العوامل الأسرية المؤثرة في تكوين شخصية الأبناء

 الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية والتربوية الأولى التي تُعنى بإعداد الإنسان للحياة الاجتماعية المقبلة، وبالتالي فإنها الصورة المصغرة من المجتمع، والتي تعكس طبيعة هذا المجتمع بما فيه من قيم ومعايير تُنظم العلاقات بين أفراده، وتوجد عوامل عدة تؤثر في عمل هذه المؤسسة ودورها في تكوين شخصيات الأبناء، فيما يلي عرض لأهم هذه العوامل.

اقرأ أيضاً الاستثمار في الأبناء منذ الصغر..تعرف على الطريقة

العلاقة بين الوالدين

 تُعَد العلاقات التي تسود بين الوالدَين والروابط الأسرية التي تجمع بينهما ذات أهمية بالغة لتوفير الأجواء الأسرية المفعمة بالحب والطمأنينة والأمن في المعاملة مع الأبناء، وكل ما يلزم لنموهم نموًا سليمًا في جوانب شخصيتهم الاجتماعية. ولا شك أن التوافق الأسري بين الوالدَين يُهيئ المناخ الأسري اللازم لنجاح التربية وتحقيق أهدافها؛ لأن نوع العلاقات السائدة في الأسرة بين الأبوَين من جهة والأبناء من جهة أخرى يُحدد إلى درجة كبيرة شخصية الطفل وتوافقه الاجتماعي.

ومما سبق يتضح أن العلاقات الأسرية القائمة على التفاهم والاحترام المتبادَل بين الوالدَين، تُوجِد بيئة اجتماعية جيدة ينمو فيها الأبناء نموًا اجتماعيًّا سليمًا، على عكس العلاقات القائمة على الخلافات والمشاحنات التي تؤدي إلى حدوث الاضطرابات النفسية عند الأبناء، والتي تنعكس بدورها على نموهم الاجتماعي وتَكَيُّفهم مع البيئة المحيطة سواء في الأسرة أو خارجها.

اقرأ أيضاً الآباء يدمرون الأبناء.. الأب السيكوباتى

العلاقة بين الوالدين والأبناء

العلاقات بين الأبناء والوالدَين يكون لها الأثر الأكبر في تحديد شخصية الطفل الذاتية والاجتماعية، وكلما كانت العلاقة بين الوالدَين والأبناء مبنية على الثقة والحب والقبول، ساعد ذلك على نمو الطفل نموًّا سويًّا، ما ينعكس بدوره على توافقه الشخصي والاجتماعي. وعلى النقيض من ذلك، فإن خلافات الوالدَين مع الأبناء تُنمي لدى الطفل مفهوم الذات السلبية وسوء التكيف الاجتماعي والنفسي، وعدم التوافق مع البيئة التي يعيش فيها، الأمر الذي يُؤدي إلى انحراف الأبناء.

إن علاقة الفرد بوالدَيه هي التي تُحدد الملامح الأولى لعلاقاته النفسية والاجتماعية بالآخرين في المستقبل، فنجد أن العلاقات السلبية بين الوالدَين والمراهق تقود إلى مستويات عالية من الإخفاق في الحياة وسلوكيات عدوانية، فضلًا عن الإخفاق الدراسي والشعور باليأس وانخفاض تقدير الذات، وقد تُؤدى إلى مشكلات نفسية أشد وأكثر خطورة نتيجة تعامل الوالدَين غير المناسب مع الصعوبات التي يُواجهها الأبناء في هذه المرحلة.

اقرأ أيضاً لماذا استحق الوالدان كل هذا التقدير؟

دور الوالدين في عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء

للوالدَين دور مهم وأساسي في تنشئة الأبناء، وقد يختلف هذا الدور عند الأم عنه لدى الأب، ويُعَد دور كل منهما مكملًا للآخر في تلك العملية، ولذلك يجب إلقاء الضوء على دورهما في عملية التنشئة الاجتماعية.

دور الأم

للأم دور كبير ومهم تجاه أبنائها، فإنها مَن تُربيهم وتُشرِف على إعدادهم وتوجيههم، فالأم لها دور مهم في تربية ورعاية الأبناء لكونها ملازمة لوليدها منذ الولادة إلى أن يشبّ ويترعرع ويبلغ السن التي تؤهله ليكون رجلًا يعتمد على نفسه، وتُعَد العلاقة بين الأم والطفل الركيزة الأساسية في النمو الاجتماعي والانفعالي والنفسي المبكر عند الطفل، فهي التي تساعد أطفالها على اكتساب السلوكيات والمعايير والاتجاهات المناسبة لأداء أدوارهم في المجتمع، وهي الأساس في تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي لدى الأبناء من خلال طرق التربية السليمة التي تتبعها.

إن عدم أداء الأم دورها تجاه أبنائها يؤدي إلى اضطرابات سلوك الأبناء وظهور الاتجاهات السلبية لديهم تجاه أنفسهم وتجاه المجتمع، كما يؤدي إلى غياب القيم والإطار المرجعي لهم، فكلما كانت علاقة الأم بطفلها سوية انعكس ذلك على النمو النفسي والاجتماعي للطفل.

ويتجلى دور الأم في إعطاء أطفالها الثقة بأنفسهم وتنمية قدراتهم الاجتماعية، فثقة الطفل بنفسه شيء مهم جدًّا لتنمية استقلاليته واعتماده على نفسه ورعايتها وعلى الخروج واكتشاف ومواجهة الحياة بمفرده، كما تُسهم الأم بفاعلية في تعليم أبنائها ليصبحوا أعضاء صالحين في المجتمع من خلال متابعتهم دراسيًّا وعلميًّا وتشجيعهم على القراءة والاطلاع، والعمل على تنمية النواحي العقلية والمعرفية والفكرية لديهم.

ونظرًا إلى أن الأم لها دور فعال في تكوين شخصية الطفل فإن حرمان الطفل من عطفها ووجودها يُمثل خطورة كبيرة، وذلك لأن أول أُسس الصحة النفسية أنها تُستَمد من العلاقة الوثيقة التي تربط الطفل بأمه، لذلك فإن انفصال الطفل عن أمه له آثار خطرة على شخصيته وتعرضه للانحراف والاضطرابات السلوكية، كما يؤثر في الأمن النفسي وتوافقه الشخصي والاجتماعي، وكذلك يُضعف تحصيلهم الدراسي ويؤدي إلى حدوث مشكلات سلوكية كالقلق.

دور الأب

لا يقل دور الأب في عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء أهمية عن دور الأم، فإن شخصية الأب تُعَد عاملًا مهمًّا في التأثير في شخصية الأبناء وتساعد على تكيفهم وارتقائهم النفسي والاجتماعي، يوفر الأب الأمن والأمان للأسرة ما يساعد أبناءه على الإدراك الحقيقي لذواتهم وإمكاناتهم، ويُعَد وجود الأب في الأسرة أمرًا ضروريًّا وأساسيًّا، لما له من آثار إيجابية على البناء النفسي للأبناء، فيشعر الأبناء بالأمن والاستقرار النفسي.

إن حنان الأب يُجنب الطفل عوامل القلق والخوف والعدوان والانحراف، ويُزيد من توافقه النفسي الاجتماعي، ويُعمق الشعور بالثقة في النفس والآخرين. فالأبناء يحتاجون إلى دعم الأب في كثير من أمورهم وقد يشعرون باليأس في حالة العجز عن تحقيق ذلك، خاصة في مرحلة المراهقة التي يكتسب فيها الفرد مهاراته.

كما يؤدي الأب دورًا مهمًّا في حياة الأسرة فيُعَد الأب أداة للضبط والنظام الاجتماعي في المحيط الأسري، ويسهم بفاعلية وتأثير في قدرة الأبناء على التعامل مع الغرباء والمواقف الجديدة، فمن خلال مشاركة الأب في رعاية الأبناء فإنهم يصبحون أكثر قدرة على مواجهة التوتر في المواقف الجديدة، وأقل خوفًا في تعاملهم مع الغرباء، وأكثر كفاءة في علاقاتهم مع الآخرين.

للأب دور أساسي في تزويد الأبناء بالمهارات الاجتماعية وتعليمهم القيم الإيجابية، فالطفل المحروم من الأب عاجز عن الاندماج مع الآخرين، فيتعذر عليه تقبل وُدهم، ما يجعل عواطف ومشاعر هذه الفئة غير ناضجة.

ويؤدي غياب الأب عن الأبناء وخاصة المراهقين إلى صراعات نفسية بين أفراد الأسرة، وانخفاض مستوى الاتزان النفسي والعاطفي بين الأبناء، ما يُعرض المراهق إلى الانحراف السلوكي.

المصادر

  1. باسمة حلاوة (2011): دور الوالدَين في تكوين الشخصية الاجتماعية عند الأبناء "دراسة ميدانية في مدينة دمشق"، مجلة جامعة دمشق، العدد(3،4)، دمشق.

  2. بتول محيي الدين صالح خليفة (2001): دراسة لبعض مشكلات صراع الدور لدى المرأة القطرية العاملة وعلاقته بالتوافق النفسي للأم والأولاد، رسالة دكتوراه، قسم الصحة النفسية، كلية التربية، جامعة عين شمس.

  3. بسنت أحمد مصطفى الميهي (2009): الدور الوقائي للمجلس القومي للأمومة والطفولة وعلاقته باتجاهات ربة الأسرة نحو رعاية أطفالها، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد المنزلي، جامعة المنوفية.

  4. تغريد بركات (2009): دور الأم وعلاقته بالتوافق النفسي والاجتماعي للأطفال في مرحلة الطفولة المتأخرة، رسالة ماجستير، قسم الاقتصاد المنزلي، كلية التربية الوعية، جامعة الزقازيق.

  5. حمدي ياسين، أحمد محمد مبارك (1999): البناء النفسي للأبناء الذين غاب عنهم الآباء وعلاقته ببعض المتغيرات النفسية والديموجرافية، مطابع المجموعة الدولية، الكويت.

  6. سماح ضيف الله الأسطل (2013): الحاجات النفسية لدى تلاميذ المرحلة الأساسية لمحافظة غزة "دراسة مقارنة بين المحرومين وغير المحرومين من الظام" رسالة ماجستير، قسم علم النفس، كلية التربية، جامعة الظازهر، غزة.

  7. شيماء السيد اللبان (2015): أثر غياب الأب على البيئة الأسرية وإدارة الذات للأبناء المراهقين "دراسة مقارنة بالأبناء المقيمين مع أبيهم" رسالة دكتوراه، قسم الاقتصاد المنزلي، كلية التربية النوعية، جامعة المنصورة، جمهورية مصر العربية.

  8. عبد الرحمن العيسوي (2000): التربية النفسية للطفل والمراهق، دار الفرات الجامعية، بيروت، لبنان.

  9. عبد المطلب أمين القريطي (1998): في الصحة النفسية، دار الفكر العربي، القاهرة، جمهورية مصر العربية.

  10. عبد الله ناصح علوان (1994): تربية الأولاد في الإسلام، الجزء الأول، ط 25، دار السلام للنشر، جمهورية مصر العربية.

  11. عواطف محمد سليمان محسن (2013): الأمن النفسي وعلاقته بالحضور والغياب النفسي للأب لدى طلبة المرحلة الثانوية بمحافظة غزة، رسالة ماجستير، قسم علم النفس، كلية التربية، الجامعة الإسلامية، فلسطين.

  12. فايز قنطار (1992): الأمومة "نمو العلاقة بين الطفل والأم" العدد (166)، المجلس الوطني للثقافة و الفنون والأدب، عالم المعرفة، الكويت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة