العناية الإلهيّة تفوق أيّ عناية أخرى..


جاء على لسان طبيب هذه القصّة المؤثّرة وهي من أصعب المواقف الَّتي صادفها بحياته كلها... فحكى وقال: لقد وصلت لحجرة الاستقبال ووجدت مريضًا ينتظر، فكشفت عليه وجلست على المكتب كي أكتب له روشتة العلاج فجاءت عيني على تقرير رسم قلب موجود على المكتب وبه ضربات قلب بطينية سريعة أكثر من الحد المعقول، فأسرعت بإعطاء المريض الروشتة لكي ينصرف، ثمّ رفعت تقرير رسم القلب وأنا متعجب من النّسبة الموجودة به وناديت على الممرضة وسألتها على صاحب هذا التقرير، فقالت لي: إنّه طفل 11 سنة موجود بحجرة طوارئ الأطفال، فبادرتها "إن حالته خطيرة جدًا ومعرض للموت في أيّ لحظة".

فقالت لي: نعم، ومدير المستشفى على علم به وترك معه بعض الأطبّاء يحاولون معه بإعطائه بعض الأدوية، فقلت لها ما ينفعش الأدوية في هذه الحالة المتأخرة، وقمتُ مسرعًا حتَّى حجرة الطوارئ ووجدت الأطبّاء يحاولون والوالدان والأعمام يقفون على باب الحجرة وهم حزانى.

فسألت طبيبًا منهم فقال: إنّه موضوع على الأجهزة ونحن نجرّب معه العلاجات الخاصّة بنوع ضربات القلب هذه، ولكنّه لا يستجيب، ونحن للأسف لا نقدر على اتّخاذ قرار، فذهبت ونظرت على الطفل وجدته مزرقّ اللّون، ونظرت للشاشة فوجدت الضربات معدية بسرعة 200 نبضة في الدّقيقة، وتترسم بعنف على الشاشة ومعنى كده إن الطفل سيخطفه الموت من وسطنا في أيّ دقيقة!!

فقلت بيني وبين نفسي، إن هذا الطفل يجب أن يأخذ صدمة كهربائية لكي يعود قلبه للعمل طبيعيًا. وكلّمت نائب قسم الأطفال عن الحالة ووجوب الصدمة الكهربائيّة، ولكنّه قال: يجب أخذ موافقة الأهل أولًا.. فورًا ذهبت لأتحدّث مع أهل الطفل ورفضوا موضوع الصدمة الكهربائيّة وهدّدوا بأنّهم سينقلونه لمستشفى آخر، ولكنّني حذّرتهم من هذا الإجراء لخطورته على الولد وأنّه لن يتحمل الانتقال وستتعرّض حياته للخطر الجسيم، ورجعت لنكمل علاجه العاديّ ولكن بلا أيّ فائدة.

وعندما لاحظ الوالد ذلك صرخ فينا وذهب للحوض الموجود بالحجرة وتوضأ وأخذ يصلي وهو يبكي، ويدعي ونحن جميعًا بالحجرة نسمع دعاؤه وبكاؤه في صلاته والدّموع تملأ أعيننا، وأيضًا والدته ارتمت بجوار سريره وهي تبكي وتنتحب وتقول يا رب... يا رب... دعوهم يقوموا بما يريدون... المهمّ ابني يقوم معافيًا، وفجأة عندما انتهى الوالد من صلاته اقترب مننا، وقال أعطوه الصدمة الكهربائيّة، ثمّ اقترب من ابنه وحضنه، وهو يقول: "هاستناك يا علي... هاستناك يا حبيبي عشان نروح نعمل عمره بالحرم سوا. عشان تصلي بي إمامًا... أنا حطيتك بين إيدين ربنا، هاستناك ترجع لي يا حبيبي"، ثمّ حضنه حضنًا جامدًا جدًا لأنه لا يعلم هل سيحضنه ثانية أم لا...

وقام قائل "والنبي يا رب... خلينا نرجع أربعة زي ما جينا، ماينقصش مننا حد"، وقتها زادت الدّموع والبكاء من كل من كان بالحجرة، ولكن دارى الأطبّاء والممرضون دموعه لأنّه لا يجب أن تظهر أيّ مشاعر لهم أمام أهل المريض.

ثمّ بعدنا الأب والأم عن ابنهم وها نبدأ نشتغل... قام راجع الأب وحاضن الابن حضنًا جامدًا جدًا وغرّقه بالدّموع ثمّ ابتعد وهو يقول له "كنت حاسّ من الأوّل إنك هاتمشي وتسيبني، بس ماكنتش عارف إن بسرعة كدة"، وقام وأخد زوجته وخارج من الغرفة وهي تسند رأسها على كتفه، بعدها أعطينا حقنة منوّمه للولد من أجل ألّا يشعر بقوّة الصدمة، ثمّ ذهبت للجهاز وأنا محمل بمائة تساؤل... أهمهمّ هل لو حدث له شيء. أكون أنا من قتلته بيدي!

وقلت في نفسي بالعكس يجب أن أحاول وألّا أكون شاركت بسلبيتي.. ثمّ ضبطت الجهاز وبدأ الجهاز يصفر خلاص يجب أن أعطي الولد الشحنة دلوقتي... ذكرت ربنا في سري وحتَّى كل من كان بالحجرة أخذ يدعي، ثمّ ضغطت على الزر والولد أخذ الشحنة كلّها وجسمه انتفض على السرير وأنا وجميع الدكاترة بالحجرة كانت عيوننا معلّقة على شاشة نبضات القلب لكي نطمئن هل قلبه يعمل أم توقف...

ثوانٍ مرّت علينا كأنّها سنين... الطفل رجع للحياة... أيوه رجع نبضات قلبه انتظمت... صفارة الجهاز البايخة هذه الَّتي تدل على انتظام ضربات القلب طولت علينا بس رجعت وعليّ رجع للدّنيا ثاني، وربنا أعطى له فرصة ثانية عشان يعيش... وأخذنا كلّنا نصفق لبعض على التّصميم والمجهود الَّذي بذلناه، ثمّ فتحنا الباب لأهله وهما متوقعين نقول لهم البقاء لله ولكنّهم وجدوا فرحتنا وسعادتنا فلم يفهموا، وجرى الوالد على ابنه ليتأكّد ويحضنه، ثمّ وجدت نفسي في حضن والده وهو يبكي ومش مصدق ويحمد الله وبقول يا ربّ أنت كنت أخذته منّي وصبرت... ورجعته لي ثاني، لازم أشكرك عليه...، تطمئنا عليه وسيبناه وهو ساند رأسه على صدر والده ووالدته، وخرجنا ونحن كلنا ثقة ومتأكدين إن الطّبّ والعلم ليس لهم أيّ لازمة بدون اليقين بالله والدّعاء والتّضرع له وحده، ثمّ خرجنا من الحجرة وتركناهم أربعة كما جاؤوا...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب