا، بكل جوارحها. 

من هنا ابتداءً ليس بخافٍ على أحد، أن الواتساب هو أكبر العولمة في حياة الإنسان المعاصر، وهو جزء لا يتجزأ، لأن له دور كبير من حياة الفرد اليوميّة، وهو فلذة قلب الإنسان المعاصر، يستشعر الكائن الاجتماعي على أن الحياة بدونه، لا يسمّى حياة ميمونة بل مجرّد تعاسة، وما أنزل الله به من سلطان على هذه الميّزة الجبارة. 

الجدير بالذّكر هنا أنه بات عضواً في العلاقات الأسريّة يحاور ويشارك ككل، ويصلح ذات بين الناس من المعاملات، والتبادلات، ويفسد ويدمر العلاقات المتينة، المبنيّة بالودّ والوئام. 

وهو برنامج أمريكيّ مجانيّ، ذو ثورة واسعة في عصر الحديث، يضع الأفراد على حدة واحدة، وهو سيد الموقف في نظام العالم الجديد العميق الَّذي لا يتناطح فيه عنزان أنه هو العنصر الأساسيّ لترتيب البيت من الداخل. 

لهو أكبر عنصر من العناصر الَّتي تستخدمها المخابرات لمراقبة الناس في كل مكان، وقد لا يدرك البعض أنه في المرصاد دوماً وأبداً، ينظر ويأخذ النّتيجة لاستغلالها يوماً ما، لذلك عدم الوعي يدفع البعض إلى ارتكاب أنواع الغباوة والطّيش عبر هذا السيناريو، الَّذي يكون في ناطحات السّحاب يتفرج ويحلّل. 

ولسنا بحاجة ماسة إلى تأكيد ذلك، وأوضح مثال على ذلك سقيقه "الفيسبوك" زعم رئيس الولاية المتّحدة الأمريكيّة السابق "دونالد ترامب أنه خسر الانتخاب الرئاسي بسبب "مارك زورك بيرغ" بأنه باع ملفاته الشخصيّة. 

إذن فأين الأمانة؟ حتَّى يخلع المستهلك جسده عارياً، أو صورة وحشيّة، أو شيئاً من هذا القبيل، في المرآة هذا المتجسس الَّذي يسترق السّمع والنّظر من خلف الباب، ولا يكترث عواقبك أنت مهما تكون غالية...

مترجم وكاتب وباحث وطالب علم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مترجم وكاتب وباحث وطالب علم